الرئيسية زوايا أقلام واراء  تصعيد أمريكي للإطاحة بمادورو.. كيف ستتأثر كاراكاس وحلفاؤها؟  بقلم: خليل حمد

 تصعيد أمريكي للإطاحة بمادورو.. كيف ستتأثر كاراكاس وحلفاؤها؟  بقلم: خليل حمد

 

الولايات المتحدة لا تغيير طبيعتها العدوانية، الحقيقة يؤكدها الهجوم الأمريكي المتجدد وغير المبرر منطقياً على فنزويلا في الأيام الأخيرة. حصار اقتصادي يشمل احتجاز ناقلتَي نفط تحملان نحو 4 ملايين برميل من النفط الفنزويلي، وسلسلة ضربات استهدفت قوارب تزعم واشنطن ضلوعها في تهريب مخدرات في الكاريبي وشرق المحيط الهادي، أسفرت حتى الآن عن تدمير نحو 30 سفينة ومقتل 104 أشخاص، كل هذا يجري مع دعوات دونالد ترامب لتغيير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

يزعم ترامب أن مادورو يقود “منظمة إرهابية تنشط بتهريب المخدرات في منطقة الكاريبي”، وهي منظمة تقول وكالة الصحافة الفرنسية إنه لم يتم إثبات وجودها حتى الآن وفقا للعديد من الخبراء، لكن تصريحات مسؤولين آخرين في الإدارة الأمريكية تكشف أن الأمر يتعلق بطموح السيطرة على فنزويلا.

كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز قالت لمجلة “فانيتي فير” إن الضربات تهدف إلى الضغط على فنزويلا، وسيستمر في تفجير القوارب إلى أن يرضخ مادورو.

كلمة السر بالنسبة لواشنطن إذاً هي الرئيس مادورو. ترامب دعا الأخير إلى التنحي باعتباره قراراً حكيماً برأيه. فيما رد مادور، قائلاً: إنه “سيكون من الأفضل للرئيس ترامب أن يركز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية في بلاده وأن يهتم بشؤون بلاده الخاصة”، مستغرباً أن يخصص ترامب 70% من خطاباته وتصريحاته ووقته لفنزويلا.

بالنظر إلى تاريخ العلاقة بين السلطات الفنزويلية والولايات المتحدة الأمريكية منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز وحتى اليوم، يبدو العداء الصريح والواضح منطقياً، بين واشنطن التي تسعى للهيمنة على مصادر الطاقة وإرضاخ الأنظمة التي لا تتماشى مع سياساتها، وبين كاراكاس التي تعادي الهيمنة الأمريكية وترفع شعار مناصرة استقلال الدول ودعم الإنسان في كل مكان، من أمريكا اللاتينية إلى فلسطين، وصولاً إلى أقصى الشرق الآسيوي في كوريا الشمالية.

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم يقدر بنحو 303.2 مليار برميل، تليها المملكة العربية السعودية ثم إيران وكندا والعراق، وكميات كبيرة من الذهب والمعادن الأخرى. هذا يفسر التركيز الأمريكي على فنزويلا أولاً في استهداف دول أمريكا الجنوبية المناهضة للسياسات الأمريكية. ومع تصدير ما بين 800 ألف إلى مليون برميل يومياً من النفط، فإن حظر التصدير الذي تفرضه واشنطن على كاراكاس يمكن أن “يعطِّل إمدادات الطاقة العالمية”، ما يشكل “تهديداً مباشراً للنظام القانوني الدولي والأمن العالمي”.

تصعيد كاراكاس متوقَّع ويشير إلى أهمية هذا الملف وحساسيته. تقديرات وكالة الطاقة الدولية تقول إن الحصار الأميركي إذا استمر، سيؤدي إلى شلل مالي للحكومة الفنزويلية لأنها تعتمد بشكل كبير على الإيرادات الناتجة عن صادرات النفط بنسبة نحو 95% من إيراداتها.

تستقبل الصين نحو 90% من الصادرات النفطية الفنزويلية، وعليه فإن الحرب الأمريكية على صادرات الطاقة الفنزويلية تستهدف الصين بشكل أساسي. ورغم قرار بكين عدم المواجهة مع الولايات المتحدة في “حديقتها الخلفية” إلا أن ضغط واشنطن في هذا الملف قد يؤدي إلى انخراط الصين في الملف بمنطق المصلحة الاقتصادية التي ستتأثر بشكل واضح إذا استمر الحصار الأمريكي كما تقول تصريحات مسؤولي إدارة ترامب.

لكن مساهمة فنزويلا في الإنتاج النفطي العالمي تقتصر على نحو 1% فقط، بعد انهيار كبير يُقدر بما يقارب 70% من الإنتاج عن الذروة التي وصل إليها وهي نحو 3.2 مليون برميل يومياً في أواخر تسعينيات القرن الماضي. هذه المساهمة المحدودة ستجعل تأثر سوق النفط العالمية محدوداً جداً بالحصار الأمريكي، وبالتالي فإن منطق المصلحة الاقتصادية سيجعل الملف أقل اهتماماً من سواه على أجندة العديد من دول العالم، وهذه نقطة تُلام عليها الحكومات الفنزويلية المتعاقبة منذ أيام الرئيس الراحل تشافيز وصولاً إلى اليوم، وإن كانت “العقوبات” الأمريكية أثرت سلباً بشكل كبير على قدرة كاراكاس على المناورة.

شكل المواجهة وأطرافها بدت أكثر وضوحاً في جلسة طارئة لمجلس الأمن دعت إليها فنزويلا، ورغم أنها لم تخرج بقرار رسمي، لكنها شهدت تراشقاً كلامياً بين مندوبي كاراكاس وموسكو وبكين من جهة، ومندوب واشنطن من جهة أخرى. جلسة استخدمت فيها فنزويلا وحلفاؤها (موسكو وبكين) مصطلحات قاسية من نمط “تنمر وابتزاز وعدوان وترهيب”. الهدنة الاقتصادية الهشة مع الصين أو الحل الأوكراني المُنتظر مع روسيا لم يفلحا في تخفيف حدة الانتقاد الصيني الروسي للمارسات الأمريكية في البحر الكاريبي.

المفردات تقول ربما إن المعركة التي افتعلها ترامب ضد مادورو لن تكون سهلة، وإنه ليس من المصلحة العالمية اليوم أن يتم تسليم فنزويلا للقصَّاب الأمريكي الذي يتعامل مع العالم اليوم بمنطق “القوة الأعظم والأوحد”، وهو ما قد لا يروق لبقية القوى المؤثرة والمتأثرة بملفات العالم الكبرى.

طموح القصاب الأمريكي من عمليته في الكاريبي وضد كاراكاس تتجاوز حدود الجمهورية البوليفارية، فالأثر الأكبر للحصار الأمريكي إذا استمر ستكون على كوبا، الحليف الرئيسي لحكومة مادورو. هافانا التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة تمظهرت بانكماش اقتصادي بنسبة 15% منذ عام 2018، تواجه المزيد من الصعاب مع تصاعد الضغوط على فنزويلا. حملة الحصار أدت إلى خفض الواردات النفطية الفنزويلية لكوبا من 100 ألف برميل يومياً إلى نحو 30 ألفاً، وهو توريد مهدد بالتوقف تماماً إذا استمر الحصار الأمريكي.

تستورد كوبا المحاصرة أمريكياً منذ أوائل التسعينيات نفطاً فنزويلياً مدعوماً يمثل نسبة 40% من احتياجات شركات الطاقة الكوبية، وتوقف هذه الإيرادات بحسب خبراء “سيؤدي بلا شك إلى انهيار الاقتصاد الكوبي”، وهكذا تكون واشنطن قد ضربت “عصفورَين بحجر واحد”.

في الخلاصة: تبدو المواجهة اليوم في فنزويلا وعليها محتدمة أكثر من أي وقت مضى، ورغم أن بكين لا تريد “إغضاب” الأمريكي في حديقته الخلفية، وموسكو تريد قطف ثمار عمليتها العسكرية في أوكرانيا وفق اتفاق السلام الذي طرحه ترامب، إلا أن السماح لواشنطن بفرض إرادتها على كاراكاس سيكون له آثاره السلبية على مستوى العالم أجمع، مزيداً من الغطرسة الأمريكية، وكثيراً من الانتظار لإعداد حلفاء جدد يقفون في وجه العدوانية والترهيب الأمريكي لدول العالم الأصغر حجماً أو الأقل قوة. الكرة في ملعب القوى الكبرى اليوم، وكل يوم، فإما مواجهة توقف الأمريكي عند حدِّه، وإما خسارات متتالية تكرس الهيمنة الأمريكية على دول العالم وعلى القانون الدولي على حد سواء.

Exit mobile version