في تصعيد جديد يعكس النهج المتطرف لحكومة الاحتلال، كشفت تقارير إعلامية عبرية عن مقترح قدّمه ما يسمى وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، يدعو إلى إقامة معتقل جديد للأسرى الفلسطينيين، محاط بخنادق مائية تحتوي على تماسيح، في خطوة تظهر فاشية الاحتلال.
مقترحه هذا الذي استوحاه من سجن” الكاتراز التماسيح” في فلوريدا الذي أقامه الرئيس الامريكي دونالد ترامب لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين به، ليس فكرة أمنية، بل عرضًا شعبويًا رخيصًا على طريقة دونالد ترامب. كما لو أن السياسة تحولت إلى سيرك، يكفي أن ترمي للناس صورة مرعبة كي تصفق لك، دون أن تسأل: هل هذا عقل؟ هل هذه دولة؟ التماسيح هنا تشبه جدار ترامب تمامًا: رمز أجوف، صاخب، ومصمم لإثارة الغرائز لا لحل المشكلات.
يأتي هذا المقترح في سياق سياسة انتقامية متصاعدة يقودها بن غفير، تُضاف إلى خطوات سابقة كان أبرزها الدفع نحو إقرار تشريعات تتيح إعدام الأسرى، ما يعكس سياسات العقاب الجماعي والتنكيل الممنهج.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، طُرح المقترح خلال اجتماع رسمي مع إدارة مصلحة سجون الاحتلال، وسط تحذيرات حقوقية من أن هذه الأفكار تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتؤسس لمرحلة جديدة من المعاملة اللاإنسانية داخل سجون الاحتلال.
ورغم الانتقادات التي طالت المقترح تؤكد مؤسسات حقوقية أنها سياسات انتقامية متصاعدة تهدد حياة آلاف الأسرى، في وقت تتصاعد فيه المطالبات الدولية بوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى ومحاسبة مرتكبيها.
لم يكن اقتراح بن غفير مجرد زلة لسان أو فكرة عابرة، بل كان تعبيرًا صارخًا عن عقلية سياسية ترى في القسوة استعراضًا، وفي إذلال الإنسان وسيلة للحكم، فهذا الطرح، بكل ما يحمله من وحشية رمزية، يكشف انحدار الخطاب السياسي من منطق القانون إلى منطق الغابة.
إن فكرة سجن تُستخدم فيه الحيوانات المفترسة كأداة ردع لا تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، بل إلى عصور الانتقام البدائي، وهي لا تهدف إلى تحقيق العدالة أو الأمن، بل إلى بث الخوف وتحويل العقوبة إلى عرض دموي يرضي نزعات التشدد لدى جمهور يبحث عن القوة لا عن الحلول، في هذا السياق، لا يصبح السجين إنسانًا خاضعًا للقانون، بل فريسة محاصَرة، تُسلب منه كرامته قبل حريته.
الأخطر من الفكرة نفسها هو ما تمثّله سياسيًا، فحين يقترح مسؤول رسمي مثل هذا النموذج، فهو يبعث برسالة مفادها أن الدولة مستعدة لتجاوز كل الخطوط الأخلاقية والقانونية مقابل مكسب شعبوي رخيص، وبالتالي فإن العدالة التي تُدار بمنطق الرعب لا تنتج أمنًا، بل تكرّس العنف وتُشرعن القسوة بوصفها سياسة عامة.
ثم إن هذا الطرح لا يصمد أمام أي فحص عقلاني فلا هو قابل للتطبيق، ولا هو قابل للدفاع عنه قانونيًا، ولا يمكن تبريره أخلاقيًا، إنه فكرة استعراضية، قائمة على السادية وحب القتل.
وجميعنا نعلم أن بن غفير يُعرف بانتمائه إلى التيار اليميني المتطرف في إسرائيل، واعتماده خطابًا يقوم على التصعيد الأمني واستخدام القوة كوسيلة أساسية للتعامل مع الفلسطينيين، وخصوصًا الأسرى، تأتي هذه الفكرة في إطار محاولة كسب تأييد قاعدته السياسية عبر طرح حلول قاسية وغير تقليدية، تعكس موقفًا عقابيًا لا إصلاحيًا تجاه ملف الأسرى.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، يُعد الأسرى، ولا سيما الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، أشخاصًا محميين بموجب اتفاقيات جنيف وقواعد حقوق الإنسان. أي طرح يتضمن تعريض حياة الأسرى للخطر أو معاملتهم بطريقة مهينة أو لاإنسانية يُعد انتهاكًا واضحًا لهذه القوانين. سجن “محاط بالتماسيح” ليس فقط فكرة غير واقعية عمليًا، بل يحمل رمزية العنف والتجريد من الإنسانية، ويعكس استخفافًا خطيرًا بالمعايير الأخلاقية والقانونية.
هذا وتستحضر هذه الفكرة صورًا أقرب إلى الخيال أو الأفلام، وهو ما يجعلها أداة دعائية أكثر من كونها مشروعًا قابلًا للتنفيذ. استخدام الحيوانات المفترسة كوسيلة ردع يهدف إلى بث الخوف وإرسال رسالة قاسية للأسرى وللشارع الفلسطيني عمومًا، مفادها أن الدولة مستعدة لتجاوز كل الخطوط الحمراء. هذه الرمزية تعزز مناخ الكراهية وتغذي الصراع بدلًا من الإسهام في حلول حقيقية.
وبالتالي فإن فكرة إنشاء سجن محاط بالتماسيح، حتى وإن بقيت في إطار التصريحات، تعكس أزمة أخلاقية وسياسية عميقة في التعامل مع ملف الأسرى الفلسطينيين. فهي لا تقدم حلًا أمنيًا حقيقيًا، بل تزيد من حدة التوتر وتؤكد الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار للمعايير الإنسانية والقانونية، والبحث عن مقاربات قائمة على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية، بدلًا من التهديد والترهيب.
في النهاية، تكشف فكرة “سجن التماسيح” عن أزمة أعمق من مجرد تصريح متطرف؛ إنها أزمة خطاب يرى في القوة الغاشمة بديلًا عن القانون، وفي الإهانة سياسة، وفي الإنسان رقمًا يمكن التخلي عن كرامته، ومتى ما وصلت السياسة إلى هذا المستوى، فإن الخطر لا يهدد السجناء وحدهم، بل المجتمع بأكمله، فالدولة التي تشرعن الوحشية اليوم، ستجد نفسها غدًا محاصَرة بمنطقها نفسه
