يشهد العالم في العقود الأخيرة إعادة هندسة للمبادىء العامة الحاكمة للعلاقات الدولية، لا سيما بعد الزلزال الكبير المتمثل بانهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية، والذي كان له انعكاساته ليس فقط على خارطة النفوذ الجيوسياسية، وإنما أيضا على مفاهيم الحق والعدالة وعلى مجمل الآليات والنظم والقوانين الدولية المنظمة للتوازنات والممسكة بخيوط الاستقرار والأمن الاقليمي والدولي. ومع تصاعد الهيمنة الأمريكية وصعود اليمين واليمين المتطرف إلى سدة الحكم في الكثير من الدول صاحبة النفوذ، أصبح مصطلح “نشر الديمقراطية ” أو ” حماية المدنيين والاقليات ” مسوغا كافيا للتدخل العسكري، وبدأ التحول من التركيز على شرعية العدالة وحقوق الإنسان إلى تغليب شرعية القوة والمصالح، حيث أصبحت القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية هي المحدد الأساسي للعلاقات الدولية، يتم فيها تهميش القيم الإنسانية والاخلاقية والقانون الدولي كما يتم تغييب دور الأمم المتحدة وكل ما أفرزته من مؤسسات تعنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وبذلك يتحول الاستقرار الطويل الأمد القائم على التوازنات إلى هشاشة سياسية تنتج صراعات مستمرة تفقد معها المجتمعات ترابطها والدول سيادتها. فشرعية القوة لا تنتج سوى أنظمة هشة، إذ أنها قد تحسم مرحلة لكنها لا تبني مشروعا مستداما، لأن الشرعية المستدامة لا تقوم الا على العدالة والمؤسسات القوية المعبرة عن طموحات شعوبها.
“شرعية القوة مكان قوة الشرعية” نظرية ترامب لعالم جديد ينصب فيه نفسه امبراطورا، مستغلا الاختلال الكبير في موازين القوى. فهو يتعامل مع العالم من خلال عدة محاور أساسية، حيث يعتمد على القوة العسكرية والاقتصادية كأدوات لإثبات شرعية الولايات المتحدة وحقها بفرض السياسات، متجاوزا الأعراف الدولية التقليدية والامم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، فمصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، بنظرته النرجسية، فوق أي اعتبار، ما يعني أن الشرعية في أي مكان في العالم تستمد من الداخل الأمريكي أولا، ولذلك قام بترسيخ مبدأ ” الصفقات لا المبادئ ” من خلال التعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات التجارية والاتفاقيات الثنائية لا بمنطق القيم أو التحالفات الطويلة الأمد. ولتعبيد الطريق أمام رؤيته عمد إلى الانسحاب من معظم الاتفاقيات والمنظمات الدولية باعتبار أن القوة هي مصدر الشرعية.
أما بالنسبة للعالم العربي ، فقد اتسمت سياسة ترامب بالبراغماتية القائمة على الصفقات والضغط. فهو يركز على تحقيق مكاسب مالية من دول الخليج، في الوقت الذي يمارس فيه الضغط على السعودية لدفعها نحو التطبيع مع إسرائيل بالتزامن مع تقديمه كل أشكال الدعم لدولة الاحتلال في حربها على شعبنا الفلسطيني، ما خلق بيئة أكثر هشاشة دفعت دولا في الإقليم والمنطقة كتركيا وآخرين غيرها الى التفكير بمراجعة الحسابات وتعزيز علاقاتهم مع أطراف أخرى كالصين وروسيا في إطار توازن يحافظ على الدور والموقع، سيما وان التحولات في المنطقة تجري بشكل متسارع، ودولة الاحتلال تستغلها للتدخل والتغول في الجسد العربي باعتبارها فرصة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بالتوسع والهيمنة على المنطقة بأكملها وإقامة إسرائيل الكبرى والتحكم بما حولها. وقد كان ترامب قد منح إسرائيل غطاء كاملا في قرارات مصيرية مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لكيانها ونقل السفارة الأمريكية إليها، في تعزيز لشرعية القوة وتغييب كامل للقانون الدولي، وكذلك الضغط على بعض الدول وانضمامها للاتفاقيات الابراهيمية، ما أخرج جزءًا من العالم العربي من معادلة الصراع. وقد عمل ترامب من خلال ” صفقة القرن ” التي صيغت وفق معادلات القوة الإسرائيلية على تهميش الحقوق الفلسطينية وتحويل الصراع مع إسرائيل الى نزاع ثنائي فلسطيني إسرائيلي بعيدا عن البعد العربي الأشمل. وإسرائيل اليوم تعمل خلال فترة ترامب على هندسة اقليمية تقوم على رسم ترتيبات أمنية وسياسية طويلة المدى، إذ أنها تسعى لدمج نفسها في المنطقة عبر مشاريع تكامل اقتصادي وأمني بما يشمل احتمالات تطبيع مع دول كسوريا ولبنان قبل أي تغيير محتمل في السياسة الأمريكية.
أهداف السياسية الأمريكية المتفلتة من كل الضوابط واضحة. لكن، هل يمكن الحد من استغلال إسرائيل لهذه السياسة والتمدد في المنطقة العربية! الجواب هو نعم إذا ما توافرت لدى دول العالم العربي شروطا هي في مجملها غائبة بسبب هشاشة النظام العربي والفجوة الفاصلة بينه وبين شعوبه. أول تلك الشروط ، تعزيز الموقف العربي الموحد والذي من شأنه فرض قوة تفاوضية مؤثرة تمكنه من وضع خطوط حمراء أمام أي محاولات إسرائيلية لاستغلال الدعم الامريكي. كذلك فإن تفعيل دور جامعة الدول العربية كان يمكن أن يساهم في صياغة سياسات جماعية أكثر صرامة تجاه التطبيع غير المشروط. لكن كل ذلك يبقى في دائرة الآمال بسبب الانقسامات وتشظي مواقف هذه الدول.
ومن اهم شروط المواجهة ايضا تمكين الشعب الفلسطيني اقتصاديًا وسياسيا ودعم المؤسسات الوطنية وتعزيز صمودها وحضورها. لكن على عكس ذلك، لم تعمل الدول العربية حتى على تفعيل شبكة الأمان المالي للسلطة الفلسطينية التي تتعرض لحصار مالي خانق، وهي آلية اقرتها القمم العربية لتقديم دعم مالي دوري للسلطة الفلسطينية خصوصا عند احتجاز إسرائيل لاموال المقاصة أو عند الأزمات، والهدف منها ضمان قدرة السلطة على دفع الرواتب وتغطية الالتزامات الأساسية تجاه شعبنا الفلسطيني. ولكن رغم اقرارها منذ زمن ليس بقصير لم يتم تفعيلها بشكل منتظم، وغالبا ما بقيت مجرد قرار سياسي غير ملزم.
كذلك، فإن هناك العديد من الأوراق التي يمكن للعالم العربي استثمارها لدى الجانب الامريكي للحد من التغول الإسرائيلي كالضغط عبر أدوات اقتصادية كالتلويح بأوراق الطاقة والتجارة.
بالمحصلة، فإن الحل لا يكون بمواجهة واشنطن مباشرة ولا بالخضوع ولا بالخطابات الشعبوية الرنانة، وإنما بإعادة صياغة الموقف العربي إذا ما توافرت الإرادة ليكون أكثر استقلالية، مع استخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية ذكية، وبناء تحالفات جديدة تقلل من قدرة إسرائيل على استغلال السياسة الأمريكية لصالح تمددها في المنطقة، وتقديم الدعم المالي لفلسطين من خلال تفعيل شبكة الأمان المالي للسلطة بشكل فوري وشفاف، وإطلاق صندوق عربي لدعم أبناء شعبنا ودعم المشاريع التنموية بعيدا عن التحكم الإسرائيلي، وتعزيز الحضور الفلسطيني دوليا. أما على صعيد المنطقة فباستطاعة الدول العربية بناء مشاريع أمنية واقتصادية اقليمية وإطلاق مبادرات اقتصادية عربية مشتركة كالربط الكهربائي والسوق الرقمية العربية، مما يقلل من فرص دمج إسرائيل في المنطقة.
كل ذلك يستوجب القفز على الانقسامات والمصالح الضيقة، والانتقال من مرحلة التردد وانتظار ما يحمله القدر ، الى مرحلة المواجهة الذكية والفعل والإنجاز.
