بقلم: ناحوم برنياع /بعد حملة الليطاني، في آذار 1978، وافقت حكومة بيغن على إقامة “اليونيفيل”، قوة الأمم المتحدة في لبنان.
كان وزير الدفاع في حينه عيزر وايزمان. سألته لماذا يؤيد مرابطة قوة أجنبية بيننا وبين دولة عربية، بخلاف سياسة كل الحكومات السابقة، فأجاب وايزمان: “أنا مع كل قوة أجنبية شريطة أن تأتي من دولة معادية”.
لماذا معادية؟ سألت متعجباً. “لأنه إذا جاءت قوة من دولة صديقة ستصبح معادية”، أجاب.
كان ثمة عداء لكن ما أخطر منه كان الوهن. لم تجلب “يونيفيل” السلام، ولم تجلب الأمن، ولم تجلب الفائدة: 48 سنة من الفشل التام.
هذه السنة ستفكك بإجماع عام. بالتوازي، في الجنوب يفترض بنا أن نحصل على قوة دولية جديدة، قوة الاستقرار في غزة.
جارد كوشنير، الصهر والمبعوث، هو الروح الحية من خلف إقامة حكومة غزة الجديدة، اللجنة الإدارية التي ستشرف عليها والقوة التي ستكون تحت تصرفها. نتنياهو ضد، الجيش الإسرائيلي ضد. أما ترامب فيتجاوزهما كليهما.
كل بحث في هذا الموضوع المشحون ينبغي أن يبدأ بسؤال أين نحن؟
هل نحن مع حكومة إسرائيل التي يتحدث وزراؤها الكبار عن طرد السكان واستيطان يهودي بدلاً منهم؟
هل نحن مع رئيس الوزراء الذي يسعى لاستئناف الحرب في غزة في غضون شهرين، حتى احتلال كل الأرض وإقامة حكم عسكري على مليوني فلسطيني؟
هل نحن مع الجيش الإسرائيلي الذي لا يريد أن يحكم غزة لكنه لا يعرف كيف يتعايش مع نقل الحكم فيها إلى الآخرين؟
هل نحن مع الرئيس ترامب الذي يصر على إشراك قطر وتركيا، الداعمتين الواضحتين لـ “حماس”، في القرارات حول مصير القطاع وسكانه؟
هل سنتا قتال مضرجتان بالدماء، ومحملتان بالثكل، وبالقلق، وبالألم وبالمعاناة، كانتا عبثاً؟
هل ستكون “حماس” المنتصر الحقيقي في حرب 7 تشرين الأول؟
الاختيار جد صعب. فكروا بمفتدى الأسر الذي يتردد فيما إذا كان سيعود إلى كيبوتسه ليربي أبناءه هناك بأمان؛ فكروا بمقيم سديروت الذي يوشك على الدخول إلى شقته الجديدة أمام خرائب بيت حانون، فكروا بعائلة في عسقلان أو في بئر السبع تتمنى بعد سنتين من الليالي بلا نوم، بضع سنوات من الهدوء؛ فكروا بزوجة رجل الاحتياط التي تعبت من إعالة العائلة وحدها؛ فكروا بالإسرائيليين كلهم.
في أزمنة أخرى، أكثر سلامة، كان يمكن للمواطن أن يقول لنفسه الوضع معقد، ليس لدي ما يكفي من المعلومات، أنا أثق بالقيادة الوطنية التي تعرف كيف تتصدى له. لكن هذه ليست أزمنة سليمة. من المشكوك فيه أن يكون أي ممن سيقررون مستقبل حدودنا الغربية جديراً بالثقة.
نبدأ بترامب. إسرائيل مدينة له بالكثير. ما كان أحد من أسلافه ليطلق طائرات B2 إلى منشآت النووي الإيرانية، ومن المشكوك فيه أن يكون أي من أسلافه يستثمر ما استثمرته إدارته في تحرير المخطوفين، في الحرب في غزة، وفي وقف النار في غزة، ولبنان، وإيران، وسورية.
تصميمه والاستعداد للعمل من خارج الصندوق كانا مجديين جداً.
الجانب الآخر من العملة ذاتها هو خفة الرأي، الثرثرة، والجهل.
فقد تسبب بضرر عظيم حين اقترح ترحيل سكان غزة. رفع حلفاؤه العرب الهواتف فانقلب رأساً على عقب.
لكن الفكرة شرعنت في غزة واكتسبت مكانة. فلئن كان المسيح، المخلص، عظيم أصدقاء إسرائيل على مرّ الأجيال، يقترح طرداً فقد حان الوقت للطرد.
فقد تسبب بموت المئات، وربما آلاف المواطنين الإيرانيين عندما غرد “المساعدة على الطريق” والمساعدة لم تأتِ.
هالة القدسية، التي ارتبطت حول ترامب، هي دعوة لخيبة الأمل.
ترامب ليس ولياً، وهو لا يحدث المعجزات. ولن يطهر أبداً. له مصالح، شخصية وقومية، نزوات، ومواضع ضعف. يمكن العمل معه، ومن المحظور الإدمان عليه.
وعندما ضاق الحال على مكتب نتنياهو ألقى بالذنب على صهره، جارد كوشنير. بالفعل كوشنير غاضب على نتنياهو منذ أشهر وله أسبابه. لكن من السخف أن نعزو إشراك تركيا، وقطر و(بشكل غير مباشر) السلطة الفلسطينية في إعمار غزة إلى الصهر وحده. ترامب ليس غبياً وهو لا يحب أن يعرض هكذا.
إن مخاوف نتنياهو من دخول جهات معادية في المسيرة مسنودة. لكن البديل الذي يقترحه عملياً على غزة أكثر خطراً.
لنفترض أن ترامب يسمح له بفتح حرب في غزة من جديد، ولنفترض أن احتلال غزة كلها سيكون سريعاً والثمن محتملاً، ماذا سيحصل عندها؟
ماذا سنفعل بمليوني نازح بقوا بلا أي شيء، باستثناء قطعة الرمال التي يقفون عليها؟ من وكيف سيديرهم، ويمولهم، ويهتم بنواقصهم؟ كيف نتصدى للمقاطعات في أميركا، وفي أوروبا، وفي الاقتصاد وفي العلوم؟
لا يمكن أن ترفض أيضاً مشاركة تركيا وقطر وكلتاهما حليفة لأميركا وكلتاهما مقربة من ترامب.
وكذا المشاركة الفلسطينية ولا نزال نتوقع دعماً مطلقاً، عسكرياً وسياسياً للولايات المتحدة لمواجهتنا مع إيران.
يحب ترامب نتنياهو، لكنه لا يحبه إلى هذه الدرجة.
لقد فشلت إسرائيل في غزة، وليس لها حل لهذا الإقليم، وللناس الذين يعيشون فيه.
كل بديل – حتى البديل الذي يمليه ترامب – ينطوي على مخاطر كبرى.
على الرغم من ذلك لعله حان الوقت لإعطاء فرصة للآخرين.
عن “يديعوت”
