لا ترسانة أسلحة الحروب على البنادق والقنابل والصواريخ والطائرات، ولا تنحصر ساحاتها في الخنادق والجبهات القتالية، بل إن جزءًا كبيرا منها تدار على الجبهة النفسية بقوة الدعاية للذات تدار بلا ضجيج وتُفرض بلا إعلان، وتُمارس كروتين ينهش الأعصاب ببطء، حيث تقوم الفئة الداعية بتسويق نفسها على أنها ذات بأس وقوة أمام الخصوم بهدف زعزعة ثقتهم وزرع الخوف والجبن في نخبهم العسكرية والسياسية فضلا عن حواضنهم الشعبية وتصبح حالة مزمنة من الترقب تُحوِّل الحياة إلى اختبار أعصاب مفتوح اذ لا مواجهة ولا أمان ينهي حالة الترقب ومعارك الظل لتهيئة الساحات للفوضى.
العدو لا يحتاج إلى حرب شاملة ليحقق أهدافه. لأنه يبقي المجتمع في حالة إنهاك نفسي دائم، في حرب تستنزف الإرادة، وتُربك الوعي، وتُضعف الثقة بالمستقبل، سياسياً، لذلك تستخدم هذه الحالة لفرض الوقائع وتأجيل الاستحقاقات وابتزاز الداخل والخارج ليبقى المواطن الخسارة الصامتة أمام قصف شعوره بالأمان وتهجيره النفسي من استقراره الداخلي واحساسه بأن الحياة معلقة على قرار لا يملكه أمام استثمار التهديدات.
الحرب النفسية استخدمت على مر التاريخ وفي كل الحضارات، مع تغييرات في تسمياتها، ومن أبرز النماذج المعاصرة (الحرب الباردة) في النصف الثاني من القرن الماضي بين الحلف شمال الأطلسي بالقيادة الأمريكية، وحلف وارسو بالقيادة السوفيتية، وسُميت أيضا بـ «حرب الأعصاب، حرب الدعايات، حرب الشائعات، حرب الكلمة والصراع الفكري». كما استخدم بشكل واضح في الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي العديد من الحروب الإقليمية وكانت نتائجها مؤثرة.
وتكون أكثر فاعلية حال توفر فيها عامل التأثير من بينها الآلة الإعلامية المستخدمة وضعفها من الجهة الأخرى لدى الخصم وقلة الوعي التاريخي والسياسي لدى الشعوب، وضعف الانتماء والاستعلاء الفكري عندها. واستخدام الدعاية ووسائل الاقناع على نحو غير عنفي، لتحقيق أهداف الحرب العسكرية، وثمة من وصفها بأنها ” عملية منظمة شاملة، يُستخدم فيها من الادوات والوسائل ما يؤثر على عقول ونفوس واتجاهات الخصم” إضافة الى أن إدارة الحرب النفسية توسعت عملياتها في العقد الأخير بتطور الوسائل والتقنيات الحديثة والأجهزة الالكترونية والأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة والرادارات المتطورة وأجهزة البث البعيدة وكاميرات المراقبة وأجهزة الاتصالات ونقل الصور البعيدة وأجهزة التشويش والحواسيب وشبكات الانترنت إضافة إلى الاستفادة من الوسائل القديمة المستخدمة في الحرب النفسية.
الصهيونية العالمية منذ نشأتها عملت إلى تغول الاحتلال الإسرائيلي في أرض فلسطين بالحرب النفسية في العصر الحالي حيث قامت بمساعدة من القوى العالمية وبدعم لا مشروط منها، بشيطنة دعاوى الشعب الفلسطيني في استحقاقه لأرضه وحقه المشروع في المقاومة، وبرسم صورة الضحية للصهاينة أمام الرأي العام العالمي، ومراحلها، وتأثيرها، وسبل التحرر من وطأة نتائجها لا سيما أن هذه الحرب حظيت بأهمية عظيمة لدى الحكومات على المستوى السياسي، ولدى القادة العسكريين والجيوش على المستوى العسكري وتلقى الاهتمام والعناية والرعاية، وتقوم الدول بتوظيف الامكانات والمقدرات والموارد البشرية أو المادية، بوصفها أخطر أسلحة الحرب فتكاً، وأشدها تأثيراً، وخطراً، وأقلها كلفة؛ فالحرب النفسية تثير الفتن والقلاقل والصراعات في جبهة العدو الداخلية وتقتل الروح المعنوية، وتكسر إرادة صموده وتدفعه الى الاستسلام، بعد كبح وعيه واندفاعه، حيث تعمل على سلبه قواه الرمزية الفاعلة، وتجعله يتقهقر بطريقة لا إرادية، مخلّفاً وراءه الخسائر الجسيمة.
هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لسياسة عدوانية ممنهجة لا ، تهديدات تُطلق بلا رقيب أو حسيب، وخطابات لا تخلو من التنديد والوعيد تتعامل مع مجتمعات كاملة بوصفها ساحة ضغط وليس بشرا لهم حق العيش وبالتالي يُطلب من المواطن أن يواصل يومه وكأنّ شيئاً لم يكن، فيما كلّ شيء حوله يقول إنّ الخطر قائم على كلّ الاحتمالات ولا يحتاج العدو إلى حرب ليحقق أهدافه. يكفيه أن يُبقي المجتمع في حالة إنهاك نفسي دائم، من خلال حرب تستنزف الإرادة، وتُربك الوعي، وتُضعف الثقة بالزمن الآتي، والعيش تحت السقف المنخفض من الأمان وهو بحدّ ذاته شكل فادح من أشكال الحرب، فمع انتقال القلق من شعور فردي إلى حالة جماعية، تتحوّل الحياة إلى مساحة محكومة بالحدّ من التخطيط، وحدّ أدنى من الفرح، وحدّ أدنى من الأمل. ويصبح المواطن حذراً حتى في أحلامه، متردّداً في قراراته، مثقلاً بإحساس دائم بأنّ أيّ بناء قد ينهار فجأة أمام فرض الوقائع وتأجيل الاستحقاقات وابتزاز الداخل والخارج، واستثمار التهديدات بوصفها سلاحاً بحدّ ذاته، يُراد له أن يسبق الفعل وأن يُغني عنه.
إن العجز الحالي عن خوض مواجهة شاملة لا يعني التسليم الكامل، هنا تبرز المواجهة النفسية بوصفها خط الدفاع الأخير، وربما الأكثر خطورة على العدو إنْ أُحسن إدارتها والصمود هنا لا يعني الصبر السلبي ولا التعايش مع الخوف، بل يعني رفض تحوّل القلق إلى قدر، بمعنى أنّ يصرّ الناس على الحياة لا بوصفها غفلة، بل بوصفها موقفاً، أن يعملوا، ويبنوا، ويخططوا، ويتشبّثوا بتفاصيلهم اليومية، كفعل مقاومة في وجه مشروع يستهدف تفريغ الحياة من معناها.
أمام تحركات الحركات الصهيونية في حربها النفسية على العقول، لابد للأمة أن تعي ضرورة قيامها هي الأخرى بفعل لا يقل قوة، أو بعبارة أخرى أن تشن هي ايضا حربا نفسية مضادة، من خلال البناء النفسي للمجتمع العربي، وروح التحدي والندية أمام المد الصهيوني والغربي مرورا بالتحصين الفكري، وتثقيف الأجيال الناشئة حول حقيقة الصراع وتاريخ القضية الفلسطينية. وترسيخ مفهوم الأمة الواحدة وتبيين حقيقة الحدود الوهمية المرسومة من طرف الاستعمار الغربي. وبالتالي عندما يصبح الوعي درعاً، والصمود ممارسةً يومية، فان فاعلية الحرب النفسية تتراجع بلا شك، لأن الخوف الذي يُدار بعقلانية يفقد قدرته على الشلل، ومن هنا يتحوّل الوجدان الجمعي إلى قوة تماسك، لا إلى ساحة تفكك.
ان الحرب النفسية ليست مرحلة عابرة، بل استراتيجية طويلة النفس تستهدف كسر الإنسان قبل كسر الجبهة، ومواجهتها لا تبدأ من الميدان فقط، بل من العقل والوجدان، هناك، حيث يفشل العدو في تطبيع الخوف، ويتحوّل الصمود من ردّ فعل إلى خيار واعٍ، لإسقاط هذه الأدوات الأخطر من خلال الوعي الجمعي.