ترتكز الاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا حالياً على العديد من الأهداف لا سيما في ظل توجهات إدارة ترامب الثانية في التحول من نموذج المساعدات التقليدي إلى الدبلوماسية التجارية والشراكات الاقتصادية، بهدف تأمين المعادن الحيوية (كوبالت، ليثيوم) ومواجهة نفوذ الصين وروسيا، كما تتضمن الاستراتيجية تعزيز الأمن عبر “أفريكوم” لمكافحة الإرهاب، وهي تعنى “القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (USAFRICOM) هي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأمريكية وهي مسؤولة عن العمليات العسكرية” مع التركيز على استثمارات الطاقة والتكامل الاقتصادي, إن أبرز ملامح الاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا يمكن حصرها بالتالي:
١- التركيز على الاقتصاد والتجارة: الانتقال إلى علاقات ترتكز على الاستثمار الخاص، وتطوير المعادن النادرة، والحد من هيمنة مبادرة الحزام والطريق الصينية، مع خفض التمويل غير الاستراتيجي.
٢- عسكرة الأمن ومكافحة الإرهاب: تلعب القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) دوراً محورياً في عمليات مكافحة الإرهاب (خاصة في الساحل، الصومال، ونيجيريا)، مع اعتماد مقاربة عسكرية توازن بين التدخلات السريعة ودعم الشركاء دون التزامات عسكرية طويلة الأمد.
٣- التنافس الدولي: تشكل القارة ساحة تنافس رئيسية، حيث تسعى واشنطن لمواجهة التمدد الصيني والروسي عبر تعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري، ومحاولة إعادة تموضع قواتها في غرب أفريقيا.
٤- إعادة هيكلة المساعدات: تتبنى السياسة الحالية توجهاً يفرض الاكتفاء الذاتي على الدول المتلقية للمساعدات، مع مراجعة برامج المعونة الحالية.
٥- الاستهداف الجغرافي: التركيز على مناطق المعادن الحيوية:جمهورية الكونغو الديمقراطية، أنجولا، جنوب أفريقيا، ودول غرب أفريقيا :السنغال، غانا، لتعزيز الشراكات الديمقراطية والتجارية.
تعد الاستراتيجية جزءًا من رؤية أمريكا أولاً والتي تهدف لحماية المصالح الوطنية وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي عبر شراكات استراتيجية.
واذا اردنا النظر إلي الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية: تسعى الولايات المتحدة من خلال إستراتيجيتها إلى تحقيق مجموعة من الأهداف أهمها: محاولة السيطرة على الموارد الهيدروكربونية المعدنيه والباطنية الموجودة في إفريقيا باعتبارها تمثل المستقبل في تصورها، كما ان مختلف الدراسات تثبت أن إفريقيا في القرن القادم لن تصبح إفريقيا التخلف في ظل وجود عدة دول تحقق نسب عالية من النمو مثل: نيجيريا(10%) وإثيوبيا(7%)…
تثبيت التوجه الأمريكي لاسيما في حوض النيل والقرن الإفريقي لتضييق النطاق على السودان ومصر وحماية الأمن الإسرائيلي. نشر القيم و الأفكار الغربية ومواجهة مد الأفكار و الدعايات الشيوعية والصينية، تهميش دور الدول العربية في إفريقيا ، و العمل على تشويه الصورة العربية لدى الشعوب الإفريقية بكل السبل مثل: تهمة الاتجار بالعبيد.
سيناريوهات الوساطة الامريكية لسد النهضة: يطرح إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدخله لإنهاء الخلاف القائم بشأن «سد النهضة» الإثيوبي مع دولتي المصب، مصر والسودان، تساؤلات حول السيناريوهات المطروحة أمام الوساطة الأميركية لإنهاء النزاع القائم منذ نحو 14 عاماً.
ويرى خبراء سياسيون أن الانطلاق من الاتفاق المبدئي الذي جرى التوصل إليه بين الدول الثلاث في فترة رئاسة ترامب الأولى، ولم توقع عليه إثيوبيا، هو «الخيار الأفضل» أمام الوساطة الأميركية، إلى جانب ممارسة ضغوط على أديس أبابا للانخراط في مسار التفاوض بجدية.
واستضافت واشنطن خلال ولاية ترامب الأولى جولة مفاوضات عام 2020 بمشاركة البنك الدولي. ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، فإنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه وقتها.
وتعهد الرئيس الأميركي مجدداً بالتدخل لحل أزمة السد الإثيوبي؛ وقال خلال محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة دافوس السويسرية، الشهر المنصرم، إنه واثق من التوصل لحل أزمة السد في نهاية المطاف، مؤكداً أهمية التفاوض المباشر بين الأطراف المعنية لضمان حقوق الجميع، وتحقيق الاستخدام العادل للمياه، بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي، ويجنب المنطقة أي توترات مستقبلية، والشهر الماضي من العام الجارى، عرض ترامب استئناف الوساطة بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن أزمة السد، وقال إن واشنطن مستعدة الاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل، ويضمن تلبية احتياجات الدول الثلاث على المدى البعيد. وأشاد السيسي بتدخل ترامب في قضية مياه النيل، وقال إن الرئيس ترامب اهتم بملف السد الإثيوبي منذ بداية ولايته الأولى، وأكد حرص مصر على دعم جهود التوصل إلى حلول عادلة تضمن حقوقها المائية، وتعزز الأمن والاستقرار الإقليمي.
كما أعلنت مصر في ديسمبر 2023 توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد بعد جولات مختلفة، وعقب افتتاح أديس أبابا مشروع سد النهضة رسمياً في سبتمبر (أيلول) من العام 2023، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيه آنذاك أنها لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل.
سيناريو المفاوضات المباشرة: يعتقد الكاتب بانه الصواب أن أمام واشنطن سيناريو واحد لحل أزمة السد الإثيوبي، وهو أن حراك هذا الملف ينطلق بمفاوضات مباشرة بين الأطراف الثلاثة للتوصل إلى الاتفاق الذي يضمن حقوقهم.
كما أن حديث ترامب عن السد الإثيوبي في الفترة الأخيرة يشير إلى عدم اقتناعه بهذا المشروع، خصوصاً وأنه لم يحقق أي نتائج تنموية لإثيوبيا، ويشكل مصدر ضرر دولتي المصب مصر والسودان.
يرى الكاتب أن حديث ترامب المتواصل عن السد الإثيوبي يظهر تبنيه الموقف المصري، وقد انتقد ترامب في أكثر من مناسبة قيام واشنطن بتمويل بناء السد الإثيوبي. يرجح الكاتب نجاح الوساطة الأميركية هذه المرة، ومن الممكن الوصول لاتفاق يضمن مشاركة مصر في ترتيبات إدارة السد.
الخاتمة: في نهاية المطاف أستطيع القول أن الإستراتيجية الأمريكية في إفريقيا هي إستراتيجية تتحكم فيها المصالح بدرجة أولى لهذا فهي تدرك أن السيطرة على إفريقيا يعني ضمان المستقبل لتحريك اقتصادها لهذا فهي تخطط لبرامج طموحة تحقق لها المصالح في ظل منافسة شرسة من الطرف الصيني الذي يسيطر على القارة اقتصادياً وفرنسا ثقافياً، وروسيا عسكريا.