أمد/ ارتبطت «السيادة الوطنية»، بمفهومها القانوني والسياسي والفعلي، بوجود الدولة الحديثة، وشكلت إحدى أهم خصائصها وسماتها، خاصة حينما صارت نظرية السيادة ركناً أساسياً في القانون الدولي والمواثيق الأممية، وبما يضمن استقلال الدولة الوطنية وشخصيتها القانونية وبقاءها متماسكة، وذات سلطة تحكم وتشرِّع، وتدير شؤونها وتمثل مصالح ومطالب المواطنين وتحافظ على إقليمها ومياهها ومجالها الوطني، ودون تدخل خارجي.
لكن دلالات مفهوم «السيادة الوطنية» ظلت في أغلب الأحيان ملتبسة خاصة في ظل نظام دولي يعاني اضطراباً بين حين وآخر، وأقرب للمفهوم النظري منه إلى المفهوم المادي، حيث فقدت الكثرة من دول العالم، خاصة في العالم الثالث (الجنوب)، سيادتها، بفعل «التبعية» والتدخلات الخارجية، وتداعيات العولمة والحروب الأهلية وأزمات الحكم والافتقار لعناصر القوة الاستراتيجية للدولة الوطنية… إلخ.
دول كثيرة، في عالم اليوم، تتمتع ب «السيادة القانونية» لكنها تفتقر إلى السيادة السياسية، بفعل عوامل عدة من بينها التغير في موازين القوى الدولية، وأنشطة كثيفة لعولمة تكنولوجية وثقافية واقتصادية عابرة للحدود، وتنامي ظواهر ما يسمى بالاعتماد الدولي المتبادل، واتفاقيات دولية يصعب التنصل من الالتزام بها، فضلاً عن متغيرات جذرية في المشهد الدولي تؤثر في مبدأ السيادة، ولصالح دول كبرى وقوى عظمى، ونظم دولية رقابية أسهمت في ما يمكن تسميته «تدويل السيادة».
عالم اليوم يشهد تحولات غير مسبوقة، على رأسها تغيرات في النظام الدولي، الذي كان قائماً على الحقوق والقواعد (رغم أنه كان غير كامل حتى في أفضل أيامه) والذي لم يعد موجوداً، كما يقول معظم قادة أوروبا الغربية وكندا في هذه الأيام.
في ظل هذه التحولات المتسارعة، وثورات التقانة المتقدمة التي تتداخل مع الاقتصاد والسياسة والأمن الوطني، تواجه سردية «السيادة» منعطفاً كبيراً، وتصدعات وصراعات متعددة التوجهات، «ليبراليات» ترى في «السيادة» قيماً وحقوقاً، و«سلطويات» ترى فيها تميزاً، وأيديولوجيات أخرى ترى أن «السيادة» في عصرها الحديث تتجاوز مسائل الأرض والموارد والسيادة السياسية، إلى السيادة الاقتصادية و«شبكات» حياة المجتمع وحركة الحكومات، «ومن يهيمن على السوق».
نعم، السيادة في عصر ما بعد الحداثة هي سيادة رقمية، وهي الموضوع المحوري الذي كان مطروحاً في القمة العالمية الماضية للحكومات، التي عقدت في الإمارات.
وهي «سيادة» تشكل أساساً للأمن الوطني، ومضمونها البيانات والبنى التحتية الرقمية التي تدار من خلالها الخدمات الحكومية وتخزن فيها الأسرار الصناعية والاقتصادية، وتبنى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي وكل طبقات الاقتصاد.
دول متقدمة تعمل، بجهد وبتسارع ملحوظ، على بناء «سيادة رقمية»، منها دولة الإمارات العربية المتحدة: منصات رقمية عملاقة، قدرات ضخمة لبنى تحتية رقمية، تمكّن الدولة الوطنية من فرض سيطرتها الكاملة والمنظمة على فضائها المعلوماتي والتقاني، بما يحقق السيادة في تحولات ما بعد الحداثة، ويعزز قدرة الدولة الوطنية على التحكم، بشكل مستقل، في البنى التحتية الرقمية، والبيانات وصنع القرار.
نعم، هو عالم يتغير بتسارع جارف، وب«سيادة وطنية» تتبدل أدواتها ومفاهيمها، وتتقدم فيها قدراتها باتجاه حماية «عقلها الاستراتيجي» من الانكشاف والتدخل الخارجي، وبنموذج حوكمة متقدمة ورشيدة، وسعي حثيث وجاد لبناء نظام دولي جديد قائم على حقوق وقواعد، وليس على منطق القوة والهيمنة.
عن الخليج الإماراتية
