الرئيسية الاخبار ثمن انهيار السلطة الفلسطينية

ثمن انهيار السلطة الفلسطينية

بقلم: جاكي خوجي /أجرى وزير مالية السلطة الفلسطينية، الإثنين الماضي، مقابلة مع صحيفة فلسطينية. تحدث الوزير، اصطفان سلامة، باستطراد. وكالمعتاد كان قلقاً. الموضوع المركزي في المقابلة كان الوضع المهزوز للسلطة الفلسطينية. فقد قال سلامة انه يحوم فوق السلطة هذه الأيام تهديد وجودي.
أقواله ليست بلا أساس: صرّح وزراء في حكومة إسرائيل مرات عديدة بأنه ينبغي إسقاط السلطة. هم لا يقولون، بل يفعلون أيضا. من ناحية مالية، السلطة متعلقة بشكل حاسم بإسرائيل، وهذه تمنع عنها عشرات في المئة من ميزانيتها.
“تتطلع إسرائيل إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني وجعله متعلقاً بها تماماً”، شدد الوزير الفلسطيني. “في الفترة الأخيرة كان الهدف الواضح هو منظومة البنوك الفلسطينية، العمود الفقري للاقتصاد. فعندما يضربون البنوك الفلسطينية فإنهم عملياً يلعبون بالنار. لقد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء وبالتالي فإن الازمة التي نعيشها ليست عابرة أو مؤقتة بل ذات طابع وجودي. التهديد الوجودي الذي نقف أمامه هو حقيقة قائمة، وليس خيالاً او مبالغة”.

الديون تبلغ 15 مليار دولار
تكبدت حكومات إسرائيل عناء إضعاف السلطة الفلسطينية. كانت الأسباب دوماً سياسية. فكثيرون في اليمين يريدون إزالة السلطة لأجل إحلال سيادة إسرائيل على كامل أراضي الضفة الغربية. وأثبتت تصريحات وزير المالية الفلسطيني بأن هذا الجهد نجح. فقد روى بان ديون السلطة بلغت في نهاية 2025 مستوى غير مسبوق بمبلغ 15 مليار دولار. قسم كبير منها ينبع من تأخير أموال المقاصة من قبل إسرائيل ومن 430 دعوى قضائية إسرائيلية بقيمة نحو 45 مليار شيقل، تشكل على حد قوله وسيلة ضغط على السلطة. فالسلطة بحاجة الى مليار شيقل في الشهر كي تبقى على قيد الحياة. منها نحو 750 مليوناً مخصصة لدفع الرواتب. هذه المبالغ في معظمها تؤخر في القدس، وهذا يزيد العجز في الميزانية.
“المنظومة البنكية هي خط الدفاع الأخير الذي يمنع الانهيار”، أشار سلامة. “حقيقة ان السلطة لا تزال قائمة معجزة، وهي تأتي بفضل جهد مشترك من البنوك، القطاع الخاص، الموظفين، وأبناء عائلاتهم”.
كيف سيبدو الواقع اذا ما بُشرنا ذات صباح بأن السلطة الفلسطينية انهارت ولم تعد قائمة؟ تصوروا انه لا توجد حكومة. ولا توجد قيادة. ولا يوجد أمن، ولا يوجد عنوان. هكذا الى هذا الحد او ذاك سيبدو هذا. السلطة الفلسطينية هي رب العمل الأكبر في الضفة. على طاولتها يجلس أكثر من 80 ألف من أصحاب الرواتب، موظفون، معلمون، أطباء وخبراء مختلفون. تشغل أجهزة الامن نحو 30 ألفاً آخرين. صحيح ان رواتب كل هؤلاء تضررت بالتدريج في السنوات الأخيرة لكن الضياع التام لمصدر رزقهم سيوقع كارثة على الاقتصاد الفلسطيني. دفعة واحدة سيتحول نحو 100 ألف رجل وامرأة الى مستقبل مجهول.
لا تزال للسلطة أهمية سياسية بالنسبة لابناء شعبها. رغم ضعفها فهي لا تزال الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني ومفوضه في الساحة الدولية. هي صلتهم وممثلهم لدى شعوب العالم. كشعب يكافح في سبيل الاستقلال والحقوق يحتاج الفلسطينيون جدا الى الدعم الدولي. هذه الحاجة تلبيها السلطة بل وأحياناً سجلت إنجازات. فقد ورطت إسرائيل في المحكمة في لاهاي. وقبل ذلك حظيت بأغلبية مبهرة في الأمم المتحدة (138 دولة ومنذئذ أضيفت 19 أخرى) لفكرة الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية. بفضل هذا التأييد، قُبلت في مكانة دولة بمكانة مراقب في المنظمة الدولية.
وبالنسبة لنا؟ في أوساط قيادة المستوطنين يوجد تأييد واسع لفكرة اسقاط السلطة، والسبب مفهوم. حسب رأيهم تقع “بلاد إسرائيل” بين البحر المتوسط ونهر الأردن، وفي داخلها لا مكان لكيان سياسي غير إسرائيل. وبذلك فانهم يتناسون التنسيق الأمني معها. هذه الاتصالات، التي هي في معظمها سرية، هي انجاز إسرائيلي بعيد الأثر. تتحول “فتح” من عدو “إجرامي” الى شريك مركزي في بلورة الامن القومي.

العيش على الحراب؟

اذا زالت السلطة، فان إسرائيل هي التي ستكون مطالبة بإدارة المناطق الواسعة خلف الخط الأخضر، المدن والقرى ومخيمات اللاجئين. سيتعين عليها ان تهتم بجهاز التعليم الفلسطيني، رخص البناء، المواصلات، تعيين موظفين من بينهم. كما أنه سيتعين عليها أن تحمي بعناية شديدة أكبر السكان الإسرائيليين. وعلى أي حال فانه ستثور مقاومة مسلحة بل حادة، وسيكون مطلوبا جنود في كل زاوية، كما ستسقط ضحايا.
من حق الدولة الا تعظم قوة جارتها. من حقنا أيضا أن نفكر بان السلطة هي أم كل الخطايا ويجب مكافحتها. لكن لا ينبغي إيهام الجمهور ومن الواجب ان نروي له ما هي اثمان الخطوة بعيدة الأثر بهذا القدر مثل انهيارها. هذا ليس فقط ضعضعة للاستقرار في “يهودا” و”السامرة”، بل ضياع الامن الشخصي والتورط مع الاسرة الدولية.
تخفي مسألة استمرار وجود السلطة قضية واسعة كان الإسرائيليون يميلون دوما للهروب منها. فهل نريد أن نحكمهم؟ كيف نرى جيراننا العرب وأي دولة نورثها نحن للأجيال القادمة؟ يقول كثيرون انه من بين كل الإمكانيات السلبية، أفضلها جميعها العيش على الحراب. ذات مرة رأيت في ذلك خيارا. اما اليوم فلم أعد واثقا. تعرف هذه الحراب أيضا كيف تشق الطريق الى الجسد لينزف حتى الموت. قبل سنتين ونصف كنا قريبين من ذلك.

عن “معاريف”

Exit mobile version