في الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، نقف عند محطة نضالية هامة لاستحضار تاريخ طويل من الكفاح الذي خاضته النساء في ميادين العمل والإنتاج، وفي ساحات الدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية، فهذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو تذكير مستمر بأن الحقوق تنتزع بالنضال، ولا تمنح هدية، وأن الكرامة الاجتماعية والسياسية للمرأة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتحقيق العدالة الاقتصادية وحرية المجتمع كله، ففي مطلع القرن الماضي، خاضت عاملات النسيج في New York City أولى الإضرابات التاريخية للمطالبة بالأجور العادلة وساعات العمل المنصفة، وكانت هذه التجربة قاعدة لتاريخ طويل من النضال العمالي النسائي، لا يزال يلهم كل النساء العاملات حتى يومنا هذا.
في فلسطين، يكتسب يوم المرأة العالمي معنى مزدوجاً، فالمرأة الفلسطينية لم تكن يوماً متلقية للأحداث، بل كانت شريكة في رسم التاريخ وصناعة المقاومة، فكانت حاضرة في الصفوف الأمامية في مواجهة الاحتلال، وفي ميادين التعليم والصحة والزراعة، وفي كل نشاط اجتماعي واقتصادي يعزز صمود المجتمع، فالمرأة الفلسطينية، بعزمها وصبرها وإبداعها، ساهمت في الحفاظ على الهوية الوطنية وبناء الروابط المجتمعية التي تمنح المجتمع الفلسطيني القدرة على الصمود رغم كل التحديات.
لكن الواقع الاجتماعي والاقتصادي يضاعف الأعباء على المرأة العاملة، فالفجوة في الأجور، وهشاشة العقود، وغياب الحماية الاجتماعية، وعدم المساواة في الفرص والترقيات تشكل تحديات يومية تواجهها آلاف العاملات في فلسطين، إلى جانب ذلك، تتحمل النساء أعباء العمل المنزلي غير المدفوع، الذي يبقى خارج الحسابات الرسمية رغم أهميته في إعادة إنتاج المجتمع وقواه العاملة، كما أن انتشار العمل غير المنظم يجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال والفصل التعسفي، ويزيد من معاناتهن الاقتصادية والاجتماعية، ويضعهن في مرمى التهميش الهيكلي.
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب استراتيجيات نقابية واضحة وعملية، فلا ديمقراطية نقابية حقيقية من دون تمثيل عادل للنساء، ولا عدالة اجتماعية من دون ضمان حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية، ويأتي تمكين المرأة في مواقع القيادة وصنع القرار داخل النقابات على رأس أولويات الحركة العمالية التقدمية، ليس كشكل رمزي، بل كضرورة لتحويل النقابات إلى أدوات فاعلة للدفاع عن حقوق جميع العاملين، رجالاً ونساءً.
النضال من أجل المرأة العاملة يتقاطع اليوم مع نضال المجتمع بأسره من أجل الحرية والكرامة، فهو يشمل المطالبة بتشريعات عمل عادلة، وتأميناً اجتماعياً شاملاً، وإجازات مدفوعة للأمهات، وحماية من كل أشكال التمييز والعنف في أماكن العمل، كما يشمل تطوير برامج تدريبية وتأهيلية تمنح النساء فرصاً متساوية للوصول إلى الوظائف ذات القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة تنظيمهن النقابي لتشمل كل القطاعات، بما فيها القطاعات الهشة والمهن غير النظامية.
إن تعزيز مشاركة النساء في النضال العمالي والاجتماعي ليس رفاهية، بل شرط أساسي لتحقيق مجتمع حر وديمقراطي، فالمرأة العاملة ليست مجرد عنصر إضافي في سوق العمل، بل قلب المعركة الاجتماعية وعصب مشروع التحرر الوطني والاجتماعي، ونجاحها في انتزاع حقوقها يعني تقوية الطبقة العاملة كلها، وفتح الطريق أمام مجتمع أكثر عدلاً ومساواة، حيث تتحقق المساواة الفعلية في الحقوق والفرص، وتصبح العدالة الاجتماعية قيمة ملموسة لكل الناس، لا شعاراً على ورق.
في هذا الثامن من آذار، نوجه التحية للمرأة الفلسطينية في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية وداخل أراضي الـ 48 وفي كافة أماكن تواجد شعبنا الفلسطيني، ونؤكد التزامنا العميق بأن تبقى قضايا النساء العاملات في صلب برنامجنا النقابي، وأن تتحول شعارات المساواة والعدالة والكرامة إلى سياسات وتشريعات ملزمة وحقوق مصانة على أرض الواقع.
المجد للمرأة العاملة، وشراكة كاملة في الحرية والكرامة، والمستقبل لطبقة عاملة موحدة، رجالاً ونساءً، في معركة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
