بقلم: عيناب شيف/ لم يقتصر هجوم جنود الجيش الإسرائيلي على فريق CNN، الذي كان يحاول توثيق تداعيات الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية ولم يشكل أي تهديد، على إثارة عاصفة دولية فحسب، بل حطّم أيضا الفقاعة التي يتجمع فيها كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي، والمركز السياسي، وغالبية وسائل الإعلام، وبالطبع شريحة كبيرة من الجمهور الإسرائيلي، ممن يعتقدون أن الجيش في أحسن الأحوال “عاجز” أمام الإرهاب اليهودي، بل ربما يكون ضحية له.
الأعذار كثيرة: الحكومة تشجع، سواء بغمضة عين أو بدونها، والقيادة المحلية تتغاضى أو تصمت، والمهام كثيرة ولا يوجد عدد كافٍ من المقاتلين، وهنا أدان رئيس الأركان هذا العمل، بل كتب القائد رسالة.
ثم جاءت النصوص الصادمة التي أدلى بها الجنود، الذين تحدثوا علنا عن أنشطة بدافع “الانتقام” ورغبة في مساعدة المستوطنين على الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. كان أحدهم يرتدي رقعة “المسيح” على زيه العسكري. في الواقع، بدا سلوك القوة في ذلك المكان وكأنه مقتبس من أكثر الأوصاف ضراوة وتطرفا لعمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، ولولا وجود الكاميرات ومراسل بارع يجيد العبرية، لكان من المشكوك فيه مدى إمكانية إقناع الناس بأن هذا ما حدث بالفعل.
لا عجب، إذاً، أن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تكبّد عناء التنصل من ذلك، بل أصدر بيانا باسم رئيس الأركان، وجّه فيه الفريق إيال زامير القائد بتقديم نتائج التحقيق في الحادثة والخطوات التي ستُتخذ في أعقابها في أسرع وقت ممكن. مع ذلك، حتى أكثر الإدارات الأميركية تأييدا للاستيطان في التاريخ بدأت تُظهر علامات التوتر.
لكن لا ينبغي لواشنطن ولا للقدس ولا للكريا أن تتفاجأ (أو أن تُظهر دهشة). سنوات من التطرف القومي والديني، ونزع الإنسانية، وتأثير أحداث 7 تشرين الأول، مهدت الطريق لعاصفة عاتية: عاصفة ستجلب جيلاً جديداً من المستوطنين أكثر تشدداً، بجيش مثقل بصدمات سياسية (من إليؤر أزاريا إلى سديه تيمان)، وإخفاقات مدوية (أحداث 7 تشرين الأول)، ونقص في الأفراد، ما يؤثر حتماً على تكوين القادة والمقاتلين.
مثل هذا الجيش لا يستطيع – بل من المشكوك فيه أنه يرغب في – فرض المعايير الأخلاقية والمهنية. لم يفعل ذلك في غزة، رغم وجود أدلة ووثائق كثيرة تصل إلى حد الشك في ارتكاب جرائم حرب. لا يوجد ما يشير إلى تحسن الوضع في الضفة الغربية، التي تُعد منطقة توتر أكثر حساسية في الأصل، والتغييرات الجذرية التي أحدثتها الحكومة على الأرض لم تزد الوضع إلا سوءاً. وقد صرّح رئيس الأركان، مؤخراً، للقادة والجنود بأنه “لا يجوز الوقوف مكتوفي الأيدي”، في أعقاب سلسلة من الحوادث التي انضمت فيها القوات إلى مثيري الشغب أو راقبتهم كما لو كانوا يشاهدون فيلماً. كما اتضح خلال عطلة نهاية الأسبوع، لم تُثر روح القائد سوى ذرة غبار على الأرض.
والسبب في ذلك هو أن كلاً من رئيس الأركان وقائد المنطقة الوسطى – على الرغم من براعته الفكرية – يتجاهلان حقيقة بسيطة وحاسمة: الجيش لا يختلف جوهرياً عن الشرطة في تطبيق القانون ضد اليهود، إذ يضم هو الآخر مزيجاً قاتلاً من التماهي العميق مع الأيديولوجية المتطرفة والنرجسية النفعية. وقد حذر رئيس الأركان في خطابه المذكور آنفاً من “الأعلام الحمراء” قائلاً: “سينهار الجيش على نفسه”. والحقيقة المرة هي أن الجيش قد انهار بالفعل.
عن “يديعوت”
