الرئيسية زوايا أقلام واراء لم تنتصر أمريكا وإسرائيل ولم تُهزم إيران.. هل تربح روسيا والصين؟ ...

لم تنتصر أمريكا وإسرائيل ولم تُهزم إيران.. هل تربح روسيا والصين؟ بقلم: خليل حمد

أخيراً، اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن مضيق هرمز “مغلق” بقرار الإيراني جاء رداً على الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على طهران. الاعتراف المر جاء مبطناً على شكل “دعوة لعدد من الدول للمساعدة في تأمين المضيق”، مع استمرار الحرب لأسبوعها الثالث.

لكن الأمرَّ من هذا الاعتراف أن دعوة ترامب ذهبت في مهب الرياح، بعد ردود أفعال مخيبة من حلفاء واشنطن قبل خصومها. اليابان، أستراليا، ألمانيا، من أبرز الدول التي أعلنت رفضها المشاركة في أي “تحالف عسكري” من هذا النوع. بل إن انعدام الحماسة للمشاركة كان واضحاً لدى معظم دول الاتحاد الأوروبي، الذين كشفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس، أنهم لم يبدوا أي “رغبة” بتوسيع نطاق مهمة “أسبيدس” البحرية في البحر الأحمر، لتشمل المساهمة في تأمين حركة الملاحة، وإعادة فتح مضيق هُرمز الاستراتيجي.

الأوضح كان وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الذي قالها صراحة: “هذه ليست حربنا”، وأضاف: “ماذا يتوقع دونالد ترامب من عدد قليل من الفرقاطات الأوروبية في مضيق هُرمز؟ وكيف تقوم بما لم تستطع البحرية الأميركية القوية القيام به بمفردها؟”. وضع الرجل يده على النقطة الأهم في محاولات ترامب تدويل أزمة المضيق، وهي عجز واشنطن عن تأمين الملاحة البحرية فيه، وتأكيد على نجاح طهران في إيلام العالم عبر إغلاقه.

من جهة أخرى، طلب ترامب من الصين أن تساهم في فتح المضيق، زاعماً أن 90% من النفط الذي تستورده بكين يمر عبر هرمز (الحقيقة أن 45% من واردات النفط إلى الصين تمر عبر المضيق، وهو ما يبلغ 37% من إجمالي النفط الذي يمر عبر هرمز). تجاهلت بكين الطلب، وإن أشارت إلى “قلقها البالغ” من التوترات في المنطقة. لكن المنطق يقول إن الصين أبعد ما تكون عن التحالف مع ترامب ضد حليفتها الاستراتيجية طهران، التي تقع في قلب مشروعها الاقتصادي الاستراتيجي “مبادرة الحزام والطريق”. بالمقابل، وللتخفيف من وطأة الخسائر المحتملة والضغوط الاقتصادية على بكين، يُمكن وضع التلميح الإيراني بالسماح لعدد محدود من ناقلات النفط بالمرور عبر مضيق هرمز، شريطة أن تُدار شحنات النفط بعملة اليوان الصينية.

روسيا أيضاً لديها مصلحة في استمرار إغلاق المضيق، ذلك أن النفط والغاز الروسي هما البديل الأفضل والأوحد ربما للقارة العجوز، وهذا ما “حذر” منه فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية. أوروبا كانت أعلنت الاستغناء عن شراء البترول الروسي بعيد الحرب في أوكرانيا، غير أنها تجد نفسها اليوم بين خيارَين غير محبَّبين بالنسبة لها، وضعها ترامب بينهما: إما العودة لشراء النفط الروسي، وإما المشاركة في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران.

تسلسل المواقف الأوروبية والعالمية من الطرح الأمريكي يشير إلى أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب لا تحظى بالدعم الدولي المطلوب (وإن كان الرفض الدولي لها لم يصل إلى مستوى الضغط الفعلي لإيقافها)، كما أنها بالتأكيد لا تحظى بالدعم الداخلي المطلوب، بدليل أول استقالة من إدارة ترامب لمدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت. المسؤول الرفيع قال في رسالة الاستقالة حرفياً: “بعد تفكير عميق، قررتُ الاستقالة، لا أستطيع، بضميرٍ حيّ، دعم الحرب الجارية على إيران. لم تُشكّل إيران أي تهديد وشيك لأمّتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل ولوبيها القوي”.

خلاصة القول إذاً إنها حرب اندلعت بلا حسابات ولا خطة واضحة، والعالم كله يدفع ثمن المواجهة التي لا سبب منطقياً لها سوى “ورطة” بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما أكده رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم في تصريحات وُصفت بالجريئة، والتي وضعت النقاط على الحروف في مقاربة الخليج عموماً لمسألة الحرب على إيران.

القراءة الاستراتيجية التي قدمها بن جاسم فككت مفردات الحرب الحقيقية: نتنياهو هو المحرض الأساسي على الحرب، الذي ورط الولايات المتحدة ودول الخليج وحتى إيران نفسها في هذه المواجهة، دون أن يمتلك لا الحلول ولا الرغبة في إنهاء الأزمة التي أشعلها.

برأي السياسي المخضرم إن الاعتقاد باستسلام إيران وهم، بل إن طهران ستجر الجميع إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، لأنها ببساطة لا تخشى الخسارة في معركة استعدت لها طويلا. لكنه بالمقابل انتقد الهجمات الإيرانية على دول الخليج لأنها وضعت الجيران العرب في نفس الخانة مع “إسرائيل” بالنسبة لإيران، وهذا خطأ استراتيجي سيخلق جراحاً بين طهران ومحيطها العربي المسلم الحيوي، لن تندمل بسهولة، واستمرار إغلاق مضيق هرمز أيضاً سيخلق شرخاً بين إيران والعالم لأن المضيق ليس قضية خليجية بل عالمية مؤثرة على أسعار الطاقة في كل الدول، وبالتالي فإن فتح أو إغلاق “شريان الحياة للعالم” هو المحرك الفعلي لأي مفاوضات قادمة.

رسالة المسؤول السابق البارز الأبرز كانت للنظام الرسمي العربي، الخليجي تحديداً، للتحرك بعيداً عن الاتفاقات الدولية التي أثبتت هشاشتها في حماية أمن الخليج، وهذا التحرك يجب أن يكتفي بصد العدوان وعدم الدخول المباشر في الحرب، ومن ثم ترتيب الأوراق في اتفاقات ذاتية مع طهران تنأى بالخليج عن العلاقة المسمومة مع واشنطن والدول الغربية.

النقاط التي أشار إليها بن جاسم تدور ربما في خلد الكثيرين لكنهم لا يشكلون صوتاً واضحاً في التعبير عنها، ومن المهم أن تكون مقاربته غير شخصية، بمعنى أنها مقاربة مراكز القرار في الدول الخليجية، لأنها رؤية بُبنى عليها في المستقبل، سواء لجهة إعادة رسم شكل العلاقة مع الولايات المتحدة مستقبلاً، أو مع إيران، والأهم مع “إسرائيل”. لكن أخطر ما فيها الاعتراف بأن لا شيء سيعود كما كان حتى لو توقفت الحرب اليوم.

في الخلاصة، لا انتصار ناجزاً كما يدَّعي ترامب ونتنياهو، ولا خسارة مطلقة، لدى الجميع ما يربحه وما يخسره في هذه الحرب، وإن كانت النسب متفاوتة، لكن تصنيفاً سريعاً للنتائج الأكثر احتمالاً للحرب تقول إن خسائر واشنطن وتل أبيب بدأت بالفعل، وإن مكاسب إيران عبر صمودها فقط لا تكفي للخروج منتصرة من معركة وجودية بهذا العنف. الخليج متأثر وخاسر اقتصادياً وسياسياً (في علاقاته مع الغرب على الأقل)، أوروبا في ورطة بسبب أسعار الطاقة والضغط الأمريكي عليها للانخراط في حرب لم تبدأها. المكاسب الصينية الروسية نسبية أيضاً، تجربة التقنيات العسكرية للقوتين العظميين في مواجهة غير مباشرة مع الند الأكبر، الولايات المتحدة، هو مكسب لا يُقدر بثمن، لكن الاقتصاد الصيني متأثر بشدة بفعل إغلاق مضيق هرمز دون استثناءات حتى اللحظة، فيما تهدد نتائج الحرب آمال موسكو بإنهاء الحرب في أوكرانيا كما تشتهي.

Exit mobile version