بقلم: عميرة هاس /في 30 كانون الثاني 1990، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مقالاً في الصفحة الأولى يصف كيف كان جنود الجيش الإسرائيلي يرحّلون النساء والأطفال والرضع من الضفة الغربية إلى شرق نهر الأردن بشكل منهجي في الليل؛ بذريعة التواجد غير القانوني. وفي أعقاب نشر المقال، أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن قلقها على العائلات، وأملت في أن تظهر إسرائيل المزيد من الحساسية والمرونة. وفي اليوم التالي أمر وزير الدفاع، إسحق رابين، في حينه، بتعليق ترحيل المقيمين الأجانب من «المناطق المحتلة في انتظار مزيد من التوضيح حول هذه المسألة».
لم يكن رابين بحاجة إلى تقرير «واشنطن بوست» كي يعرف كيف كان الجنود ينفذون الأوامر. كان يمكنه قراءة مقال رونيت متالون باللغة العبرية في ملحق «هآرتس» قبل ثلاثة أشهر، تحت عنوان «في سيارة عمومية إلى الجسر»، كي يصاب بالصدمة. وحتى قبل نشر هذا المقال كان هو والمسؤولون الرئيسيون عن سياسة الطرد هذه، بما في ذلك رئيس الوزراء، إسحق شامير، ورئيس الأركان، دان شومرون، واللواء إسحق مردخاي، قائد المنطقة الوسطى، ورئيس الإدارة المدنية، شايكا إيرز، قد اطلعوا على تقارير منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية حول هذه المسالة، وعلى تقارير الصحف الفلسطينية في حدود ما سمحت به الرقابة.
من هذه الناحية لا يوجد أي جديد الآن. فلم يكن رئيس الأركان، إيال زامير، بحاجة إلى مقال في الـ»سي.إن.إن» حول عنف جنود الاحتياط ضد المراسلين الأجانب كي يعرف أن هذا هو سلوك الجنود، لا سيما الجنود المكلفين بحماية البؤر الاستيطانية المسلحة، بل المساعدة في إنشائها. وقد نشر تحقيق حول تعاون الجيش مع مؤسسي البؤر الاستيطانية بأمر من الجنرال آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى، في كانون الأول على قناة «كان 11». لم يكن زامير بحاجة إلى تسجيل صوتي للهجوم كي يعرف أن الخط الفاصل بين الجنود و»فتيان التلال» قد تم طمسه. لقد سبق ونشرت تحقيقات وتقارير حول عنف كتيبة «نيتسح يهودا»، التي خدم فيها خدمة نظامية من هاجموا طاقم الصحافيين. ولم يكن بحاجة إلى رؤية وجه عبد الله ضراغمة (75 سنة) من قرية تياسير المضمد أو سماع صوت أنينه في مقال جيرمي دايموند كي يعرف أن سكان البؤر الاستيطانية الرعوية وهم يضربونهم بشكل مبرح حتى ينزفوا، ويكسرون عظامهم، لا يميزون بين صغير وكبير أو بين امرأة ورجل أو بين فلسطينيين أو يهود أو أجانب، مع التركيز على الفلسطينيين. ويسارع جنود الجيش الإسرائيلي إلى اعتقالهم إذا حاولوا الدفاع عن أنفسهم وطرد من يهاجمونهم.
يتجاهل رد زامير على تقرير الـ»سي.إن.إن» والاستجابة السريعة لوسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسة للمقال، التوثيقات اليومية التي تأتي من الضفة الغربية، والتي تنشر في الشبكات الاجتماعية، والصحف الفلسطينية، وتقارير منظمات حقوق الإنسان و»هآرتس». تظهر بعض التقارير والوثائق العنف الذي يمارسه الجنود والمستوطنون والمواطنون الإسرائيليون أشد وطأة مما عرضه مراسل الـ»سي.إن.إن». وتظهر حالات أخرى تراكم الإزعاجات، وكلها بمنأى عن أي ملاحقة أو عقاب من قبل سلطات الأمن والنظام. هل النزعة المحلية هي التي تجعل كبار المسؤولين في جهاز الرقابة الإسرائيلي لا يأخذون على محمل الجد إلا مقالاً في قناة أجنبية معروفة وتعليقاً من وزير أميركي؟
قبل الإجابة هيا لنعود إلى عملية الترحيل في العام 1989، التي جرت على النحو التالي، وفق متالون: حلّقت الطائرات المروحية فوق قرية في الضفة الغربية في الليل، وحاصرها عشرات الجنود، وأمروا الرجال في أعمار 13 – 40 سنة في مكبرات الصوت بالتوجه إلى وسط القرية وتسليم بطاقات هوياتهم. تم تكبيلهم، وفي هذه الأثناء فرض حظر التجول. لقد رافق موظفو الإدارة المدنية الجنود إلى عائلة ما، وطالبوهم بحزم أمتعتهم والتوجه على الفور في سيارة عمومية إلى جسر اللنبي. في بعض الحالات طلب موظفو الإدارة المدنية من مختار القرية مرافقتهم.
كتبت متالون عن إخلاء عائلة من قرية قراوة بني زيد. «أيقظ الجنود الأولاد وحثوهم على النزول وركوب السيارة. خرج الأولاد دون أحذية، ولم يكن لهم وقت للأكل أو الشرب. ألقت الجدة الأحذية في السيارة في الخلف، حتى أن فدوى طلب منها دفع 14 ديناراً للسائق العربي». عندما عاد زوجها إلى البيت بعد تكبيله في مركز القرية، لم يجد «زوجته وأولاده». وحسب منظمة «بتسيلم» فقد تم ترحيل حوالى 200 شخص بهذه الطريقة في أيار – كانون الأول 1989، نصفهم من الأولاد والأطفال الرضع، و46 في المئة نساء 10 في المئة منهن حوامل، و4 في المئة من الرجال.
خلافاً لما قاله رابين، فإن المرحلين في العام 1990 لم يكونوا أجانب، بل كانوا فلسطينيين. وأيضاً وُلد بعضهم في الضفة الغربية، وحرمتهم إسرائيل من الإقامة أو منعتهم من الحصول عليها بطرق كثيرة، وفق سياستها التي ترمي إلى تقليل عدد الفلسطينيين المقيمين في «المناطق» التي احتلت في العام 1967. كانوا يعيشون في بيوتهم مع أزواجهم وآبائهم الذين توجد لهم إقامة. وقد خلص تقرير لـ»بتسيلم» و»موكيد» لحماية الفرد بعد بضع سنوات، إلى أن الترحيل كان أحد وسائل قمع السكان الفلسطينيين الثائرين في الانتفاضة الأولى.
بعد هدوء الضجة الإعلامية عادت إسرائيل إلى الترحيل، حتى لو كان ذلك بطرق أقل وحشية.
ومثلما هي الحال الآن، أيضاً في حينه أثبتت السلطات أنها لم تكن تنوي تغيير السياسة التي تمت الإشارة إليها في تلك المنشورات. الرد الفوري على المنشور نفسه، إدانة لفظية أو تعليق لشخص أو إعطاء تعليمات، استهدف كسب الوقت من أجل العودة إلى المسار ذاته أو إلى نوع جديد من الأسلوب ذاته.
التجميد الطويل لأسلوب السيطرة العنيفة كان في فترة مناحيم بيغن عندما كان رئيس الحكومة. ففي الأعوام 1977 – 1983، قلّت الشكاوى حول التعذيب في التحقيقات في «الشاباك». هذا ما وجده الباحث البروفيسور ستين كوهين والدكتورة دفنه غولان في تقرير «بتسيلم» في العام 1991. أُسمعت شهادات عن التعذيب بعد فترة قصيرة من الاحتلال في العام 1967. المحامون الذين التقوا مع السجناء الفلسطينيين أبلغوا عن ذلك، أيضاً كان يمكن سماع هذه الشهادات في المحاكمات السرية الكثيرة. ولكن ليس هذا هو الذي دفع بيغن للعمل، بل سلسلة المقالات في صحيفة «التايمز» اللندنية في العام 1977. في الوقت ذاته، حسب التقرير، في تلك السنوات لم تتناقص شكاوى الفلسطينيين من إزعاج الجنود ورجال الشرطة في السجون. وفي العام 1984 عادت الشكاوى حول موضوع التعذيب في «الشاباك»، بل ازدادت.
هذا المثال يذكّر بأن تغيير نمط العمل يعتمد بشكل كبير على الأوامر والتوجيهات والتعليمات الصادرة من أعلى. وينطبق العكس أيضاً. فإذا لم يكن هناك أي تغيير أفقي أو عمودي، فإن هذا دليل على عدم إصدار أمر حول ذلك، وإن من لم يقم بإصداره معني باستمرار هذا الوضع. هكذا هي الحال الآن: تستمر هجمات المستوطنين والجنود الذين يدعمونهم؛ لأن السلطات لا تتخذ أي إجراءات عقابية تكون درساً للآخرين. وسبب عدم اتخاذ هذه الإجراءات هو أن هذه الهجمات تخدم سياستها.
كانت الرقابة من الخارج أكثر أهمية بكثير بالنسبة لبيغن ورابين، مما هي عليه لحكومة نتنياهو وسموتريتش. والأدهى من ذلك هو أن الحكومة الحالية تعمل في بيئة دولية وأميركية ودية أكثر من أي وقت للاحتلال الإسرائيلي، أو على الأقل بيئة لم تعد تتظاهر حتى بالمطالبة بإنهائه. مع ذلك قرار رئيس الأركان تعليق نشاطات كتيبة الاحتياط «نيتسح يهودا» (حتى يتسبب ضغط دوائر اليمين، الذي بدأ بالفعل، إلى إلغاء التعليق)، يظهر مع ذلك وجود اهتمام بـ»ما يقوله غير اليهود»، لا سيما إذا كانوا من الولايات المتحدة.
لماذا هذا الاهتمام؟ لأن رد فعل زامير الفوري يضعف قبضة العامل الدولي. ففي نهاية المطاف لن يتابع ماركو روبيو كل يوم أفلام الفيديو الأخرى للجنود والمستوطنين، التي في العادة يقلل «فيسبوك» مشاهدتها بسبب العنف الصارخ فيها. أيضاً هذا الرد الفوري يسهّل على المؤسسة الإسرائيلية التظاهر أمام العالم الخارجي وفي المكالمات الهاتفية مع كبار المسؤولين الأميركيين والتصرف كما لو أن هذا هو حدث استثنائي. والأكثر أهمية من ذلك أنها تتجاهل أنه بطرق أقل عنفاً – مثل البيروقراطية التي تمنع الفلسطينيين من البناء وفلاحة الأراضي وهدم البيوت وقرارات الحكومة ومصادقات المحكمة العليا – تواصل إسرائيل المضي قدماً بخطوات كبيرة في خطة إقصاء الفلسطينيين عن معظم أراضي الضفة الغربية وحقولهم، وزرع أكبر عدد من الركائز للاستيلاء اليهودي عليها.
عن «هآرتس»
