خاضت المرأة الفلسطينية، وفي مختلف مراحل التاريخ الحديث، نضالًا طويلًا ومركبًا من أجل انتزاع حقوقها وتعزيز مكانتها في المجتمع، وقد لعبت المنظمات النسوية، لا سيما تلك التي نشأت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، دورًا محوريًا في رفع وعي النساء بحقوقهن، والعمل على تمكينهن عمليًا من الانخراط في مسيرة الكفاح الوطني لنيل الحرية والاستقلال، ومن أبرز هذه الأطر “الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية”، الذي تأسس عام 1963، وشكّل قاعدة جماهيرية فاعلة ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، جامعًا للفلسطينيات بمختلف توجهاتهن السياسية والفكرية.
مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، دخلت الحركة النسوية مرحلة جديدة من العمل، حيث واصلت نضالها للدفاع عن حقوق المرأة وتحسين أوضاعها، ومع انتخاب أول مجلس تشريعي فلسطيني عام 1996، برزت تحديات جديدة فرضت على الحركة النسوية إعادة صياغة استراتيجياتها وأدواتها، بما يوازن بين مهمتي التحرر الوطني والبناء الاجتماعي، وقد أتاح هذا التحول نشوء أطر حكومية وسياسات رسمية تُعنى بقضايا المرأة، إلى جانب فتح المجال أمام سن تشريعات تمس مختلف جوانب الحياة، ما جعل من الضروري أن تضطلع المؤسسات النسوية بدور أكثر فاعلية في الضغط والتأثير لضمان ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.
وقد تعزز هذا المسار مع صدور القانون الأساسي الفلسطيني عام 2003، الذي كرس مبدأ المساواة وعدم التمييز، مؤكدًا التزام السلطة بحماية حقوق الإنسان والانضمام إلى المواثيق الدولية ذات الصلة، ومع ذلك، فإن ترجمة هذه النصوص إلى واقع ملموس لا تزال تواجه تحديات متعددة.
في السياق الفلسطيني، جاء مفهوم التمكين، ولا سيما التمكين السياسي، في ظل تحولات معقدة شهدها المجتمع والنظام السياسي، حيث تداخلت متطلبات بناء المؤسسات مع استمرار واقع الاحتلال، وقد تأثرت سياسات التمكين إلى حد كبير بأجندات المانحين الدوليين، التي غالبًا ما تستند إلى نماذج ليبرالية لا تأخذ بالضرورة خصوصية الحالة الفلسطينية.
ويفهم التمكين السياسي للمرأة باعتباره عملية شاملة تهدف إلى تعزيز مشاركتها في صنع القرار، وضمان وصولها إلى مواقع التأثير، عبر الانتخابات أو من خلال نظم الكوتا، وهذا المفهوم، في الحالة الفلسطينية، ينبغي أن يتجاوز الإطار الشكلي، ليُربط بالسياق الكفاحي اليومي ضد الاحتلال، باعتباره جزءًا من مشروع تحرري متكامل يجمع بين الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية.
وتقوم عملية التمكين السياسي على بعدين أساسيين: الأول يتمثل في إزالة العوائق البنيوية والثقافية التي تحد من مشاركة المرأة، والثاني في توفير السياسات والإجراءات التي تدعم حضورها وتعزز فرصها في المجال العام، وعليه، فإن التمكين لا يقتصر على إتاحة الفرص، بل يتطلب بناء قدرات حقيقية تمكن المرأة من التأثير الفاعل في مسارات التغيير.
ورغم الجهود المبذولة في هذا المجال، فإن الواقع يشير إلى وجود فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، فتعدد المؤسسات وتنافسها، إلى جانب الانقسام السياسي، أسهم في تشتيت الجهود وإضعاف أثرها، كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي وما يرتبط به من أولويات، أدى في كثير من الأحيان إلى توجيه برامج التمكين بعيدًا عن الاحتياجات الفعلية للنساء الفلسطينيات.
وعلى سبيل المثال، ورغم إقرار كوتا نسائية بنسبة 30% في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن تطبيقها لا يزال محدودًا، كما أن العديد من الأحزاب والمؤسسات التي تتبنى هذا المبدأ نظريًا، لا تلتزم به عمليًا داخل هياكلها التنظيمية، كذلك، ورغم انضمام فلسطين إلى اتفاقيات دولية مهمة، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وقرار مجلس الأمن 1325، إلا أن العديد من القوانين المحلية التمييزية ما زالت قائمة، ما يحد من الأثر الفعلي لهذه الالتزامات.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية، بل في مواءمتها مع الواقع المعاش للنساء الفلسطينيات واحتياجاتهن اليومية، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم التمكين ضمن السياق الفلسطيني الخاص، الذي يتسم بتعقيدات ناتجة عن استمرار الاحتلال، وضعف السيادة، وتشوه البنية السياسية والاجتماعية.
ان تعزيز التمكين السياسي للمرأة الفلسطينية يتطلب رؤية وطنية شاملة، تنطلق من فهم عميق لخصوصية الواقع، وتعمل على توحيد الجهود، وتحريرها من الارتهان الخارجي، بما يضمن بناء حركة نسوية قوية وقادرة على إحداث تغيير حقيقي ومستدام
