تحدثنا في المقال الفائت عن أهمية استعادة النضال الشعبي كوسيلة نضالية، من أجل الخروج من الوضع الفلسطيني الذي نتج بعد السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب إبادية، لكن هذا وحده لن يجدي إن لم يترافق مع تغيير في توجهات العمل الدبلوماسي، والذي أعتقد شخصياً بضرورة أن يركّز على أوروبا تحديداً، على اعتبار أنها الحضن الأخير المتبقي للفلسطينيين، ليس من باب العطف الإنساني، إنما لاعتبارات سياسية عدة يمكن إجمالها كالتالي:
لا تقوم إسرائيل بشن حرب ذات طابع أمني على الفلسطينيين، أي أن حربها ليست من أجل القضاء على خطر أمني يهدد وجودها، كما هو الحال حين تقوم بضرب إيران أو الحوثيين، حيث تتوقف هذه الحرب عند توقف التهديد، بل تقوم بشن حرب هدفها النهائي سياسي، والكثير من أدواتها سياسية أيضاً. على رأس أهداف هذه الحرب نزع الصبغة السياسية عن القضية الفلسطينية كقضية شعب يبحث عن تحرر، وتحويلها إلى قضية إنسانية لأناس يبحثون عن مساعدات، ضمن ملف أمني تتم معالجته بالقوة المفرطة، وبتدخّل الوسطاء.
لكي يتم لها ذلك فلا بد من إسقاط التمثيل السياسي لهم أولاً، وهو ما استطاعت أن تحقق فيه نقاطاً كبيرة على مدار عامين ونصف العام من الحرب، وذلك عبر تجفيف المنابع المالية للسلطة، سواء عبر حجز ومصادرة أموال المقاصة، أو منع وصول التمويل الخارجي، والضغط لنزع الشرعية عنها وتحويلها إلى كيان إداري لا يتمتع بأي صفة سياسية أو سيادية.
لقد أدى التعامل مع الحرب على غزة، سواء بالكسل غير المبرر من قِبل السلطة والمنظمة، أو بعناد «حماس» وعدم تنازلها للشرعية الفلسطينية، وإصرارها على إنقاذ نفسها أولاً على حساب قضية شعب كامل، أدى ذلك إلى ظاهرة «إعادة تعريب» الصراع، حيث تم تحييد وتهميش الدور الفلسطيني لصالح مجموعة الاتصال المشكّلة من الوسطاء، مصر وقطر، بالإضافة إلى السعودية والأردن والإمارات، والتي أصبحت المُحاور الرئيس للولايات المتحدة حول شكل اليوم التالي للحرب، في خطوة تعيدنا إلى ما يشبه الفترة السابقة لتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية.
نستطيع إضافة أن المحيط العربي نفسه، إن نظرنا إليه من نفس الزاوية القديمة باعتباره عمقاً سياسياً لنا، ليس أفضل حالاً. فبعد أكثر من عقد من القلاقل والنزاعات الداخلية في بعض البلدان، وعداءات مضبوطة لكنها هشة بين كل بلد وآخر، هذا البلد يعيش مشاكل اقتصادية قاتلة، وذاك يتبنى سياسات تنموية تتطلب تصفير مشاكل وانكفاءً وطنياً. في ظل هكذا وضع عام فإن النظام العربي، سواء اعترفنا بذلك أو لم نعترف، قد ذهب إلى حالة من الواقعية السياسية المفرطة التي تُقدّم المصلحة القُطرية الضيقة على حساب قضايا التضامن القومي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وهنا يبرز السؤال: من بقي للفلسطينيين؟
الإجابة من وجهة نظري ليست الصين ولا روسيا لأسباب لا تختلف كثيراً عن الواقع العربي وإن كانت تتم بلغة أخرى، لذا يمكنني القول: إن الوقت قد حان، ولو متأخراً، لنتحدث «اللغة الأوروبية»، علّنا نكسب هذه القارة كحليف قبل أن تلتهمها أمواج اليمين المتطرف داخلها، أو قبل أن يُفقدها ترامب ونتنياهو أي قوة متبقية لها. إن ربط المصير الفلسطيني بالقيم الليبرالية والقانون الدولي الذي تمثله أوروبا هو طوق النجاة الأخير، أو لنقل: إنه الظهير الدولي الذي لا بد منه، ليس يأساً أو انسحاباً من العمق العربي بل تعزيز له.
صحيح أن بعض الدول الأوروبية لم تتخلص تماماً من إرثها الاستعماري، وصحيح أن ازدواجية المعايير فيها كانت صارخة بين الدفاع المستميت عن أوكرانيا مقابل التغطية السياسية والعسكرية للهجوم الإسرائيلي على غزة في بداية الحرب، لكن الذي لا يمكن التغاضي عنه هو التبدّل الملحوظ في سياساتها مؤخراً، وتحديداً في فترة الولاية الثانية للرئيس ترامب.
وبعيداً عن الأسباب التي أدت إلى هذا التبدل، وهل هو دائم أم مؤقت ومرتبط بسياسات ترامب تجاه أوروبا، إلا أن الرهان على الدول الأوروبية رهان على القانون في مواجهة سياسة القوة الغاشمة، وهو رهان يستثمر في التزاماتها القانونية التي لا تستطيع التنكر لها دون تقويض نظامها نفسه.
هذا أولاً، أما ثانياً فلا بد من الانتباه إلى ما ميّز الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية أواخر العام الماضي، حيث إن السياسة السابقة لهذه الدول كانت تتماهى نسبياً مع الموقف الأميركي القائل بالاعتراف كنتيجة لاحقة للمفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بينما ما قامت به هذه الدول هو الاعتراف الاستباقي بالدولة الفلسطينية كأداة ضغط سياسي تساعد في فرض حالة من المفاوضات.
وفي حين كان الحديث فيما مضى عن الدولة الفلسطينية يتم دون ذكر حدودها، وترك ذلك للتفاهمات بين الطرفَين «المتنازعَين»، فإن الاعترافات الأخيرة تميزت بالتأكيد الصريح على حدود الخامس من حزيران 1967، بما يشكل وقوفاً واضحاً إلى جانب الرواية الفلسطينية. وفي حين كان أي تحرك يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يتم أوروبياً بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فإن هذه الاعترافات تمت بمبادرات ذاتية، خصوصاً فيما يتعلق بفرنسا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج.
أي أن شكل وطبيعة هذه الاعترافات تعكسان رغبة أوروبية في التخلص من التبعية، والاستقلال عن الموقف الأميركي، وتالياً عن الموقف الإسرائيلي بالضرورة، وهو ما يجب علينا تلقّفه والعمل على تطويره.
نضيف إلى كل ما سبق أن أوروبا أكبر مانح للسلطة الفلسطينية، وهي التي تمنع انهيار مؤسساتها مالياً، وهي من تمتلك القدرة على فرض عقوبات، حتى لو كانت تدريجية وبطيئة، على المستوطنين ومنتجات المستوطنات، وهو ما لا تستطيع أو لا ترغب الكثير من الدول في فعله. وهي التي تعلن رفضها القاطع لتصفية «الأونروا»، وهي الرافعة الوحيدة القادرة على إنفاذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال. وأخيراً هي الساحة الوحيدة التي تأخذ بعين الاعتبار صوت الشارع لديها، خصوصاً في القضايا الحقوقية، سواء كانت داخلية أو خارجية.
إنها أحد نوافذنا الأخيرة، وربما الأهم، وعلينا ألا نسمح بإغلاقها بخطابات جانبية غير مسؤولة أو بأعمال لا تتوافق مع القانون الدولي.
عن صحيفة الايام