بقلم: أوري بار يوسف /كتب بول جونسون، أحد أبرز مؤرخي القرن العشرين، في كتابه “تاريخ العصر الحديث” عن العمليات التي أدت إلى دمار اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية: “كان قادة الجيش والسياسيون المدنيون في اليابان جميعهم تكتيكيين بارعين، لكن لم يكن بينهم أيّ استراتيجي. كان لدى الجميع أفكار مفاجئة لبدء الحرب، لكن منذ اليوم الأول من سنة 1931 وإلى الأخير منها، وحتى الهزيمة المُرة في سنة 1945، لم يظهر ياباني واحد، مدني أو عسكري، يقيّم بشكل واقعي كيف يمكن أن تنتهي الحرب”.
من المثير التفكير ماذا كان سيقول جونسون لو سمع تصريح زعيم المعارضة في إسرائيل، يائير لابيد، مع اندلاع الحرب ضد إيران. لقد حرص لابيد على تذكيرنا بأن “شعب إسرائيل قوي، والجيش وسلاح الجو قويان، وأقوى قوة في العالم تقف إلى جانبنا. في مثل هذه اللحظات نقف معاً وننتصر معاً. لا يوجد ائتلاف ولا معارضة، بل شعب واحد وجيش واحد نقف جميعاً خلفه”. كانت لغة لابيد حازمة، لكن هذا الخطاب كان مشتركاً بين جميع قادة المعارضة اليهود.
حتى الآن، بينما يتشارك الجميع في شعور عام بالمرارة من نتائج الحرب، ومع استمرار المحللين في البرامج التلفزيونية في الحديث عن جولة حرب جديدة، ومع غياب أي تفكير بديل في الأفق، لا يوجد مَن يقف ويقول بوضوح: كفى. لقد ضربنا، ودمرنا، وألحقنا الأذى، وطبعاً قضينا على كثيرين؛ لكن النظام في طهران لا يزال قائماً، واليورانيوم المخصّب مخبأ في مكان ما، ومنظومة الصواريخ يُعاد بناؤها، و”حزب الله” لا يزال يقاتل، وكذلك فإن الحوثيين لم يقولوا كلمتهم الأخيرة.
هذا الأمر كارثي؛ إذا كان هناك خلاصة واضحة من الحرب الأخيرة، فهي أن القوة لا تقدم جواباً عن كل شيء، وأنه يجب البحث عن بديل. هذا البديل موجود، والتجربة التاريخية تثبت فعاليته، والكلمة المفتاحية هنا هي “الاحتواء”، وهي استراتيجية تهدف إلى منع التوسع وخلق تهديدات غير محتملة، على أمل أن تؤدي العمليات التاريخية في النهاية، إمّا إلى انهيار الخصم، وإمّا إلى يأسه وتخلّيه عن أفكاره.
على المستوى العالمي، هناك نموذج من سياسة الاحتواء، هو السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة إزاء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة حتى انهيار الكتلة السوفياتية في سنة 1991. كان الصراع الأيديولوجي بين القوتين بلا تنازلات: هدفت الشيوعية إلى انتصار الاشتراكية والقضاء على الرأسمالية، بينما سعت الولايات المتحدة لعالم ديمقراطي واقتصاد رأسمالي. عملياً، تجنبت القوتان استخدام القوة العسكرية المباشرة ونجحتا في تقليص خطر الحرب النووية. وفي النهاية، انتصرت الاستراتيجية الأميركية من دون إطلاق رصاصة واحدة.
تُعرف استراتيجية الاحتواء في المشروع الصهيوني باسم “الجدار الحديدي”، وهو مصطلح صاغه فلاديمير جابوتنسكي وتبنّاه ديفيد بن غوريون. كلاهما رأى في بناء القوة أساساً لضمان بقاء الدولة اليهودية في مواجهة التهديدات العربية، لكنهما أدركا أيضاً أن القوة وسيلة وليست غاية، وأن هدفها دفع الخصم إلى التخلي عن طموحاته بشأن القضاء على إسرائيل. وقدّرا في النهاية أن العرب سيقبلون إنهاء الصراع.
لقد كانا على حق. أثبتت انتصارات الجيش الإسرائيلي للعرب، وبشكل خاص نتائج حرب “الأيام الستة”، أنهم غير قادرين على القضاء على إسرائيل، وهو ما دفعهم إلى قبول وجودها. وكان اتفاق السلام مع مصر التعبير الأوضح عن ذلك.
لكن نجاح “الجدار الحديدي” كان له تعبير آخر لا يقلّ أهميةً، وهو مبادرة السلام العربية لسنة 2002، التي تدعو إلى إنهاء الصراع، واعتراف الدول العربية بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها، في مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتُلت سنة 1967. كان رواد الصهيونية، وعلى رأسهم بن غوريون، سيرون في هذه المبادرة تحقيقاً لحلم الأجيال، أمّا خلفاؤهم من قادة المعارضة فيتجاهلونها تماماً، ما يبقي فقط الرؤية البديلة التي يرسمها بنيامين نتنياهو “العيش على حد السيف”، مطروحة على الطاولة، ونحن نرى مراراً إلى أين يقود هذا النهج.
يمكن لاستراتيجية الاحتواء أن تعمل أيضاً إزاء إيران، ويجب أن تقوم على عنصرين أساسيَّين: الأول، منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، باعتبارها التهديد الوجودي. ولتحقيق ذلك، يمكن تقديم تنازلات في مجالات أُخرى، مثل الصواريخ التي لا تشكل تهديداً وجودياً رغم خطورتها؛ أمّا تغيير النظام فيُترك لجهات أُخرى.
العنصر الثاني هو خفض مستوى التصعيد مع إيران، فالصراع الطويل يجعل هذا الهدف صعباً، لكن التصعيد المستمر لا يؤدي سوى إلى زيادة دوافع الانتقام لدى الإيرانيين، بينما يجب أن يكون الهدف تقليل هذه الدوافع.
إلى جانب ذلك، وحسبما اقترح باحثون، يجب العمل سياسياً لتعزيز المصالح المشتركة مع المحور المناهض لإيران، وبشكل خاص مع سورية والسعودية والحكومة اللبنانية، ويمكن أن تكون نقطة الانطلاق لهذا الجهد استعداد إسرائيل لقبول مبادرة السلام العربية مبدئياً، والتقدم نحو حلّ الدولتين.
صحيح أن هذا كله يبدو الآن كأنه رؤية بعيدة المنال، لكن التمسك بالبديل الحالي أكثر خطورةً بكثير.
عن “هآرتس”
