الرئيسية الاخبار قانون الإعدام: إسرائيل دولة فاشية تُطبّق الفصل العنصري

قانون الإعدام: إسرائيل دولة فاشية تُطبّق الفصل العنصري

بقلم: دانييل بلتمان /كتب المفكر الماركسي البارز، أنطونيو غرامشي، في “دفاتر السجن” في العام 1930، أنه عندما يموت القديم ولا يولد الجديد الذي يستطيع الولادة، تظهر أعراض سياسية واجتماعية مخيفة في المجتمع. في عيد استقلالها الـ78 تغرق إسرائيل في المرحلة التي وصفها غرامشي. لم تعد ديمقراطية في أزمة مؤقتة أو مجتمع متطرف في ظل حرب طويلة الأمد، بل هي دولة تتخلى عن آخر الحواجز الأخلاقية والقانونية والسياسية لدولة القانون الديمقراطية، في طريقها لتصبح دولة فاشية عنيفة، ترسخ الهيمنة والفصل العنصري.
إن قانون عقوبة إعدام “الإرهابيين” في العام 2026، الذي صادقت عليه الكنيست في 30 آذار الماضي، لا يعتبر تعديلاً للقانون الجنائي ينبع من دوافع أمنية، وهو ليس رد فعل عاطفي وسياسي مبالغ فيه على مأساة 7 تشرين الأول. كشف هذه اللحظة الحقيقة. فهي تظهر أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى سجن الفلسطينيين وطردهم وتهجيرهم وتجويعهم والمس بقدرتهم على العيش، بل تسعى أيضاً إلى تخويل نفسها، بموجب نظام قانوني تمييزي، بإعدام الشعب الذي يخضع لحكمها.
هذا ليس قانوناً لمكافحة “الإرهاب”، بل قانون يعطي الدولة سلطة إضافية لقتل الفلسطينيين، في نظام يقوم أصلاً على التفاوت الكبير بين اليهود والعرب. سيسمح القانون بمعاقبة الفلسطينيين بشكل انتقائي – الفلسطينيين فقط – ويمثل تصعيداً خطيراً في قمعهم. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن تطبيق هذا القانون في أراض محتلة يتمتع سكانها بالحماية يعتبر انتهاكاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني. لا تكرس إسرائيل عقوبة الإعدام في لب تشريعاتها بشكل عام، بل توجهها نحو الشعب الذي تسيطر عليه بالقوة العسكرية. وهذا ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو عنصر بنيوي في واقع الهيمنة العرقية.
يجب فهم هذا القانون في سياق الحرب على قطاع غزة، والتطهير العرقي الذي يجري في الضفة الغربية والحرب مع إيران. إن أحداث السنوات الأخيرة، منذ بداية الانقلاب في كانون الثاني 2023 وحتى الآن، كل تلك مظاهر لدولة فقدت كل الحدود السياسية والأخلاقية، واستبدلت ضبط النفس القانوني لتحل مكانه عبادة العنف. إن الإبادة الجماعية في غزة ليست فقط خلفية عاطفية أو أمنية لسن هذا القانون، بل هي مفتاح فهم الوجه المتغير لإسرائيل.
في أيلول 2025 توصل تحقيق دولي للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة. ورغم استمرار الجدل حول المصطلحات، إلا أن الوثائق والحقائق ترسم صورة واضحة: مجاعة، تدميراً ممنهجاً لظروف المعيشة، تهجيراً جماعياً، قتلاً للمدنيين بنطاق غير مسبوق، وعنفاً يهدف إلى منع استمرار وجود المجتمع الفلسطيني في غزة. وبهذا المعنى يعتبر قانون عقوبة الإعدام جزءاً لا يتجزأ مما حدث في غزة. إنه مرحلة أخرى في العملية التي تعتاد إسرائيل من خلالها على اعتبار قتل الفلسطينيين هدفاً مشروعاً يمكن تحقيقه بوسائل مختلفة: آلة الحرب الحكومية، وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، والتشريعات.
لقد أدركت حنة أرندت أن النظام الذي يتبلور في إسرائيل لا يقوم على الأيديولوجيا فقط، بل يقوم أيضاً على التفكيك المنهجي للمساحة التي يعتبر فيها الناس متساوين إمام القانون. وقد بيّن الفيلسوف الأميركي هوغو بيدا، وهو أحد أبرز المفكرين الذين عارضوا عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، أن المسالة لا تقتصر على ما إذا كانت العقوبة رادعة، بل تتعداها إلى تحديد نوع الدولة، التي تدعي سلطة القتل، ضمن نظام عرضة للتعسف والتحيز والخطأ.
أما روبرت بيدنتر، الفقيه القانوني اليهودي الفرنسي الذي نشأ في ظل الكارثة وفقد والده في معسكر سوبيبور، فقاد لاحقاً النضال من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا. وأدرك بيدنتر أن الدولة التي تختار الإعدام لا تظهر القوة، بل الفشل الأخلاقي والسياسي. وصمم كل من جان بول سارتر وفرانتس فانون، كل بطريقته، أن الحكم الاستعماري لا يقتصر على تجريد المحكومين من ممتلكاتهم، بل يفسد المجتمع الحاكم أيضاً، ويعوّده على رؤية العنف كلغة طبيعية، ورؤية حياة المحكومين كمادة يمكن تشكيلها أو اختزالها أو محوها. في إسرائيل 2026 تتقاطع هذه العناصر عند تقاطع غزة، وإرهاب المستوطنين في “المناطق” المحتلة، والحرب على إيران، وقانون عقوبة الإعدام.
لم يعد مصطلح “الفصل العنصري” مجرد شعار مثير للجدل، بل أصبح وصفاً دقيقاً للواقع في إسرائيل. حتى في جنوب إفريقيا في فترة نظام الفصل العنصري، لم يتم النص على عقوبة الإعدام في القانون كعقاب للسود فقط. مع ذلك، طبقت ضمن نظام قانوني عنصري بشكل واضح. ويتجلى هذا أيضاً في الأرقام. ففي الأعوام 1981 – 1990 تم إعدام حوالى 1100 شخص في جنوب إفريقيا، 97 في المئة منهم تقريباً من السود. وكان كل القضاة الذين أصدروا الأحكام من البيض. كانت الفجوة بنيوية. لقد طبقت عقوبة الإعدام ضمن نظام قانوني يفرط في حماية حياة البيض، في حين يتم إهمال حياة السود باستمرار. كانت هناك بالفعل حالات نادرة حكم فيها على بيض بالإعدام بسبب قتل أو اغتصاب أشخاص سود، والأشهر من بينها قضية جيني غوتسوينا، وهي امرأة سوداء اغتصبت وقتلت في شباط 1985، وحكم على اثنين من البيض بالإعدام بسبب ذلك: شالكا بورشر وجورج شبريز. ولكن هذه الحالة الاستثنائية بالتحديد، ومع ما حظيت به من اهتمام إعلامي، كشفت القاعدة.
مثلما هي الحال في إسرائيل، حيث حكم على عميرام بن أوليئيل، قاتل عائلة دوابشة، بثلاثة مؤبدات، لكن هذا الحكم الذي يعتبر استثنائياً كشف عن القاعدة التي يتمتع فيها الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين بحصانة سياسية وقانونية، وهو الأمر الذي لا ينطبق على الفلسطينيين.
لذلك فإن معارضة عقوبة الإعدام في جنوب إفريقيا كانت في أساسها معارضة للنظام العنصري نفسه. وقد قال رئيس الأساقفة، ديزموند توتو، وهو أحد أبرز الأصوات الأخلاقية في النضال ضد نظام الفصل العنصري: إن عقوبة الإعدام عار، لأنها تستخدم بشكل غير متناسب ضد الفقراء والأقليات العرقية (الذين كانوا في الغالب من السود). وفي جنوب إفريقيا أيضاً لم يكن هذا مجرد تشويه للعدالة، بل أحد الوسائل التي تحول فيها القانون نفسه إلى ذراع تنفيذية لهيمنة البيض.
في إسرائيل يعتبر قانون عقوبة الإعدام عنصراً من عناصر الفصل العنصري، الذي يشكل البنية التحتية للاحتلال. تتم محاكمة اليهود الذين يعيشون في المنطقة ذاتها مع الفلسطينيين في المحاكم المدنية العادلة، بينما تتم محاكمة الفلسطينيين في المحاكم العسكرية التابعة للمحتل. يضمن لليهود كل الحقوق السياسية وحرية الحركة والحصول على الموارد، ونظام قضائي مدني، بينما يعيش الفلسطينيون تحت رقابة نقاط التفتيش، الأوامر العسكرية، آليات الترخيص، العقاب الجماعي، والعنف المستمر. في ظل هذا النظام عندما تخول الدولة نفسها إعدام من هم تحت الاحتلال فقط، يصبح الحديث عن الديمقراطية مع “استثناءات” أمراً لا معنى له. إنه نظام لا يوزع الأرض والمياه والطرق والحقوق وفقاً للانتماء العرقي فقط، بل يوزع أيضاً الموقف من الحياة والموت.
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأن 1697 فلسطينياً تم تهجيرهم من بيوتهم في 33 تجمعاً سكنياً في الأشهر الثلاثة الأولى في 2026، بسبب عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى بيوتهم. أكثر من 68 في المئة من عمليات الطرد هذه كانت في غور الأردن، وبالتحديد بين تجمعات الرعاة والبدو. ووثق تقرير آخر، صدر عن “أوتشا” في شباط 2026، 883 حالة تهجير لعائلات فلسطينية، تضم 4765 شخصاً، في 97 تجمعاً سكنياً، بسبب عنف المستوطنين منذ كانون الثاني 2023. وخلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن هذا العنف منسق إستراتيجياً، وأكد على أن السلطات الإسرائيلية تلعب دوراً رئيساً في توجيه هذا النمط والمشاركة فيه إلى درجة يصعب فيها التمييز بين عنف الدولة وعنف المستوطنين. لم يعد هذا مجرد إهمال في تطبيق القانون، بل أسلوب من أساليب الحكم.
هذه ليست استثناءات. فتجمعات الرعاة والبدو في غور الأردن وفي جنوب جبل الخليل يتركون بيوتهم ليس فقط امتثالاً لأوامر الإخلاء الرسمية، بل أيضاً بشكل خاص، بعد إزعاج متكرر يشمل اقتحام البيوت وإطلاق النار ومنع الوصول إلى المياه والمراعي وسرقة الأغنام والحرق المتعمد والاعتداءات وتدمير الممتلكات، وأحياناً القتل، وغالباً بحضور قوات الأمن أو بدعم منها. وتصف منظمات حقوق الإنسان نمطاً يصبح فيه العيش مستحيلاً، حتى يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد؛ قد يظهر أنه طوعي، لكنه في الواقع تهجير قسري عبر إرهاب مستمر.
هذه هي صورة سيادة إسرائيل في الضفة الغربية. جماعات من اليهود المسلحين، يعملون أحياناً ضمن أنظمة أمنية قطرية، إلى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي، يحددون على الأرض من يسمح له بالتنقل والرعي والحرث والبناء والنوم بأمان. الخط الفاصل بين الجندي والمستوطن والمشاغب المسلح يتلاشى بالتدريج. هذه هي المرحلة التي يتوقف فيها النظام عن كونه نظاماً للقانون، ويصبح نظاماً للحصانة العرقية: يمكن لجماعة أن تتصرف بعنف دون أن تدفع أي ثمن، بينما تبقى الجماعة الأخرى موضع شك دائم وعرضة للموت.
قانون عقوبة الإعدام جزء من هذا الواقع، فهو ببساطة يترجمه إلى لغة قانونية. ولكنه مرتبط أيضاً بواقع غزة. الدولة نفسها التي تسمح للمستوطنين بارتكاب مذابح في القرى الفلسطينية بالضفة الغربية، طبقت في غزة سياسة إبادة وتجويع وتدمير مستشفيات وتدمير البنى التحتية المدنية، وحولت وجود الشعب الفلسطيني نفسه إلى مشكلة يجب حلها بالقوة. قطاع غزة والضفة الغربية وقانون عقوبة الإعدام ليست إلا تعبيراً عن واقع واحد. توجه سائد.
في إسرائيل الآن لم تعد الفاشية والفصل العنصري مجرد شعارات أو استعارات، بل مصطلحات تعكس الواقع بدقة:
– الفصل العنصري؛ لأنه بين البحر والنهر يوجد نظام واحد من حيث السيادة، ونظامان من حيث الحقوق والعدالة والعقاب.
– الفاشية؛ لأن سيادة اليهود لم تعد مقيدة بالتزام عميق بالمساواة الإنسانية والقانون، ولأن العنف لم يعد مجرد وسيلة للسيطرة، بل أصبح مثالاً أعلى واختباراً للولاء للهيمنة اليهودية.
هكذا فإن التهجير اليومي والإرهاب في الضفة الغربية، ومذابح الأبرياء، والمجاعة والدمار الشامل في قطاع غزة، والحرب ذات الأهداف المشبوهة التي لا تنتهي في إيران، والتقنين القانوني لحق الدولة في قتل الخاضعين لسلطتها في ظل نظام الفصل العنصري، كل تلك عوامل تتشابك لتشكل بنية جديدة للدولة اليهودية.
إن إسرائيل لا تتجه نحو التحول إلى دولة فصل عنصري فاشية فقط، بل هي غارقة في هذه العملية. الأمر لا يقتصر على الحكومة المتطرفة الحالية، فقد تعودت شرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي على العيش بسلام في ظل التفوق العرقي، وعلى اعتبار الإبادة البطيئة والعلنية لشعب آخر ثمناً مقبولاً مقابل حياة اليهود، التي يفترض أنها طبيعية. لذلك فإن قانون عقوبة الإعدام ليست مجرد قانون، بل دليل على أن دولة ولدت من وعد بالتحرير التاريخي والأخلاقي لشعب عرف الإبادة الجماعية، حيث تمت إبادة ملايين من أبنائه، تعيد تشكيل نفسها بعد حوالى ثمانين سنة كدولة عنصرية وقحة تلجأ إلى العنف الجامح. هذه ليست دولة ديمقراطية تعيش في أزمة، بل دولة تفقد هويتها وتشكك بالمبررات الأخلاقية والتاريخية لوجودها.

عن “هآرتس”

Exit mobile version