الرئيسية زوايا أقلام واراء الانتخابات المحلية في فلسطين: بين اختبار الوعي وحدود الممكن السياسي .. بقلم...

الانتخابات المحلية في فلسطين: بين اختبار الوعي وحدود الممكن السياسي .. بقلم :د. ديمة فايق أبو لطيفة

في كل مرة نقترب فيها من الانتخابات يبدو المشهد وكأنه لحظة ديمقراطية مألوفة … لكن، في السياق الفلسطيني، سرعان ما يتكشف أن ما نعيشه ليس مجرد اختيار… بل اختبار، تتجسد في صندوق اقتراع وأصوات تُمنح لمرشحين. غير أن هذه الصورة، في السياق الفلسطيني، لا تعكس كامل الحقيقة. فالانتخابات هنا لا تُختزل في كونها إجراءً إداريًا لتجديد الهيئات المحلية، بل تمثل لحظة كثيفة الدلالات، تتقاطع فيها السياسة مع الاجتماع، ويتداخل فيها الوعي مع البنية، ليغدو الفعل الانتخابي أقرب إلى اختبار مركّب لبنية المجتمع أكثر منه مجرد ممارسة دورية.

إن ما تكشفه الانتخابات في الحالة الفلسطينية لا يتعلق فقط بخرائط الفوز والخسارة، بل بما تعكسه من أنماط تفكير، وأولويات كامنة، وحدود فعل ديمقراطي يتشكل داخل بيئة استثنائية. فالمجتمع الفلسطيني لا يمارس تجربته الانتخابية في شروط مستقرة أو مكتملة السيادة، بل في سياق تفرضه بنية احتلالية تعيد تعريف الممكن السياسي، وتضع قيودًا مباشرة وغير مباشرة على الأداء المؤسسي، وعلى توقعات المواطنين في آن واحد.

ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى الانتخابات بوصفها لحظة اختبار مزدوجة: فهي من جهة تختبر كفاءة النخب وقدرتها على تقديم تصورات قابلة للتنفيذ، ومن جهة أخرى تختبر المجتمع ذاته، ومدى قدرته على ممارسة اختيار عقلاني قائم على المعايير.

غير أن هذا الاختبار لا يجري في فراغ نظري، بل في فضاء اجتماعي كثيف، تتداخل فيه اعتبارات الانتماء العائلي، والروابط الاجتماعية، ورأس المال الرمزي، وشبكات النفوذ المحلية، بما يعيد تشكيل القرار الانتخابي بوصفه نتاجًا مركبًا لا قرارًا فرديًا خالصًا.

وهنا، تبرز إحدى أكثر مفارقات التجربة الانتخابية دلالة: الفجوة بين الخطاب والممارسة. ففي الوقت الذي يرتكز فيه الخطاب الانتخابي على مفاهيم الحداثة السياسية كالشفافية، والمساءلة، والحكم الرشيد، تظل الممارسة، في كثير من الأحيان، خاضعة لمنطق العلاقات والتوازنات الاجتماعية.

وهذه الفجوة لا ينبغي قراءتها بوصفها تناقضًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن حالة انتقالية لم تكتمل شروطها، حيث تتعايش القيم الحديثة مع أنماط تقليدية في اتخاذ القرار، ضمن ثقافة سياسية لم تُحسم بعد.

ومن منظور تحليلي أعمق، يمكن فهم هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ “العقلانية المقيدة”، حيث لا يُمارس الفرد اختياره في فضاء مفتوح من الخيارات والمعرفة، بل ضمن حدود يفرضها السياق الاجتماعي، وضغوط التوقعات، وإكراهات الواقع السياسي.

وعليه، فإن كثيرًا من قراراتنا الانتخابية لا تعبّر عن “ما نراه الأفضل” بقدر ما تعبّر عن “ما هو ممكن” ضمن شروطنا. وهذا لا ينتقص من وعي المجتمع، بقدر ما يكشف تعقيد البيئة التي يتحرك ضمنها.

غير أن أهمية هذه القراءة لا تكمن في توصيف الواقع فحسب، بل في استكشاف ديناميات التحول الكامنة داخله. فالمجتمع الفلسطيني، رغم كل هذه القيود، يشهد تحولات تدريجية في بنيته التوعوية، تتجلى في تصاعد الأسئلة النقدية، وفي تراجع المسلّمات غير المفحوصة، وفي محاولات – وإن كانت متواضعة -للانتقال من ثقافة التأييد إلى ثقافة المساءلة، ومن الانحياز للأشخاص إلى الانحياز للمعايير.

وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات بُعدًا يتجاوز وظيفتها الإجرائية، لتغدو مساحة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والعمل العام. فهي لا تختبر فقط من يصل إلى موقع المسؤولية، بل تختبر أيضًا كيف يُعاد إنتاج هذا الموقع: هل بوصفه تكليفًا أخلاقيًا قائمًا على الكفاءة، أم امتدادًا لشبكات النفوذ والعلاقات؟

وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، فإن هذا النقاش لا يمكن فصله عن البعد الوطني الأشمل. فتعزيز الحكم المحلي الرشيد لا يُعد مسألة إدارية فحسب، بل يمثل أحد مداخل الصمود المجتمعي، وأحد أشكال إعادة تنظيم الذات في مواجهة سياسات التفكيك والإضعاف.

إن بناء مؤسسات محلية فعالة لا يقتصر أثره على تحسين الخدمات، بل يمتد ليُسهم في ترسيخ القدرة على إدارة الشأن العام بإرادة ذاتية، وهو ما يشكل، في جوهره، جزءًا من معركة الوجود.

وعليه، فإن اختزال الانتخابات في نتائجها يُفقدها أحد أهم أبعادها: بعدها المعرفي. فهي، في جوهرها، لحظة مساءلة جماعية لأنماط التفكير والسلوك، وفرصة لإعادة طرح أسئلة قد تكون أكثر أهمية من النتائج ذاتها:

هل نمارس الاختيار كما نؤمن به؟

هل نمتلك الجرأة الكافية لمراجعة ذواتنا؟

وهل نسعى إلى التغيير بوصفه مسارًا، أم نكتفي به كشعار؟

في المحصلة، يمكن القول إن الانتخابات، رغم ما تحمله من مفارقات، تظل مساحة مفتوحة لإعادة التفكير في الذات المجتمعية. فهي لا تُنهي النقاش، بل تبدأه. ولا تقدّم إجابات نهائية، بل تطرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة المجتمع الذي نريد أن نكونه، وبحدود قدرتنا على التحول في سياق معقد.

فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج…لكن ما تتركه فينا لا ينتهي.

يبدأ في وعينا، وفي اختياراتنا القادمة،

وفي قدرتنا على أن نكون أكثر اتساقًا مع ما نؤمن به.

* أستاذ الفكر الإسلامي والأيديولوجيات المعاصرة- جامعة الاستقلال / فلسطين

 

Exit mobile version