الرئيسية زوايا أقلام واراء نافذة العامل الفلسطيني : في جدلية الخبز والرصاص يوم العمال العالمي في...

نافذة العامل الفلسطيني : في جدلية الخبز والرصاص يوم العمال العالمي في فلسطين … بقلم : نسيم قبها

ليس يوم العمال مجرد احتفاء بالسواعد المنتجة، بل هو تأمل في معنى العمل حين يصير مقاومة للعدم. أما العامل الفلسطيني، فمعاناته تحيلنا إلى سؤال فلسفي أعمق: كيف يمكن للجسد أن يؤكد وجوده حين تُسلب منه أدوات وجوده؟ وكيف تتحول لقمة الخبز -أيقونة الحياة- إلى نذير موت؟

تأمل معي هذا المشهد الوجودي: عند الحاجز العسكري، حيث تتوقف حركة التاريخ، يقف العامل الفلسطيني في طابور يشبه صف الغزاة الذين ينتظرون دورهم ليُسمح لهم بالحياة. هايدغر قال إن الإنسان “كائن نحو الموت”، لكن الفلسطيني في تلك اللحظة يصير “كائنًا نحو الحاجز” – فوجوده يتوقف على سماح آخر له بالعبور. هنا، يتحول العمل من فعل إبداعي حر إلى رخصة مؤقتة للتنفس.

ما هي الحواجز في عمقها الفلسفي؟ ليست مجرد إسمنت وحديد، بل أداة لتفكيك الزمن الفلسطيني. فالعامل الذي يقف ساعات منتظرًا يُسرق منه زمنه، وزمنه هو وعاؤه الوجودي. الحواجز تخلق “منطقة انتظار” بامتياز، حيث يُعلّق الإنسان بين حياة يعرفها وبين حياة لا يضمن بلوغها. إنها مختبر بيولوجي-سياسي يمتحن حدود التحمل الإنساني. وكل صباح يعيد فيه العامل اختبار الوجود: هل سأُسمح اليوم بأن أكون؟

أما لقمة الخبز التي يسعى إليها، ففي سياق فلسطيني تتحول إلى مفارقة درامية. الخبز رمز العطاء والحياة، لكن العامل الذي يطارده جنود الاحتلال ليمنعوه من الوصول إلى مصدر رزقه يكتشف أن الخبز ذاته صار رصاصة تترقبه – رصاصة انتظار تصيب معنوياته قبل جسده. هنا تتجلى جدلية الهيغلية بصيغة جديدة: ليس سيد العبد من يمنحه الاعتراف، بل سيد الفلسطيني من يمنحه الإذن بالعمل. والاعتراف الذي يبحث عنه كل إنسان يتحول في هذا السياق إلى إذن بالبقاء.

ثمة بعد آخر أكثر عمقًا: تحويل الجسد الفلسطيني إلى جسد “غير محمي”. عندما يكون العمل حقًا مشروطًا، يصير العامل خارج الحماية الطبيعية التي يوفرها القانون. الرصاصة التي تصيب عاملاً عند الحاجز ليست مجرد عنف مادي، بل هي رسالة بيّنة: “جسدك عارٍ من أي حماية إنسانية، ونحن من يقرر متى تأكل ومتى تموت”. إنها سياسة مفترسة على أشدها – تحويل الحياة اليومية إلى ساحة انتظار دائمة للموت.

أليس هذا هو (سيزيف) الفلسطيني المعاصر؟ لكن الفرق أن صخرة سيزيف كانت حجرًا ملموسًا، بينما صخرة الفلسطيني هي الانتظار المجرد. كل صباح يدفع الصخرة إلى أعلى الجدار العازل، كل مساء تعود الصخرة لتحطم أحلامه. ومع ذلك، يستمر في الدفع. لماذا؟ لأنه اكتشف سرًا وجوديًا: أن مقاومة العبثية لا تكون بانتصار نهائي، بل بإعادة الكرة كل يوم. إقدامه على الوصول إلى الحاجز رغمًا عن كل الرصاصات هو انتصاره الفلسفي الأعمق.

في يوم العمال العالمي، حين يحتفي العالم بقيمة “العمل”، على الفلسطيني أن يعيد تعريف المصطلح: العمل الفلسطيني ليس إنتاجًا بقدر ما هو تأكيد وجود ضد الإلغاء. فالعامل الذي يحمل بطاقة تصريحه في يده ورصاصة الانتظار في خلفية ذهنه إنما يمارس أسمى درجات الحرية: حرية الاختيار في غياب الخيارات.

الرصاصة التي تستهدف لقمة الخبز ليست رصاصة عادية. إنها تختزل تاريخًا من الحرمان، وسياسة من التجويع، وفلسفة من الإذلال. لكن في عمق هذه الرصاصة -وهي تصيب الجسد الفلسطيني- تنشأ معادلة جديدة: كل رصاصة تخلق جسدًا أكثر إصرارًا على العيش. وكل جدار يُبنى ليطمس الأفق، يصبح مرآة ينعكس عليها نور الغد.
الصمود الفلسطيني هنا ليس مجرد “دفع الصخرة” بل هو أيضًا إعادة اختراع الحياة في الشقوق. فالعامل لا ينتظر الإذن بالحياة فقط، بل يخلق فجوات للمقاومة اليومية عبر التهريب الصامت للخبز والحلم.

لذلك، أيها العمال في العالم، حين تحتفلون بكرامتكم، تذكروا أن هناك من يدفع ثمن كرامته اليومي بعبور الأسلاك المشبعة باللهب. سلامًا للعامل الفلسطيني الرافض أن يكون لقمة خبزه رصاصة، والمصر على تحويل كل رصاصة إلى شهادة ميلاد جديدة للأمل.

Exit mobile version