الرئيسية زوايا أقلام واراء من هرمز الى أوبك، هندسة جديدة بترتيب إسرائيلي .. بقلم : د.فريد...

من هرمز الى أوبك، هندسة جديدة بترتيب إسرائيلي .. بقلم : د.فريد اسماعيل

بتاريخ ٢٨-٤-٢٠٢٦ وعبر وكالة أنبائها الرسمية، اعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة البلدان المصدرة للنفط “اوبك ” و تحالف “اوبك +” في توقيت غير بريء، منهية نحو ٦ عقود من العضوية. للوهلة الأولى يمكن الاعتقاد بأن هكذا قرارات تدخل ضمن الحق السيادي لأية دولة باتخاذ ما تراه مناسبا من إجراءات وقرارات في إطار الحفاظ على المصالح الوطنية طالما ذلك لا يتعارض مع القانون الدولي ولا يشكل تهديدا أو ضررا مباشرا بمصالح المحيط أو أي من الدول والشعوب. وبنظرة بريئة لا تخلو من بعض السذاجة، يمكن النظر إلى أن هذا الانسحاب يعكس رؤية الإمارات الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأجل لتطوير قطاع الطاقة لديها بما في ذلك تسريع عملية الاستثمار في إنتاج الطاقة محليا والسعي إلى زيادة طاقتها الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يوميا بحلول العام ٢٠٢٧، وذلك يتطلب الخروج من التزاماتها تجاه اوبك واوبك + ، ما يمنحها مزيدا من المرونة في تصريف الطاقة الإنتاجية الفائضة الغير مستغلة بسبب الضوابط الموضوعة من اوبك و اوبك + .

هذا في الظاهر. اما في الجوهر ، فالاهداف والطموحات والمشاريع التي تقف خلف هذا القرار تتجاوز في مداها وفي ابعادها وتأثيراتها على مجمل المنطقة مجرد التحرر من قيود اوبك أو الرغبة بجني مزيد من المال. فالامارات الى جانب المملكة العربية السعودية تعد من الأعضاء القلائل في مجموعة الدول المنتجة للنفط الذين يمتلكون طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، واوبك هي الآلية التي تمارس من خلالها المجموعة نفوذها في السوق وتستجيب لخدمات العرض، وبالتالي فإن خروج الإمارات يزيل أحد الركائز الأساسية التي تدعم قدرة اوبك على إدارة السوق. ونتيجة لذلك ستصبح اوبك اضعف هيكليا ، ما يمثل تحولا هاما بالنسبة لاوبك. إلا أن الإمارات تعتقد بأن خروجها من التكتل وحريتها برفع إنتاجها من ثلاثة ملايين وأربعمائة الف برميل الى ما يقارب الخمسة ملايين يوميا سوف يعزز موقعها العالمي ويضعها في قلب التوازنات الكبرى، وبالتالي يوسع نفوذها في المنطقة على حساب الموقع والنفوذ والدور السعودي. فمنذ العام ١٩٦٠ تأسست منظمة اوبك كقوة عالمية بقيادة السعودية التي عملت على توحيد السياسات النفطية وضمان استقرار السوق النفطي وتحديد أسعاره.

واليوم حين تقرر الدولة الثالثة من حيث الانتاج في اوبك واوبك + الخروج، فالحديث لا يدور حول إجراء إداري، بل عن ضربة موجعة لأساسات النظام النفطي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، إذ أن الإمارات لم تكن راضية عن دور السعودية التي ينظر إليها على أنها القائد الفعلي لاوبك. كما أن العلاقات السعودية الإماراتية لم تعد في أفضل حالاتها منذ سنوات. فقد شهدت تلك العلاقة توترات متلاحقة بلغت ذروتها خلال الحرب في اليمن ولاسيما في الجنوب إذ وصلت الخلافات الى حد استهداف قوات يمنية موالية للحليف الإماراتي حاولت السيطرة على كل مواقع الشرعية اليمنية وصولا إلى حضرموت. وقد أدى ذلك إلى انكفاء الدور الإماراتي في جنوب اليمن بعد أن كانت من أبرز شركاء السعودية في الحرب التي شنت عام ٢٠١٥ تحت اسم عاصفة الحزم. ويأتي انسحاب الإمارات في وقت يتوقع فيه خبراء، زيادة الضغط على السعودية لرفع إنتاج النفط بينما تحتاج السعودية إلى أسعار أعلى لتغطية احتياجاتها المحلية مقارنة بالأسعار التي قد تقبل بها الإمارات. لذلك فإن قرار الانسحاب لم يكن بريئا وقد يكون له تأثير سلبي لاحقا حسب قول جون كيلدوف مؤسس شركة ” أجين كابيتال ” إذ أنه يضعف التماسك اللازم بين المنتجين لمنع انخفاض الأسعار بشكل كبير خلال فترة وفرة المعروض وفقا لتقرير CNBC ، كما أن السوق قد يفتقد قدرة السعودية على دعم الأسعار في حال ضعف الطلب على النفط ووجود فائض كبير في المستقبل. كما أن روسيا العضو الفاعل في ” اوبك +” لم تستطع إخفاء قلقها من هذه الخطوة، إذ قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف ان موسكو تأمل في ألا يعني قرار الإمارات بالانسحاب نهاية تحالف “اوبك +”، مؤكدا أن روسيا ستبقى ضمن المنظمة، واصفا التحالف بأنه تكتل مهم لا سيما في ظل الاضطرابات الحالية التي تشهدها الأسواق العالمية.

وحين التعمق أكثر في جوهر الأزمة، تبرز اليد الإسرائيلية كلاعب اساسي كما في كل مآسي المنطقة. فقد شهد التحالف الإسرائيلي الاماراتي تطورا استراتيجيا متسارعا منذ توقيع اتفاقيات ابراهام عام ٢٠٢٠ ، متحولا من تطبيع دبلوماسي إلى شراكة أمنية ودفاعية متقدمة، خاصة في المجال التكنولوجي والدفاع الجوي. وقد تعزز هذا المحور هذا العام عبر نشر أنظمة دفاعية إسرائيلية متطورة في الإمارات بما في ذلك منظومة القبة الحديدية، ما يجسد اعلى مستويات التعاون العسكري كجزء من هندسة محور اقليمي جديد يعيد ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط تقوده واشنطن وتل أبيب. ولذلك فإن إسرائيل تستثمر في الطموح الاماراتي للعب دور اقليمي مركزي على حساب المصالح العربية الجامعة من نفطية وغيرها، وعلى حساب القضايا المركزية وفي مقدمتها قضية فلسطين. انطلاقا من ذلك ، لا يمكن النظر إلى قرار الإمارات الخروج من اوبك إلا في إطار الهندسة الجديدة وبتوجيه إسرائيلي، أحد أبرز اهدافه اضعاف الدور السعودي في إدارة السوق النفطي وبالتالي تقليص دورها الإقليمي والدولي، لا سيما بعد إبداء نتنياهو قلقه من تشكل محور سني متصاعد في المنطقة.

وبشكل أدق، فإن الإمارات تساهم في بناء نظام تحالفات جديد بمعزل عن الخليج، إذ تنخرط في مشاريع جديدة ايضا تمتد من الهند إلى أوروبا كتحالف I2U2 الذي يضم الهند- إسرائيل- الامارات- امريكا، وممر IMEC الذي يربط الإمارات بأوروبا عبر حيفا ويتجاوز مضيق هرمز. فالتقارب السياسي مع واشنطن وتل ابيب يتقاطع مع إعادة رسم طرق الطاقة في المنطقة. وقد كان الرئيس الأمريكي ترامب دائم الانتقاد لتكتل اوبك متهما اياه برفع برفع الأسعار على حساب الاقتصاد العالمي.

 

من هرمز الى اوبك، اللعبة تتغير. فليس المهم فقط من ينتج النفط، بل أيضا من يتحكم بالممرات، والتحالفات التي ترسم خريطة الطاقة الجديدة .

 

Exit mobile version