تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة جديدة من إعادة التشكل، مع إعلان التحالف بين رئيسي الوزراء السابقين نفتالي بينيت ويائير لبيد، في محاولة لتجميع قوى المعارضة وإزاحة بنيامين نتنياهو عن الحكم، ويعكس هذا التطور عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها “إسرائيل” بعد سنوات من الاستقطاب الحاد، وتداعيات الحرب، والانقسامات الاجتماعية، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية.
التحالف الجديد، الذي يجمع بين تيار يميني قومي يمثله بينيت، وتيار وسطي ليبرالي يقوده لبيد، لا يستند إلى رؤية سياسية مشتركة بقدر ما يقوم على هدف واحد وهو إنهاء حقبة نتنياهو، وهذا يؤكد أن الخلافات الأيديولوجية، ولا سيما تجاه القضية الفلسطينية، لم تحل، بل جرى تأجيلها لصالح أولوية إسقاط الرجل الذي بات عبئاً حتى على قطاعات من معسكره التقليدي.
ورغم الخطاب الإعلامي الذي يروّج لـ “التغيير”، فإن الحقيقة السياسية تؤكد أن معظم أطراف المعارضة الإسرائيلية تلتقي مع نتنياهو في جوهر المشروع الاستيطاني، ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، والحفاظ على التفوق الأمني والعسكري الإسرائيلي، وعليه، فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغييراً جوهرياً في السياسات تجاه الشعب الفلسطيني، بل قد يكون إعادة إنتاج للمشهد ذاته بوجوه مختلفة.
وفي صلب التنافس الحزبي الإسرائيلي، لا يدور الخلاف حول إنهاء الاحتلال، بل حول أساليب إدارة الصراع، فاليمين الديني والقومي يدفع نحو فرض الوقائع بالقوة، وتوسيع الاستيطان، وضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتقليص الوجود الفلسطيني سياسياً وجغرافياً، أما تيارات الوسط، فتتبنى سياسة “إدارة الصراع”، أي استمرار السيطرة الأمنية مع تقديم تسهيلات اقتصادية وإدارية تحول دون الانفجار، من دون الوصول إلى حل سياسي عادل.
أما ما يسمى تيار اليسار الصهيوني، فقد تراجع حضوره وتأثيره إلى حد كبير، وأصبح أقرب إلى طرح تسويات جزئية لا تمس البنية العميقة للاحتلال، وبذلك، فإن الفروق بين الأحزاب الإسرائيلية تكمن غالباً في الأدوات والأساليب، لا في الموقف الحقيقي من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
في المقابل، يبرز العامل العربي داخل أراضي عام 1948 بوصفه أحد المفاتيح الحاسمة في الانتخابات المقبلة، فالأحزاب العربية، إذا خاضت الانتخابات موحدة ونجحت في رفع نسبة المشاركة، يمكنها أن تحصد كتلة وازنة قادرة على ترجيح كفة المعسكر المناهض لنتنياهو، أو على الأقل منعه من تشكيل حكومة جديدة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن تشتت القوائم العربية وانخفاض نسبة التصويت يصبان مباشرة في مصلحة اليمين الإسرائيلي، أما الوحدة السياسية القائمة على برنامج وطني ومدني جامع، فإنها تمنح الجماهير العربية ثقلاً حقيقياً داخل الكنيست، وتعيد الاعتبار لدورها السياسي في مواجهة سياسات العنصرية والإقصاء.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن المعارضة لم تحسم الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة من دون الأحزاب العربية، وهذا يعني أن الصوت العربي قد يتحول إلى العامل الحاسم في رسم ملامح الحكومة المقبلة، وأن أي معسكر لن يكون قادراً على تجاهله أو تجاوز ثقله الانتخابي.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بإسقاط نتنياهو، بل بما بعده، فإذا تشكلت حكومة جديدة من دون مشاركة عربية فاعلة، أو من دون التزام بوقف التمييز وإنهاء الاحتلال، فإن التغيير سيبقى شكلياً ومحدود الأثر، لذلك، فإن المطلوب من القوى والأحزاب العربية في الداخل ليس مجرد لعب دور بيضة القبان، بل فرض أجندة سياسية وحقوقية واضحة تربط بين المساواة القومية والمدنية، وإنهاء الاحتلال، والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
أما فلسطينياً، فإن الانشغال الإسرائيلي بالانتخابات والتحالفات يكشف هشاشة البنية السياسية للاحتلال، لكنه لا ينبغي أن يقرأ بوصفه فرصة تلقائية، فالفرصة الحقيقية تكمن في تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، وترتيب البيت الداخلي، واستثمار التناقضات الإسرائيلية لصالح المشروع الوطني الفلسطيني.
إن سقوط نتنياهو، إن حدث، سيكون تحولاً مهماً في السياسة الإسرائيلية، لكنه لن يعني نهاية اليمين ولا نهاية الاحتلال، أما الصوت العربي الموحد، إذا أحسن تنظيمه وتوظيفه، فقد يكون الرقم الأصعب في المعادلة المقبلة، والقادر على إرباك الحسابات الإسرائيلية وإعادة رسم المشهد السياسي من جديد.
