من الواضح أن استمرار حروب نتنياهو تمنحه مساحة للبقاء السياسي، كما قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات المقررة في شهر كانون الأول القادم، وهو ما يتوافق مع رغباته، خصوصا كلما تكشف له أن النجاح في الانتخابات القادمة هو أمر معقد أو صعب، بسبب تغير معادلات المنافسة لغير صالحه، ناهيك عن الدور الفلسطيني، الذي قد يعمل لغير صالحه أيضاً. وتواصل إسرائيل حروبها في غزة ولبنان، وتبقي أبواب تجدد الحرب مفتوحة مع إيران. وقد يكون استئناف حكومة الاحتلال الحرب على إيران الأكثر منطقية في حسابات نتنياهو، لإثارة إمكانية تأجيل الانتخابات.
يستطيع نتنياهو، الخبير في البقاء السياسي، الاحتفاظ بالسلطة لأشهر إضافية محدودة بعد موعد الانتخابات، لتحسين وضعه الانتخابي. يمكن قانونياً تأجيل الانتخابات في إسرائيل بصعوبة، فقد يتطلب ذلك في ظل ظرف طوارئ استثنائي، استصدار تشريع خاص من الكنيست، بتوافق سياسي واسع. وقد تحقق ذلك في الماضي مرة واحدة فقط خلال حرب أكتوبر العام ١٩٧٣، تأجلت معها الانتخابات لشهرين. هيمن حزب «الليكود» اليميني بقيادته على المشهد السياسي الإسرائيلي منذ العام ٢٠٠٩. ويعتبر نتنياهو رئيس الوزراء الأطول بقاءً في السلطة في تاريخ البلاد. إلا أن ذلك ليس بالقضية المضمونة، فقط يتصاعد الضغط الشعبي في الشارع الإسرائيلي لإرغامه على فتح صندوق الاقتراع، وفق القانون، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً. وقد هزم نتنياهو في انتخابات العام ٢٠٢١، بسبب ملفات الفساد التي اتهم بها، والتي لا تزال مفتوحة، ويخضع نتنياهو بسببها حتى الآن لجلسات تحقيق. كما يتهم نتنياهو بسوء الأداء في حرب غزة والتعامل مع قضية المحتجزين الإسرائيليين فيها، ورفض السماح بإجراء تحقيق حول السابع من أكتوبر، وكذلك اتهامات بفتح جبهات وشن حروب من أجل أهداف سياسية داخلية لمصلحته، وهي التي تجعل فتح أي جبهة للقتال متزامنة مع الانتخابات حجة مكشوفة. يأتي ذلك بالإضافة إلى تشكيله لحكومة يمينية، تعد الأشد تطرفاً في تاريخ البلاد، والتي تسببت بإثارة الجدل والتصادم مع تيار واسع حول قضايا تتعلق بالإصلاح القضائي وتجنيد المتدينين، كما كانت الجرائم التي اقترفت بحق المدنيين في الحروب التي شنتها حكومته، خصوصا في غزة، مثار انتقاد دولي واسع، لم تشهد إسرائيل بحدته من قبل.
في ٢٦ نيسان ٢٠٢٦، أعلن رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد تشكيل تحالف سياسي جديد بين حزبيهما «يش عتيد» و»بينيت ٢٠٢٦»، تحت اسم «معاً»، استعدادا لخوض انتخابات الكنيست المقبلة. ولا يعد ذلك التحالف بينهما الأول، فقد تحالفا في العام ٢٠٢١، وشكلا «حكومة التغيير»، التي أنهت ١٢ عاماً من احتكار نتنياهو لرئاسة الوزراء. في ذلك العام، لعب الفلسطينيون دوراً محورياً في مساعدة تحالف بينيت – لابيد لهزيمة نتنياهو. فقد جرى ضم «القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس، لكن دون حصولها على حقائب وزارية، وكان حزب عباس بذلك أول حزب فلسطيني ينضم لحكومة إسرائيلية. ويستبعد حالياً كل من لابيد وبينيت ضم فلسطينيين لقائمتهما المشتركة. إلا أن ذلك لا يلغي الدور الفلسطيني المهم في الانتخابات القادمة للإطاحة بنتنياهو وحكومته. وتتأرجح نتائج استطلاعات الرأي في إسرائيل بعد ظهور قائمة (معا) بينها وبين قائمة «الليكود»، وهو ما يجعل مصير نتنياهو على المحك. يتفق بينيت اليميني ولابيد من أحزاب الوسط حول عدد من المواقف السياسية على رأسها معارضة إقامة دولة فلسطينية، رغم تذبذب مواقف الثاني من ذلك خصوصا بعد الحرب على غزة، ودعم قانون التجنيد العسكري الإلزامي للجميع، وتشكيل لجنة تحقيق حكومية في أحداث ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، وإلغاء قوانين الإصلاح القضائي. ورغم اعتراض الرجلين على سياسة نتنياهو تجاه الحرب مع إيران، إلا أنهما لم يحسما موقفيهما من استمرار سياسة الحروب عموما. ويتطلع تحالف «معا» لضم حزب «ياشار» برئاسة غادي أيزنكوت الوسطي التوجه أيضاً لتحالفهما، وإن لم يحسم الأخير موقفه بعد، لكن في حال حدوث ذلك سيتعزز الموقف الوسطي في الائتلاف. بالمقابل، شنت حكومة نتنياهو اليمينية الحالية الحرب على غزة، ولبنان، وإيران، وقادت سياسة متشددة للتوسع الاستيطاني، في مناطق تعدت المنطقة «ج» في الضفة الغربية، وشنت حملة تسليح للمستوطنين، وقادت حملة من الاعتداءات المستمرة والمتصاعدة على المدنيين الفلسطينيين العزل في الضفة الغربية، وشجعت هجمات المستوطنين عليهم أيضاً. إن المساهمة في إسقاط حكومة نتنياهو الحالية باتت ضرورة وحاجة فلسطينية، والصوت العربي يعد قوة مهمة لتحقيق ذلك الهدف.
في نظام سياسي يُعد فيه كل صوت مصيرياً، لا بد للفلسطينيين في أراضي الـ٤٨ أن يعيدوا حساب أهمية أصواتهم في الانتخابات، ليس فقط لأهمية ذلك في الضغط على سياسات الحكومة لتحقيق مصالحهم، في منطقة يشكلون فيها الأقلية الأكبر، والتي تتعدى نسبة خمس السكان، وإنما أيضاً لأنهم قد يشكلون عامل ضغط في سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومستقبل القضية الفلسطينية تدريجياً. تُعد إسرائيل من أكثر الأنظمة البرلمانية هشاشة من ناحية الاستقرار الحكومي، بسبب طبيعة النظام الانتخابي، الذي يعتمد التمثيل النسبي الكامل، في دائرة انتخابية وطنية واحدة، ونسبة حسم منخفضة نسبياً ٣.٢٥%، ما يؤدي إلى وجود عدد كبير من الأحزاب داخل الكنيست، وتشكيل الحكومات على أساس ائتلافات متعددة الأحزاب، تعطي مكانة للأحزاب الصغيرة، في ظل انقسامات بنيوية داخل المجتمع، تتراوح بين الديني والعلماني واليهودي الشرقي والغربي، واليهودي وغير اليهودي. ويفسر ذلك إمكانية إسقاط الحكومة إذا انسحبت أحد تلك الأحزاب الصغيرة من الائتلاف الحكام، التي غالباً ما تتشكل بأغلبية بسيطة.
تُشير استطلاعات الرأي الحالية إلى تمثيل الأحزاب الفلسطينية بنحو ١٠ مقاعد فقط، بعد خروج حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» من المنافسة. إلا أن قائمة انتخابية عربية موحدة قد تُغير المشهد. وترتبط وحدة الأحزاب الفلسطينية في أراضي الـ٤٨ بارتفاع نسبة المشاركة الشعبية الفلسطينية في الانتخابات، كما ظهر ذلك جلياً في العام ٢٠١٥، حيث حصدت «القائمة المشتركة» ١٣ مقعداً، وارتفع عدد مقاعد تلك القائمة إلى ١٥ مقعداً في العام ٢٠٢٠. ويبدو أن التوجه يميل حالياً لتشكيل قائمة مشتركة، من الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل. فبعد تظاهرة حاشدة وإضراب واسع شهدته سخنين مطلع العام الجاري، بسبب انتشار الجريمة والقتل في المجتمع الفلسطيني بشكل واسع، في ظل تغافل وتواطؤ الحكومة والشرطة الإسرائيلية، عبر الفلسطينيون، بأغلبية واسعة عن رغبتهم بخوض أحزابهم للانتخابات التشريعية الإسرائيلية بقائمة مشتركة. وبالفعل وقّعت الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل، في تلك المناسبة، تعهداً لعودة القائمة المشتركة، ممثلة برئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة، ورئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة أيمن عودة، ورئيس الحركة العربية للتغيير أحمد الطيبي، ورئيس القائمة الموحدة منصور عباس. ويشكل ذلك، إن تكرر الآن ثقلاً انتخابياً فلسطينياً، في ظل تراجع الواقع الانتخابي لنتنياهو وتحالفه اليميني. لا تزال المعركة الانتخابية في بداياتها، وقد تعود حالة عدم الاستقرار التي سادت ما بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٢، والتي شهدت 5 انتخابات تشريعية، إلا أن التماسك الفلسطيني، في ظل تلك العثرات الانتخابية يعد ورقة قوة في أيدي الفلسطينيين.
عن صحيفة الايام