الرئيسية زوايا أقلام واراء النكبة الفلسطينية الجديدة… حين يصبح الخوف على المعنى لا على الأرض .....

النكبة الفلسطينية الجديدة… حين يصبح الخوف على المعنى لا على الأرض .. بقلم : د. ديمة فايق أبو لطيفة

قبل أسابيع، كان طالب جامعي في رام الله يقول لي: “نحن لا نخاف فقط من الحرب، بل من أن نصبح غير قادرين على تخيل المستقبل أصلا”. ربما تختصر هذه الجملة قلقا عميقا في المزاج الفلسطيني اليوم.

ففي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، لا يبدو الفلسطيني مثقلا بالخوف على الأرض وحدها، بل بالخوف على المعنى نفسه.

الخوف على الحكاية التي نجت من الاقتلاع أكثر مما نجت من عثرات الزمن، وعلى الفكرة الوطنية التي أبقت الفلسطيني واقفاً رغم الهزائم والحصار والانقسام، وعلى ذلك الخيط الخفي الذي جعل شعباً موزعاً بين المنافي والمخيمات والحدود يشعر طوال عقود، أنه ما زال شعباً واحداً يمتلك قضية واحدة ومستقبلاً واحداً.

ربما لهذا تبدو النكبة هذا العام أكثر قسوة من ذي قبل. ليس فقط بسبب ما تفعله إسرائيل على الأرض بوتيرة غير مسبوقة، بل لأن الفلسطيني بات يشعر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن الخطر لم يعد يهدد الجغرافيا وحدها، بل يقترب أيضاً من البوصلة الوطنية نفسها.

هناك سؤال صامت يتردد اليوم في الشارع الفلسطيني بصيغ مختلفة، لكنه يحمل المعنى ذاته دائماً: إلى أين نمضي؟

هذا السؤال لم يعد يطرح فقط في جلسات السياسة أو مقالات المثقفين، بل أصبح يُرى في وجوه الشباب، وفي المزاج العام داخل المخيمات والجامعات والبيوت الفلسطينية. جيل كامل ولد بعد أوسلو، وكبر في ظل الانقسام، وشاهد المشروع الوطني يتآكل تدريجياً أمام عينيه، دون أن يفقد رغم ذلك انتماءه العميق لفلسطين.

وهذا الجيل تحديداً هو أول جيل فلسطيني ينشأ بالكامل تقريباً في ظل سلطة وطنية منقسمة، لا في ظل مشروع تحرر صاعد كما كان الحال لدى الأجيال السابقة.

فمنذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، عاش الشباب الفلسطيني تحولات سياسية واقتصادية عميقة انعكست بشكل مباشر على مستوى الثقة بالعمل السياسي. وتشير استطلاعات رأي متكررة أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع واضح في ثقة الشباب بالأحزاب التقليدية وبقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تمثيل تطلعاتهم أو إنتاج أفق سياسي حقيقي.

وهنا تحديداً تصبح المصارحة ضرورة وطنية أكثر من كونها ترفاً فكرياً. فلا يمكن الحديث عن أزمة الفلسطيني اليوم دون التوقف أمام حركة فتح، باعتبارها الحركة التي لعبت الدور الأكبر في تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وفي إعادة تعريف الفلسطيني لنفسه بعد النكبة بوصفه شعباً يقاوم لا مجرد ضحية تبحث عن طوق نجاة.

ومن الظلم اختزال فتح في صورتها الراهنة فقط، لأنه وباختصار شديد لم تكن الحركة مجرد تنظيم سياسي عابر، بل لحظة تاريخية كاملة أعادت للفلسطيني ثقته بنفسه وبقضيته وبحضوره في العالم.

وحين رفع الفلسطيني الكوفية والعلم والبندقية في أصعب المراحل، لم تكن تلك مجرد رموز سياسية، بل تعبير حقيقي عن استعادة الكرامة الوطنية بعد شعور طويل بالضياع والتهميش.

وربما لهذا يبدو النقاش حول فتح شديد الحساسية لدى كثيرين، بمن فيهم أشخاص نشأوا من البداية داخل هذا الإرث السياسي لأنهم لا يشعرون أنهم يناقشون حزباً سياسياً فقط، بل يناقشون جزءاً من ذاكرتهم الشخصية والعاطفية أيضاً.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول احترام التاريخ إلى خوف من مراجعة الحاضر. فأزمات الحركات الوطنية لا تبدأ عادة حين تفقد شعاراتها، بل حين تفقد قدرتها على قراءة التحولات العميقة داخل مجتمعها.

والحقيقة أن الفلسطيني تغيّر كثيراً خلال العقود الأخيرة. نعم، تغيّرت أدوات الوعي، وتغيّرت صورة السياسة. وتغيّر جتى شكل العلاقة بين الناس والسلطة والخطاب والإعلام وحتى فكرة الوطنية نفسها.

جيل الثورة لم يعد هو الجيل الذي يعيش اليوم. وجيل ما بعد أوسلو لم يعش لحظة الصعود الوطني الكبرى، بل عاش سنوات الانقسام والتسويات المتعثرة والتراجع الطويل في الثقة بالسياسة كلها.

وهو جيل لم يعد يكتفي بالشعارات الكبرى وحدها، ولا يشعر أن الرمزية الوطنية، رغم أهميتها، تكفي وحدها للإجابة عن أسئلته الثقيلة المتعلقة بالمستقبل والحياة والكرامة والجدوى.

المشكلة هنا ليست أن الفلسطيني فقد انتماءه الوطني، بل ربما العكس تماماً. فكثير من الفلسطينيين يشعرون اليوم بقلق عميق على المشروع الوطني نفسه، وعلى قدرة النظام السياسي الفلسطيني على الاستمرار بوصفه مشروع تحرر، لا مجرد إدارة يومية لأزمة مفتوحة بلا أفق واضح.

وفي استطلاعات رأي متكررة خلال الأعوام الأخيرة، بدت أزمة الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فقد أظهرت نتائج للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2024 أن أكثر من 60% من الفلسطينيين باتوا يؤيدون حلّ السلطة الفلسطينية أو يرون أن النظام السياسي يعيش أزمة شرعية وتمثيل عميقة، وهو ما يعكس شعور متزايد بانسداد الأفق الوطني والسياسي، لا مجرد تراجع عابر في شعبية الحكومات أو الفصائل.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية داخل حركة فتح نفسها:

هل ما زالت الحركة تسمع ما يقوله الفلسطينيون بصمت؟

ذلك الإحباط الصامت داخل المخيمات والجامعات والبيوت الفلسطينية؟

وهل تدرك أن الفجوة الحقيقية اليوم لم تعد فجوة تنظيمية أو انتخابية فقط، بل فجوة ثقة تتسع تدريجياً بين الشارع والخطاب السياسي التقليدي كله؟

وربما تكشف نسب المشاركة المتراجعة في الحياة السياسية والنقابية داخل الجامعات الفلسطينية جانبا من هذه الأزمة. ففي أكثر من انتخابات طلابية خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحا أن كثيرا من الشباب لم يعودوا يرون في الأطر السياسية التقليدية ما يشبههم فعلا أو يعبر عن أسئلتهم الجديدة.

ومع ذلك، فهذا الافتراق لم يُلغِ حضورهم الوطني أو اهتمامهم بالقضايا العامة، بقدر ما كشف حجم المسافة التي تتسع تدريجيا بين الجيل الجديد والخطاب السياسي التقليدي.

إذن المشكلة لم تعد أن الفلسطيني يختلف مع قيادته سياسياً، بل أن كثيرين باتوا يشعرون أن السياسة الفلسطينية نفسها لم تعد تملك تصور واضح للمستقبل.

وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة تحرر وطني. لأن الحركات الوطنية لا تضعف فقط حين تُهزم سياسياً، بل حين تفقد قدرتها على إقناع الجيل الجديد بأن المستقبل ما زال ممكناً.

ولعل هذا ما يجعل المؤتمر الثامن لحركة فتح يتجاوز كونه محطة تنظيمية داخلية. فالقضية اليوم لا تتعلق فقط بإعادة ترتيب المواقع أو إنتاج التوازنات التقليدية داخل الحركة، بل بسؤال أعمق بكثير يتعلق بقدرة فتح على تجديد معناها السياسي أمام جيل مختلف الى حد كبير عن ذلك الجيل الذي صنعت معه تاريخها الأول.

فالشرعية التاريخية مهما كانت عظيمة، لا تستطيع وحدها أن تحمل مشروع وطني إلى المستقبل إذا لم تتجدد بشرعية الأداء والكفاءة والمشاركة واحترام وعي الناس.

وقد شهدت حركات تحرر وطنية عديدة حول العالم أزمات مشابهة حين واجهت انتقالاً صعباً بين شرعية التاريخ وشرعية الحاضر. فحركات مثل المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، أو جبهة التحرير الوطني في الجزائر، واجهت بدورها أسئلة معقدة تتعلق بقدرتها على تجديد خطابها السياسي بعد عقود من قيادة النضال الوطني.

وهو ما يجعل السؤال الفلسطيني اليوم جزء أصيل من ظاهرة سياسية أوسع تواجهها حركات التحرر حين تنتقل من مرحلة الثورة إلى مرحلة إدارة المجتمع والدولة والواقع اليومي المعقد.

الفلسطيني اليوم لا يريد فقط أن يسمع عن التضحيات الماضية، رغم قدسيتها، بل يريد أن يعرف أيضاً:

كيف سنواجه ما هو قادم؟

كيف سنمنح هذا الجيل سبباً جديداً للإيمان بأن السياسة الوطنية ما زالت قادرة على إنتاج الأمل؟

وربما تكمن خطورة اللحظة الحالية في أن الفلسطيني بات يشعر أحياناً أن الزمن السياسي الفلسطيني يتحرك في دائرة مغلقة؛ إدارة مستمرة للأزمات، وخطابات متكررة، وانقسامات تتآكل ببطء داخل الوعي الجمعي، بينما تتغير المنطقة والعالم وأدوات الصراع بسرعة هائلة.

خلال السنوات القليلة الماضية، تغيّر شكل الصراع بسرعة لم يعتدها الفلسطينيون من قبل. لم تعد المواجهة تجري فقط على الأرض، بل أيضا على الشاشات ومنصات التواصل التي أصبحت قادرة على تشكيل المزاج العام والرأي العالمي خلال ساعات. وفي الوقت نفسه، جاءت التحولات الإقليمية واتفاقيات التطبيع، ثم الحرب الحالية على غزة، لتضع الفلسطيني أمام واقع سياسي مختلف تماما.

صحيح أن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة العالم، لكنها كشفت أيضا حجم الهشاشة الداخلية الفلسطينية، وعجز النظام السياسي عن مواكبة كل هذه التحولات المتسارعة.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن فعله الآن ليس الاعتراف بالأزمة، بل التعايش معها باعتبارها قدر الفلسطينيين الدائم.

فالشعوب لا يمكن ان تبني مستقبلها بالإنكار، لكنها لا تبنيه أيضاً بتحطيم ذاكرتها الوطنية أو السخرية من تاريخها. وما يحتاجه الفلسطيني اليوم ليس جلد الذات الجماعي، ولا المزيد من الخطابات الغاضبة، بل شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بأن المشروع الوطني الفلسطيني يقف أمام لحظة مراجعة حقيقية، لا لحظة تجميل لغوي أو إعادة تدوير للشعارات.

فالناس  تعبت حقيقة من الغموض السياسي، ومع ذلك ما زالت تريد فتح قوية بثقة الناس لا بثقل التاريخ وحده. وتريد نظام سياسي يشعر الفلسطيني داخله بأنه شريك في القرار لا مجرد متلقي للخطاب. وتريد مشروع وطني يفتح باب المستقبل، لا مشروعا يعيش فقط على استحضار صور الماضي.

ولهذا ربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم:

كيف نحافظ على شرعية الشعار؟

بل:هل نمتلك الشجاعة الكافية للانتقال إلى شرعية الوعي… قبل أن يصبح الوقت متأخراً أكثر مما ينبغي؟

أستاذ الفكر الإسلامي والأيديولوجيات المعاصرة- جامعة الاستقلال / فلسطين

Exit mobile version