الرئيسية زوايا أقلام واراء التعليم في زمن الانكسار: تأملات في تعلم الكبار فلسطينياً بقلم :...

التعليم في زمن الانكسار: تأملات في تعلم الكبار فلسطينياً بقلم : نسيم قبها

 

إن تعلم وتعليم الكبار في فلسطين ليس ذلك الفعل التقني المجرد الذي يهدف إلى اكتساب مهارة أو شهادة. إنه كما يجب أن يكون في جوهره الأعمق، إعلان وجودٍ لشخص بالغ راشد أراد الاحتلال أن يجعله هامشياً في ذاته ثانويا لغيره ، ومعركة وجودية لاستعادة الإنسانية بعد أن جُرّد منها ماديا .

نحن وفي هذه البقعة الجريحة، يجب أن نعلّم الكبار وهم يحملون على أكتافهم سنين من البارود ، عقوداً من الانكسار، وذاكرةً قصيرة طويلة من القهر، وخبراتٍ أفقدتهم الثقة بقدرتهم على التعلّم جرّاء ضغط الواقع . لكن علينا الإيمان بأن تعلم و تعليم الكبار الحقيقي ليس تكييفاً مع واقعهم المُهمّش، بل هو بالضرورة انتفاضة صامتة على منطق أن “العمر فات” أو أن “التعليم للأطفال”. إنه أن نعلّم الأب الخمسيني واليافع الطريّ أن يقرأ ذاته ، ويعرف إمكاناته ، ويحسب وهو يتذكر المدرسة التي هُجّر منها ، والتي قصفت بقنابل غير متعلمة ، وأن تتعلم الأم وهي ترى في الكتاب فاتحة الطريق لاستعادة كرامة لم تختبر طعمها يوماً.

ما يجب أن يكون عليه تعلم وتعليم الكبار الفلسطيني اليوم في هذا الظرف السياسي-الاجتماعي الاستثنائي، تعلم وتعليم الكبار هو مشروع استعادة الذات الضائعة في ورش الموت والإغلاقات : استعادة الزمن الفلسطيني الذي سرقه الاحتلال منهم. فالكبار الفلسطينيون عاشوا تجزئة قسرية لأزمنتهم: “ما قبل النكبة” في ذاكرة كبار السن، “ما بعد اتفاقيات الحبر على الورق ” في خيبة أبناء الأربعينات، “ما بعد السابع من أكتوبر” في حصار جديد. تعليم الكبار والراشدين المضاد يرفض هذا التقطيع، ويساعد المتعلم في إعادة ربط شتات حياته في سردية واحدة: “أنا لم أتقاعد من الحياة، بل أنا في طور التكوين الدائم”.

لماذا نتعلم في سن الخمسين؟

حين ترى عامل بناء في جنين يبلغ السابعة والخمسين يجلس بجوار حفيده ليتعلم فتح تطبيق على جواله لمتابعة الخبر الذي لا ينتهي ، أو سيدة في غزة تتعلم القراءة تحت خيمة بعد أن فقدت بيتها وعامودين من صلبها ، يصبح السؤال الفلسفي الأعمق: لماذا نتعلم الآن؟ الإجابة الفلسطينية الأعمق: لأن التعلّم في سن النضج هو الشكل الأسمى لمقاومة محو الذات. ليس لأنه يوفر وظيفة فقط، بل لأنه يعيد خلق استدامة الإنسان الذي أراد الاحتلال أن يجعله مجرد رقم في إحصاء الفقراء والمغلقين.

تعلم وتعليم الكبار يجب أن يكون فلسفياً بامتياز: تعليماً للدهشة في عثرات اليافعين ، وبعد سن اليأس، وما بينهما ، وذلك لاستعادة القدرة على التساؤل في مجتمع يخبر الكبير أن “وقته انتهى” والراشد بأنه مازال غضا . تعليماً للجمال كفعل مقاومة، نُدرّس فيه المرأة النازحة أن تطرز اسم مدرستها الجديد على ثوبها، والأسير المحرر أن يكتب شعره، كفعل وجودي يعيد تعريف النجاح ليس بالشهادة الجامعية، بل بإصرار الروح على الازدهار في غير موسمها.

معلم الكبار الفلسطيني

يجب أن يقف معلم الكبار الفلسطيني في موقع الحكيم والصديق والمعالج النفسي معاً. يحمل في حقيبته كتاب وسؤال وقليل من الأجوبة ، ونصوص محمود درويش وفكرة كيف يمضي الوقت وأنا فيه ، عليه أن يدرك أن ما يفعله يتجاوز المنهاج والمقررات الجاهزة . هو يعيد باستمرار اكتشاف معنى الصبر: يعلم أن طالبته الخمسينية وطالبه الذي ينتصف العقد الثاني تجمعهما رؤى واحدة ( أن يبصروا المستقبل) ، وهذا يعني أنه في كل كلمة يتعلمانها ، هي حجر في بناء وطن لا يستطيع الاحتلال هدمه.

هذا المعلم يدرك أن جمهوره ليس كالأطفال – إنه جمهور مجروح، خائف، لكنه شغوف بطريقته الخاصة. فيتعامل مع الخوف بفهم، وليس بتوبيخ ما . يعيد بناء الثقة قبل بناء المهارات. كما يقول الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ: “الأمل ليس ثقة بالنجاح، بل هو حقيقة كونية لا تقهر.”

إذن تعلم وتعليم الكبار في فلسطين ليس ترفاً إنسانياً ولا مشروعاً تنموياً بالمعنى البرجوازي. إنه البوصلة الأخيرة التي يجب أن تكون لمن ظن أنه فقد طريقه، والطريق الوحيد ليجعل شعباً مشتتاً يمتلك وطناً لا يمكن مصادرته: وطن الكرامة المتجددة. والحرية الحقيقية تبدأ حين يستطيع الفلسطيني بعد الخمسين وقبلها أن يقول: “أنا أتعلّم، إذن أنا لم أمت بعد”، رغم كل من أراد أن يدفنه حياً في قبر التهميش والإهمال. هذا هو معنى تعلم وتعليم الكبار في زمن الانكسار.

Exit mobile version