بقلم: اللواء عاموس يدلين ود. أفنر غولوب/ زرنا واشنطن، الأسبوع الماضي. على الرغم من انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران إلا أن اهتماما كبيرا في العاصمة الأميركية انصبّ على الاستعدادات لاجتماع الرئيس دونالد ترامب مع نظيره الصيني، شي جين بينغ، وهو اجتماع يُجسّد التنافس الاستراتيجي على الهيمنة العالمية في القرن الحادي والعشرين بين واشنطن وبكين، والذي يتمحور حول العلاقات التجارية والتنافس التكنولوجي بين البلدين. ومن بين القضايا الأخرى التي طُرحت في محادثات واشنطن مع حلفاء إسرائيل المقربين: تفاقم أزمة الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. فهذه جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانفصالي في الحزب الجمهوري. وكلما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة.
لا تقف هذه التطورات الثلاثة بمعزل عن بعضها، بل تُشير إلى حاجة ماسة وعاجلة إلى خطوة استراتيجية جديدة: تطوير وتغيير نموذج العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. يمثل هذا تحولاً من نموذج الرعاية – دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات – إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين. ولهذا السبب، أطلقنا مبادرة في واشنطن، بالتعاون مع أكثر من 50 مسؤولاً رفيع المستوى من إسرائيل والولايات المتحدة، لإقامة تحالف تكنولوجي بين البلدين، من شأنه أن يوفر استجابة للتحدي الإسرائيلي ويرتقي بالعلاقات مع أهم شريك لإسرائيل.
لعقود، استند التحالف بين البلدين إلى المبادئ التالية: تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات اقتصادية وأمنية لتقويتها في مواجهة مختلف التهديدات المحيطة بها، ولتمكينها من خوض المخاطر في إطار العمليات الدبلوماسية. في العقود الأخيرة، اختُزل هذا النموذج بالكامل تقريباً إلى مساعدات أمنية بقيمة 3.3 مليار دولار سنوياً، ودعم أميركي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كان هذا نموذجاً مناسباً لزمن كانت فيه إسرائيل دولة محاطة بالأعداء، وتواجه صعوبة في تحمل العبء الاقتصادي والأمني بمفردها.
لقد أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية القدس حليفاً أمنياً لواشنطن: فقد قدمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكا استراتيجيا يقاتل، مُظهرا أداء مذهلا، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. تساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ مسؤولا واحدا إلا أبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردد تعريف «البنتاغون» لإسرائيل: «حليف يُحتذى به».
لكن خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترامب، تتشكل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين في الولايات المتحدة، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية. حتى المسؤولون الأميركيون الذين يُدركون أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين.
لهذا السبب تحديدا، يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساسا على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين. تحتاج القدس إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة – إسرائيل والولايات المتحدة 2.0: لا يقتصر على تلقي المساعدات بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا؛ ولا يقتصر على الدبابات والطائرات، بل يشمل أيضا الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء).
الفرصة سانحة لتحقيق ذلك. من المتوقع أن تنتهي مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية في العام 2028. وقد أعلن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، سابقا – وكرر ذلك هذا الأسبوع – أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد. لكن بعد الحرب ضد إيران، وبالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزا لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام.
لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترامب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا للولايات المتحدة عندما خاضت طائرات «إف-35» و»إف-15»، التي تم شراؤها بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، جنبا إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيدا عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقا لتقديراتنا في «مايند إسرائيل»، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. في الواقع، حتى في النموذج الحالي لا يتعلق الأمر كثيرا بـ»مساعدة إسرائيل» بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة.
لهذا السبب أطلقنا، هذا الأسبوع، في واشنطن مبادرة مشتركة مع معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه الراحل هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، إريك شميدت. تدعو المبادرة إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق. أما على الصعيد الأمني، فيعني ذلك استثمارا مشتركا في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج «القبة الذهبية» الدفاعي الأميركي.
على الصعيد المدني، يتضمن ذلك تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنويا لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل. هذا ليس مجرد نفقة، بل استثمار سيجذب رؤوس أموال خاصة ضخمة، ويعزز التفوق التكنولوجي للبلدين، ويحقق عائدا استراتيجيا واقتصاديا كبيرا، يتجاوز بكثير العائد الحالي للمساعدات الأمنية وحدها.
تشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حاليا في تايوان فقط، وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني من خلال الذكاء الاصطناعي، وجهودا مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة، وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذا كبيرا على الساحة العالمية.
كما يضطلع اليهود الأميركيون بدور محوري في هذه الخطوة. يتجاوز الأمر مجرد الاستثمار في مشروع يعود بالنفع على كلا البلدين، فهو يتعلق بخلق رؤية مشتركة جديدة لليهود الإسرائيليين والأميركيين؛ رؤية «إصلاح العالم» من خلال الابتكار والتكنولوجيا الإسرائيلية. لم يعد الخطاب مقتصراً على التهديدات والحروب فحسب، بل يشمل أيضاً الإبداع والعلوم وبناء مستقبل مشترك.
تناولت مذكرة التفاهم الموقعة في العام 2006 موضوع الطائرات. أما مذكرة التفاهم التالية، فينبغي أن تتناول الذكاء الاصطناعي. هذه الخطوة كفيلة بإعادة ترسيخ المصالح المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ووضع القدس إلى جانب واشنطن في الصراع التكنولوجي مع الصين، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الحكومات والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. هذا ليس مجرد تكيف مع تحديات القرن الحادي والعشرين، بل تكيف مع مكانة إسرائيل في هذا القرن.
عن «N12»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* يدلين هو الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات الإسرائيلية ورئيس ومؤسس منظمة «مايند إسرائيل». وغولوب، المسؤول السابق عن ملف الولايات المتحدة في جهاز المخابرات الوطنية.
