لا شك أن زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى الصين مؤخراً شكلت عاملاً هاماً في القرار الروسي بالرد الحاسم على القصف الأوكراني للعمق الروسي. 600 مسيرة و90 صاروخا بينها صاروخ “أوريشنيك” فرط الصوتي القادر على حمل رأس نووي. مجموعة السلاح المستخدمة في هجوم ليلة واحدة، أعلنت عبره موسكو أن المعادلة في أوكرانيا اختلفت.
في مفردات السياق العام للقرار الروسي، دعم متجدد من العملاق الصيني لموسكو، حمله بوتين عائداً من زيارة استراتيجية وهامة قام بها إلى بكين، فالزيارة حملت دلالات تتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي بين البلدين، إذ عكست رغبة روسية – صينية واضحة في إظهار أن موسكو ليست معزولة دولياً، وأن لديها شريكاً استراتيجياً قادراً على توفير غطاء سياسي واقتصادي في مواجهة الضغوط الغربية.
خلال اللقاءات الروسية ـ الصينية، برز الحديث عن “عالم متعدد الأقطاب” ورفض “الهيمنة الغربية”، وهي عبارات أصبحت جزءاً ثابتاً من الخطاب المشترك بين موسكو وبكين منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. كما أكدت الزيارة أن الصين، رغم حرصها على عدم الانخراط العسكري المباشر، لا تزال ترى في إضعاف روسيا خطراً استراتيجياً قد يعزز النفوذ الأمريكي في آسيا وأوروبا معاً.
في تفاصيل الهجوم الروسي رسائل متعددة المستويات، إحداها موجهة إلى أوروبا التي دقت ناقوس الخطر لورود اسم صاروخ “أوريشنيك” في سياق المعركة، للمرة الثالثة خلال أربعة أعوام وعدة أشهر. في جميع المرات التي استخدمت فيها موسكو هذا الصاروخ كان الأمر أبعد من مجرد هجوم تدميري واسع. الاستخدام الأول حمل الرسائل الأبلغ. استخدمه الجيش الروسي ضد مدينة دنيبرو الأوكرانية، رداً على سماح الولايات المتحدة وبريطانيا لأوكرانيا باستخدام صواريخ غربية بعيدة المدى لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، بحسب ما أكد الرئيس الروسي نفسه. يومها قرأ العديد من المحللين أن استخدام هذا النوع من الصواريخ كان بهدف توجيه رسالة للغرب بأن روسيا مستعدة لاستخدام أسلحة أكثر تطوراً، وتخويف أوكرانيا وحلفائها من استمرار تزويد كييف بأسلحة بعيدة المدى، وإظهار أن روسيا تستطيع تجاوز الدفاعات الجوية الغربية.
الهجوم الروسي الجديد وُصف بالأعنف منذ بدء الحرب في شباط/ فبراير عام 2022، وجاء رداً على ضربات أوكرانية مؤلمة في العمق الروسي. أهميته تنبع من كونه جزءاً من حملة تصعيد أكبر أعلنت عنها موسكو، تضمنت تأكيداً أن قواتها ستهاجم مراكز صنع القرار وقيادة العمليات في أوكرانيا، وتحذيراً للبعثات الديبلوماسية الأجنبية في كييف بضرورة مغادرتها، وهو ما يشير إلى عزم روسي فعلي لنقل المعركة إلى مستوى مختلف من الردع الاستراتيجي الروسي، بما يفرض نفسه على المسار التفاوضي الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
استشعرت واشنطن منذ مدة أن الخطر كبير في انزلاق الحرب إلى مواجهة أوسع مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، تؤثر على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، فتحركت عبر قنوات دبلوماسية متعددة لمحاولة تثبيت تهدئة جزئية أو فتح باب لمفاوضات أمنية، وربما تشكل هذه المفاوضات جزءاً مهماً من الرسالة المزدوجة التي أرادت موسكو إيصالها عبر التصعيد الجديد: الأولى إلى كييف وحلفائها بأن روسيا لا تزال قادرة على فرض إيقاع عسكري تصاعدي رغم العقوبات الغربية، والثانية إلى واشنطن بأن أي وساطة أمريكية يجب أن تنطلق من الاعتراف بالوقائع الميدانية الجديدة التي فرضتها القوات الروسية خلال العامين الماضيين.
في هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الروسي الجديد من زاوية اقتراب الحل، ولكن أي حل، فالهجوم المستمر قد يكون جزءاً من عملية تفاوض غير مباشرة تثبت فيها القوة المهاجمة شروطها وقدراتها بالنار في ميدان المعركة. ففي الحروب الكبرى كثيراً ما تستخدم العمليات العسكرية المكثفة لتحسين الشروط السياسية قبل أي مفاوضات محتملة. ولذلك فإن تكثيف الضربات الروسية تزامناً مع الوساطة الأمريكية قد يكون محاولة لرفع سقف المطالب الروسية وإجبار الغرب على التعامل مع موسكو باعتبارها طرفاً يمتلك زمام المبادرة ميدانياً.
في المقابل، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقدة: فهي من جهة تريد الاستمرار في دعم أوكرانيا ومنع تحقيق انتصار روسي حاسم، لكنها من جهة أخرى تسعى لتجنب انفجار أوسع قد يجر أوروبا وحلف الناتو إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. وهنا تبرز أهمية الدور الصيني، إذ تدرك واشنطن أن بكين أصبحت عاملاً مؤثراً في قدرة موسكو على الصمود اقتصادياً وسياسياً، وهما الساحتان اللتان تحتاج موسكو فيهما أن يكون لها ظهر تستند عليه، بالنظر إلى قدراتها العسكرية الكبيرة، وسرعة تصنيعها للأسلحة السريعة والرخيصة، خاصة القذائف والطائرات المسيّرة والصواريخ التكتيكية، وهو ما يفوق بكثير ما تنتجه الدول الأوروبية حالياً رغم تحسُّن سرعة إنتاجها مؤخراً، وما تنتجه الولايات المتحدة التي تتفوق في التكنولوجيا والدقة والقدرات الصناعية طويلة المدى، لكنها أبطأ في التحول إلى اقتصاد حرب شامل.
في الخلاصة النهائية، فإن تداخل التصعيد العسكري مع التحركات الدبلوماسية في الآونة الأخيرة أظهر بوضوح أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى ساحة لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية. فروسيا تستخدم القوة العسكرية لتأكيد حضورها الاستراتيجي، والولايات المتحدة تحاول إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب مباشرة، بينما تستثمر الصين في تعزيز شراكتها مع موسكو ضمن رؤية أوسع لمواجهة النفوذ الغربي عموماً. وبين هذه الأطراف الثلاثة، تبقى أوكرانيا أحد أكثر ساحات المواجهة سخونة في النظام الدولي الجديد، الذي يتشكل تحت ضغط الحرب والتنافس الجيوسياسي المتصاعد.
