الرئيسية الاخبار مخاوف من تقويض اتفاق غزة: هل يسعى نتنياهو لفرض واقع ميداني جديد؟

مخاوف من تقويض اتفاق غزة: هل يسعى نتنياهو لفرض واقع ميداني جديد؟

 

تتصاعد المؤشرات الميدانية في قطاع غزة لتعكس توجهاً إسرائيلياً يعاكس مسار التهدئة المفترض، حيث تتوسع الخروقات وتتقدم السيطرة على الأرض بدلاً من الانتقال إلى مراحل إنهاء الحرب. ويرى مراقبون أن هذه التحركات تمثل محاولة ممنهجة لإفراغ الاتفاق من مضمونه وإعادة توظيفه لتحقيق أهداف عسكرية فشلت تل أبيب في إنجازها خلال العمليات المكثفة.

واتهمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الجانب الإسرائيلي بإزاحة ما يُعرف بـ’الخط الأصفر’ نحو الغرب، بالتزامن مع استمرار عمليات القصف ومنع وصول المساعدات الحيوية. وتطرح هذه الوقائع تساؤلات جدية حول مصير الاتفاق، وما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تتجه لإعادة صياغة التهدئة وفق شروطها الخاصة بعيداً عن الالتزامات الأصلية.

ويبدو أن جوهر الخلاف الراهن تجاوز التفاصيل الإجرائية ليطال طبيعة الاتفاق نفسه، إذ تتصرف إسرائيل كأنها في سباق مع الزمن لتوسيع نفوذها الجغرافي داخل القطاع. فبينما يُنتظر من المرحلة الأولى تخفيف الكارثة الإنسانية، يتم التركيز إسرائيلياً على فرض وقائع ميدانية تصعب أي استحقاق سياسي ملزم في المستقبل.

وفي هذا السياق، تشير قراءات سياسية إلى أن المشكلة لا تكمن في خروقات متفرقة، بل في نهج متكامل يهدف لتعطيل قدرة غزة على التقاط أنفاسها. ويشمل هذا النهج عرقلة البروتوكول الإنساني ومنع جهود إعادة الإعمار، مما يبقي القطاع في حالة استنزاف دائم تُستخدم كوارقة ضغط في المفاوضات.

وتسعى تل أبيب حالياً لحصر النقاش في قضية سلاح المقاومة، محولةً مركز ثقل الاتفاق من وقف الحرب وإنهاء المعاناة الإنسانية إلى ملفات أمنية معقدة. هذا التحول الجوهري يخدم الأجندة الإسرائيلية بالدرجة الأولى، ويجعل من تنفيذ البنود الأخرى أمراً ثانوياً في حسابات حكومة نتنياهو.

من جهتها، ترى الفصائل الفلسطينية أن هذه المقاربة تتسم بانتقائية واضحة، حيث يتم تجاهل البنود الملزمة بالانسحاب ورفع الحصار مقابل التمسك بما يخدم المصالح الإستراتيجية للاحتلال. وبناءً على ذلك، يتحول الاتفاق في المنظور الفلسطيني إلى أداة لتحقيق نتائج الحرب بدلاً من أن يكون إطاراً شاملاً لإنهائها.

وتتعاظم المخاوف مع التصريحات الإسرائيلية المتتالية حول البقاء في ‘مناطق أمنية’ داخل غزة وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية. ويعكس هذا التوجه رغبة في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقطاع، مما يجعل أي انسحاب مستقبلي عملية معقدة ومكلفة سياسياً وميدانياً.

ويربط خبراء في الشؤون الإسرائيلية بين هذه السياسات وهدف أعمق يتمثل في تغيير الخريطة السكانية وإضعاف مقومات الحياة الأساسية. فالتضييق المعيشي المستمر والضغط العسكري الممنهج قد يحول فكرة التهجير من شعار سياسي إلى واقع يفرضه انعدام خيارات العيش في المناطق المدمرة.

كما تبرز مخاوف من استغلال ملف نزع السلاح لإنتاج حالة من الفوضى الداخلية، عبر محاولة تجريد القوى الوطنية من قدراتها بالتزامن مع بروز مجموعات محلية مدعومة من الاحتلال. وتخشى الفصائل أن يؤدي هذا المسار إلى صراعات داخلية تعيد تشكيل المشهد الفلسطيني بما يخدم الرؤية الأمنية الإسرائيلية.

على الصعيد الدولي، تبدو المواقف الأمريكية أقرب إلى تبني المنظور الإسرائيلي، حيث يتم ربط التعثر في تنفيذ الاتفاق بملف سلاح حماس بشكل مباشر. هذا الموقف يفسر إحجام واشنطن عن ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لإلزامها بالبنود الإنسانية والانسحاب من المناطق المأهولة.

وأمام هذا الواقع، جاءت اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة كمحاولة لتحصين الموقف الوطني ومنع تمرير صيغ أحادية الجانب. وشددت القوى الفلسطينية على ضرورة الدفاع عن فلسفة الاتفاق الأصلية التي تقوم على الالتزام المتبادل والمتزامن بين كافة الأطراف.

ورغم إبداء الفصائل مرونة في ملفات حساسة مثل ترتيبات السلاح الثقيل، إلا أنها تربط ذلك بإنهاء القيود الإنسانية ووقف سياسات الاستنزاف. فالإدراك الفلسطيني يتزايد بأن الخطر الحقيقي يكمن في بقاء الاتفاق كغطاء شكلي بينما يتم تفريغه من محتواه العملي على الأرض.

وتراهن القوى الفلسطينية على دور الوسطاء الإقليميين لاستعادة التوازن المفقود في العملية التفاوضية، خاصة وأن هؤلاء الوسطاء نجحوا سابقاً في تعديل مقترحات دولية. وتطالب الفصائل بضغط أكبر على الإدارة الأمريكية لإجبار تل أبيب على احترام تعهداتها ومنع سياسة فرض الأمر الواقع.

يقف الاتفاق اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما أن يستعيد مساره كمدخل حقيقي لإنهاء الحرب وإغاثة السكان، أو يظل مجرد مناورة سياسية. وفي حال استمرار النهج الحالي، فإن نتنياهو سيواصل استخدام التهدئة كغطاء لاستكمال ما عجز عن تحقيقه عبر القوة العسكرية المباشرة.

Exit mobile version