الرئيسية زوايا أقلام واراء جبهة تمثل قرار الشعب بالنضال والبناء والتقدم  بقلم: خليل حمد

جبهة تمثل قرار الشعب بالنضال والبناء والتقدم  بقلم: خليل حمد

في لحظة تاريخية مفصلية، مستمرة منذ سنوات وليست وليدة هذا التاريخ، تحتفل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بالذكرى التاسعة والخمسين لانطلاقتها المجيدة. ظروف اليوم تشبه إلى حد بعيد ظروف التأسيس بعد أيام قليلة على نكسة الخامس من حزيران عام 1967، ولا تزال نفس التحديات قائمة بل وإنها ازدادت نتيجة لعدة عوامل، أبرزها تراجع الاهتمام العالمي بالقضية لصالح معارك أخرى مفتعلة، هامشية في جوهرها، مركزية في حجم التضخيم الإعلامي لها وإخراجها من السياق العام، وهو استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وسعيه لتوسيع نفوذه.

وعلى مدى 59 عاماً، كان العمل النضالي مستمر يومياً، في مواجهة تحديثات الأساليب التي يتبعها سارقو الحقوق، فالسلاح كان حاضراً عندما كانت اللغة الأخطر على القضية هي الإجرام الإسرائيلي، فكان ذلك في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم حضرت أساليب المواجهة الأخرى عندما تنوعت مفردات الحرب التي يشنها الإسرائيلي على أبناء شعبنا الفلسطيني يومياً، ومن هذه المفردات إشغال العالم عن القضية لطمس استمراريتها، وإسقاط حق الفلسطينيين بالتقادم، وهو ما لم ولن يحدث.

وعليه فإن أحد التحديات التي تخوض الجبهة غمارها اليوم هي إبقاء القضية الفلسطينية نابضة رغم أنف ما يُسمى “المجتمع الدولي” ووسائل الإعلام الكبرى التابعة للوبي الإسرائيلي في العالم، بل وإعادة القضية إلى عمقها العربي بعد أزمة التوغل الإسرائيلي الأمريكي في الوعي العام العربي، وهو تحد لا يعني فقط أن تبقى القضية مطروحة في الأحاديث، بل يعني أيضاً أن يتم طرح المشاكل الحقيقة اليومية التي يعاني منها أبناء هذا الشعب، والعمل على اجتراح حلول لها، تزامناً مع العمل على إحقاق الحقوق الكبرى التي تضمن إقامة الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية.

وضعت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني هدفها الأسمى في إقامة الدولة الفلسطينية نصب عينيها، وهي تعلم أنه هدف مؤجلٌ لظروف يعلمها القارئ بشكل واضح، إلا أن العمل عليه ينطلق أيضاً من تحسين الواقع الفلسطيني الحالي، والخطوة الأولى في ذلك هي تحقيق وحدة الصف الفلسطيني، وبناء موقف الجبهة من أي حدث أو طرح خارجي أو داخلي ارتكازاً على هذه الفكرة الأساسية، إيماناً منها بأن رأب الصدع وإنهاء الانقسام وتوحيد البوصلة هي السبيل الوحيد نحو “تحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره”، وهذا ما نصَّ عليه بيان تأسيس الجبهة.

في نقطة تحسين الواقع الحالي، الجبهة تأقلمت مع المتغيرات التي طرأت على القضية دون أن تفقد بوصلتها الوحيدة، وسخَّرت جهودها في دعم أي حوار فلسطيني فلسطيني من شأنه توحيد المواقف أو تحقيق تقاربات، سواء فيما يتعلق بالأوضاع في غزة بعد حرب الإبادة الجماعية التي نفذها الإسرائيلي ومن خلفه الأمريكي، وسواء فيما يتعلق بالأوضاع في الضفة المحتلة التي تعاني إجراماً يومياً لا يقل بشاعة عن معاناة أي فلسطيني في أي بقعة اخرى من الأرض المقدسة. الديبلوماسية سلاح أيضاً في منطق عمل الجبهة، ولهذا فإن كل نقاش دولي أو زيارة خارجية تشارك فيها قيادات الجبهة ينتهي بالحديث عن فلسطين ولأجلها.

ولأجل فلسطين انخرطت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في المؤسسات الوطنية الفلسطينية، إيماناً منها بأن تحسين شروط الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني يشكل عاملاً مهماً لاستمرار الصمود، وهو أهم ركيزة في مواجهة الاحتلال ومخططاته، إذ لا معنى للدفاع عن إقامة دولة لا مواطنين ينتمون إليها، ليس بالمعنى المجرد للكلمة، بل بالمعنى الوطني الأعمق، ومن هنا كانت نظرة الجبهة وقياداتها إلى أي عمل اجتماعي يوكل إليهم وكأنه بمثابة معركة حقيقية تصب في مصلحة القضية ككل، فيتحول هذا العمل الاجتماعي في ظاهره، إلى فعل مقاوم يصب في مصلحة شعبنا الفلسطيني، صاحب الحق الأول في تقرير المصير وإقامة الدولة العتيدة.

هذا الأسلوب الوطني الحقيقي في النظر إلى الأوضاع الداخلية والطروحات الخارجية، والتعاطي معها كتحدٍّ لأجل فلسطين فقط، جعل الجبهة وقيادتها المناضلة في مرمى الاستهداف والافتراءات، لكن الحقيقة أوضح من أن تخفيها غربان الظلام، ولهذا تمكنت جبهة النضال من الاستمرار رغم محاولات العرقلة، بدعم وإيمان من الشعب الذي تؤمن به الجبهة وتعمل لأجله، وتولي أهمية كبرى منذ تأسيسها لنضاله على شكل “حرب الشعب طويلة الأمد”، والتي ستُفضي حتماً إلى تحقيق الانتصار.

في اختبار البوصلة، قليلون من يتمكنون من العبور على مدى سنوات النكبة والنكسة  دون أي انحراف. لكن جوهر المسألة يكمن في واقعية البوصلة، وعمق انتمائها إلى أوجاع شعبنا الفلسطيني في الوقت ذاته، هذا يجعل من ذكرى انطلاقة الجبهة نقطة علام في تاريخنا المليء بالمفاصل التاريخية. وفي هذه الذكرى، نعيد ما قلناه سابقاً:

كل عام وفلسطين كلها صامدة صابرة مناضلة لأجل حقوقها، كل عام وفلسطين تقترب من تحقيق الانتصار والحرية والعودة، ليس لأجلها فقط، بل لأجل الإنسانية جمعاء.

 

Exit mobile version