الرئيسية الاخبار الذهب الأزرق: حروب المياه القادمة

الذهب الأزرق: حروب المياه القادمة

215542

بالأمس، كانت الأمم تذهب إلى خوض الحروب من أجل الأرض. واليوم، تدور صراعاتنا حول الطاقة. وغداً، كما يكتب براهما تشيلاني، سوف تدور معاركنا حول الماء. ويعتقد المؤلف الحائز على جائزة نوبل أن مارك توين كان محقاً عندما قال: “الويسكي من أجل الشرب، والماء من أجل التقاتل عليه“.
هناك “ماء أزرق،” و”ماء أخضر،” وحتى “ماء افتراضي.” لكن الماء يظل، مهما كانت شاخصته وأوصافه، أهم مورد مفرد في العالم كله. الحياة ليست ممكنة بدونه. ويرجح كثيراً أنه هو الذي سيحدد مستقبلنا.
وهو يصبح أكثر ندرة باطراد. في القرن العشرين، ازداد عدد  سكان العالم بمعدل 3.8، وازداد استهلاك الماء بمعدل 9. واليوم، وقد تجاوز عدد سكان العالم حد 7 مليارات نسمة، ينبغي أن لا يتفاجأ أحد بحقيقة أن أكثر من نصف أفراد الجنس البشري يعيشون في مناطق تواجه نقصاً في المياه. ويمكن أن يزداد هذا الرقم بواقع الثلثين خلال العقد القادم.
في هذه الأوقات، لا يتمتع أكثر من خُمس سكان هذا الكوكب بوصول سهل إلى الماء الصالح للشرب. وندرة المياه تسبب المرض، على نحو يجعل من عدم توفر هذا المورد “أكبر قاتل في العالم.” ولعل من المذهل معرفة أن عدد الناس الذين يمتلكون هواتف محمولة أكبر من الذين يصلون إلى خدمات المياه والصرف الصحي. كما أن الماء المعبأ في زجاجات في محلات البقالة أكثر تكلفة من سعر النفط  الخام في السوق المباشر.
سوف تكون مدينة صنعاء اليمنية، التي تشكل الآن موطناً لمليوني نسمة، أول عاصمة وطنية يضربها الجفاف في هذا القرن، إذا نضبت احتياطياتها من المياه الجوفية، وهو ما يمكن أن يحدث في وقت قريب لا يتجاوز العام 2025. كما أن أبو ظبي وكويتا يمكن أن تتحولا إلى غبار أيضاً، كما يعتقد الخبراء. وينبغي أن يتوقع المجتمع الدولي ظهور “لاجئي مياه” بعد عقد واحد بقليل، كما يحذر تشيلاني، ويمكن أن يكون هناك مائة مليون لاجئ من هؤلاء قبل حلول منتصف هذا القرن.
وإذن، فلننسَ مشكلات زوال الغابات، وتغير المناخ، أو ذروة النفط، ولنفكر في الأزمة المقبلة على “الذهب الأزرق”، كما ينصح تشيلاني: “لقد وصل العصر الذهبي للمياه الصالحة للشرب، الرخيصة، والمتاحة بسهولة، إلى نهايته في معظم أنحاء العالم، وحل محله عهد جديد من النقص المتصاعد في المعروض والجودة“.
الآن، يخلق الماء حالات عدم الاستقرار بطرق مثيرة للدهشة. على سبيل المثال، يقترح تشيلاني أن الربيع العربي كان يدور حول المياه، بالمعنى الكبير على الأقل، لأنه جاء بسبب ارتفاع أسعار الغذاء الناجم عن “أزمة المياه العذبة المتفاقمة في الإقليم.” وفي بعض الأحيان، تكون الأزمات ناجمة عن نقص المياه بطرق أكثر تعقيداً وغموضاً. وفي واحدة من فقرات الكتاب الأكثر إثارة للاهتمام، نعرف كيف أدى نقص المياه المستمر في كوريا الجنوبية إلى إسقاط زعيم مدغشقر في العام 2009، في إشارة إلى أن هذه السلعة يمكن أن تنتشر المشاكل من أحد أجزاء العالم إلى أجزاء أخرى.
سوف يكون التحدي الجغرافي-السياسي الحقيقي الذي تنتجه ندرة المياه هو التنافس الوطني على الأنهار والبحيرات والشواطئ والأنهار الجليدية –الذي سيتجسد في سلسلة من “حروب المياه.” ومع أن عمل تشيلاني المميز يصف نفسه بأنه “دراسة عن الروابط العالمية بين المياه والسلام”، فإن معظم الكتاب يتكون من دراسة للعلاقة بين المياه والصراعات. وحسب المؤلف، فإن “السياسة المائية” تعد بأن تصبح شريرة ومثيرة للنزاع باطراد.
حتى الآن، لم تُخَض أي حرب حديثة من أجل المياه فقط، لكن الماء كان عاملاً كامناً في عدد منها، كما يعتقد المؤلف. ويدعي تشيلاني بأن حرب الأيام الستة في العام 1967، على سبيل المثال، كانت في الأساس صراعاً على منابع المياه. وقد انتهى الأمر بإسرائيل، كما يشير، وقد سيطرت على منابع نهر الأردن. ويلاحظ الكاتب أن أرييل شارون يؤكد في مذكراته على دور المياه في الصراع. كما كانت هناك حرب مياه مخبأة أيضاً في قتال العام 1965 بين الهند وباكستان، في ولاية جامو وكشمير الجبلية. وكان هدف باكستان العسكري هو الاستيلاء على منطقة تجمّع فيها ثلاثة أنهار جزءاً كبيراً من تدفقاتها. وفي المجموع، تحصي الأمم المتحدة 37 من حالات اندلاع العنف ذات الصلة بالمياه بين الدول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
تعزى الصراعات على المياه في جزء كبير منها إلى كونه يتدفق من دولة إلى أخرى أو يجلس على الحدود الجغرافية. وعبر خمس قارات، هناك 276 من الأنهار وأحواض البحيرات العابرة للحدود الوطنية، والتي تفصل بين 148 بلداً وتشكل ثلاثة أخماس تدفقات الأنهار في العالم. وباستثناء القارة القطبية الجنوبية، تتغطى نصف مساحة اليابسة على كوكب الأرض تقريباً بأحواض الأنهار التي تجري في أكثر من بلد واحد. وكما لو ان ذلك لم يكن سيئاً بما فيه الكفاية في حد ذاته، فإن هناك 174 على الأقل من أحواض المياه العذبة الجوفية التي تقع تحت الحدود الوطنية المشتركة. حتى أن البعض من هذه الخزانات تمتد تحت حدود أكثر من بلدين.
المنافسات على المياه تتزايد (كلمة “منافسة” بالإنجليزية rival تنحدر من الأصل اللاتيني rivalis، التي تعني “الشخص الذي يستخدم نفس الجدول”)، مع اتخاذ بعض هذه المنافسات مسبقاً سمة “حروب هيدرولوجية صامتة.” ولا بد أن يعقب العداء والاستياء بشكل حتمي عندما تقوم دولة مهيمنة على شاطئ نهر –غالباً، وليس دائماً، بلد المنبع- بتحويل تدفق المياه مع قليل من الاعتبار لجيرانها، “الاستيلاء على الموارد المشتركة”، كما يسميها كتاب “المياه، السلام، والحرب“.
يقع في القلب من هذا الكتاب تحليل لمعاهدات المياه. وتزعم الأمم المتحدة بأنه تم التوقيع على أكثر من مائتين من اتفاقيات المياه الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، لكن تشيلاني يلاحظ بعناية أن معظم هذه الصفقات “مصابة بفقر الدم بنوياً.” وتفتقر هذه الاتفاقات التي “بلا أسنان” إلى آليات لتسوية النزاعات، وحتى الآليات لرصد تطبيق القواعد. وعلاوة على ذلك، تخلو معظمها من أحكام تضبط تقسيم المياه رسمياً بين المستخدمين، والكثير منها لا تشمل دولاً واقعة على أحواض مائية رئيسية.
في هذه اللحظة، لا يوجد سوى ثماني عشرة اتفاقية تضم أحكام تخصيص محددة. وبشكل ملحوظ، لم يتم توقيع أي من هذه الترتيبات في هذا القرن، وإنما أبرم معظمهما “عندما كان النقص الخطير في المياه أمراً غير مألوف ولا شائع.” ويعني ذلك بالنسبة لتشيلاني أنه سيكون من الصعب التوصل إلى صفقات مماثلة في أوقات زيادة الإجهاد المائي الأحدث.
وهنا، يطرح تشيلاني فكرة جيدة. إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية للعام 1997، والتي يُقصد منها أن تصبح قانون المياه في العالم، هي الآن في مأزق. ما يزال عليها أن تدخل حيز التنفيذ، وهي تفتقر إلى تصديق الحد الأدنى لعدد من البلدان حتى الآن. وحتى يوقع عليها عدد أكبر من الدول، فإن معظم الأنهار والبحيرات ستظل محكومة بالمنافسة غير الخاضعة للسيطرة بين السكان العطشى والقيادات الوطنية العصبية.
بينما يرى تشيلاني (الذي كسب كتابه السابق “المياه: ميدان المعركة الجديد في آسيا” جائزة بيرنارد شوارتز لجمعية آسيا في السنة الماضية) أن الصراعات المتصلة بالمياه تشكل تهديداً عالمياً متصاعداً، فإنه لا يعتقد بأن الصراع المسلح على هذا المورد الذي لا غنى عنه حقاً يشكل أمراً حتمياً لا مفر منه. لكن الحيلولة دون نشوب حروب المياه، كما يراها، ستتطلب “التعاون القائم على قواعد، وعلى تقاسم المياه، وتدفق المعلومات غير المنقطع، ووجود آليات لتسوية النزاعات“.
وهذا صحيح، بطبيعة الحال. لكن الاتفاقيات وحدها ليست كافية، خاصة بالنظر إلى حقيقة أن الاستبداد هو داء متوطّن في العالَم المتعطش للمياه. وتسلط الضوء على هذه القضية بوضوح اتفاقية نهر السند للعام 1960، “معاهدة المياه الأكثر نجاحاً في العالم.” وفي تلك الصفقة، وافقت الديمقراطية الهندية بسخاء على تخصيص أربعة أخماس نظام نهر السند السداسي لصالح أسفل النهر في باكستان. لكن توقيع الاتفاق، مع ذلك، أقنع المؤسسة السياسية الباكستانية بأنها كان يجب أن تتحكم في نظام النهر بأكمله. وقد أراد محمد أيوب خان، حاكم باكستان في ذلك الوقت، الاستيلاء على منابع النهر من الهند بعد التوقيع، معتقداً بأن وجود الاتفاق التعاوني يبرر عدوان بلاده في واقع الأمر.
يشير تشيلاني إلى أن ذلك الاتفاق تأسس “على المنطق المعاكس، القائل بأنه سيكون من شأن تخصيص حصة مضمونة من نظام مياه نهر السند لباكستان أن يخفف من حدة النزاع الإقليمي، ويمهد الطريق إلى إشاعة السلام في شبه القارة –وهو افتراض ساعد في إقناع الهند بمنح نصيب الأسد من المياه للفريق الواقع على أسفل النهر.” لكن الاتفاق لم يعمل في الحقيقة، حيث أثارت باكستان حرباً في وقت لاحق بعد نصف عقد من الزمن فحسب.
في وضع مماثل، تشكل جمهورية الصين الشعبية، “المهيمن المائي” الأكبر، مصدراً لمياه الأنهار التي تعبر بلداناً أخرى أكثر من أي دولة أخرى في العالم. ويسيطر الصينيون على منابع مائية يحتاجها ما يقرب من نصف سكان العالم، في وسط وجنوب وجنوب شرق آسيا، وكذلك في روسيا.
ومع ذلك، فإن بكين التي ضمت بالقوة جميع مواردها المائية تقريباً في منتصف القرن العشرين، تقوم ببناء السدود بوتيرة “محمومة” –حيث أنجزت ما معدله سداً كبيراً واحداً في اليوم الواحد منذ العام 1949- وهي تسعى بوضوح إلى وضع الجيران حول أسفل الأنهار تحت رحمة الأمر الواقع من خلال تحويل تدفقات الأنهار. وبشكل ملحوظ، فإن هذا البلد المحاط بأربعة عشر من الجيران -ثلاثة عشر منهم مشاركون معه في ضفاف الأنهار- ليس طرفاً في أي معاهدات لتقاسم المياه، وهو يرفض بدء مفاوضات بشأن تقاسم المياه مع غيره من العواصم. وكما يلاحظ تشيلاني، فإنه “لم يتمكن أي بلد آخر في أي وقت مضى من حيازة مثل هذه الهيمنة على الشواطئ المشتركة دون منازع في قارة كاملة، عن طريق التحكم في منابع الأنهار متعددة الدول، واستغلال تدفقاتها عبر الحدود“.
للأسف، لا تضمن الاتفاقات المعقودة مع الدول المتشددة حلولاً للنزاعات على المياه. وكما قال لنا رونالد ريغان ذات يوم، فإن طبيعة الحكومات تهمّ، وهذا ما يتضح من السلام القائم على طول “النهر الأكثر دولية في العالم” حوض الدانوب، الذي نتعلم من هذا الكتاب المهم أنه يمر بتسعة عشر بلداً. ومع ذلك، ثمة هدوء يسود على طول هذا النهر الحيوي لأنه محاط بدول ديمقراطية.
نعم، إن العالم يعاني من مشكلة مياه. لكن لديه مشكلة أكبر مع الاستبداد. سوف يستمر الطغاة والديكتاتوريين باستخدام هذا الذهب السائل من أجل عرقلة السلام، ومراكمة النفوذ، وإجبار الجيران على الخضوع.

غوردون تشانغ – (مجلة شؤون عالمية)
*
مؤلف كتاب “الانهيار القادم للصين والمواجهة النووية: كوريا الشمالية تعارض العالم.” وهو يكتب مداخلات عن الصين وآسيا في موقع “شؤون عالمية“.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version