نحن متجهون نحو عقد عرس ديمقراطي انتخابي كما يبدو، وذلك إن لم تطرأ أحداث ضخمة يمكنها أن تؤجله مجدداً، وهذا متوقع على أي حال.
والأحداث الضخمة التي يمكنها أن تؤجله ليست بالضرورة أحداثاً داخلية كما هو المنطق في شتى بقاع الأرض، فالعرس حين يكون محلياً فإن الأحداث المحلية تلعب دوراً في عقده أو تأجيله، أما حين يكون دولياً فإنه يظل تحت رحمة الأحداث الدولية أيضاً.
والعرس الديمقراطي الفلسطيني، هذه المرة على الأقل، هو مطلب دولي في الأساس، وإن كانت هذه الحقيقة لا تلغي أن الانتخابات بحد ذاتها استحقاق وطني طال انتظاره، ويجب ألا يتم تأجيله أكثر من ذلك.
إنها استحقاق وطني لأن شعباً لديه قضية وطنية عادلة بهذا الحجم والأهمية يستحق أن تكون لديه مؤسسات تمثيلية ديمقراطية وشفافة، تتولى إدارة شؤونه وتتصدى للدفاع عن قضيته.
وهو بحاجة لها أكثر خصوصاً حين يتعرض إلى هذا القدر من التدمير، وما يحصل بموازاته من شروخ وطنية واجتماعية لا يجوز السكوت عنها أو انتظار أن تتعزز أكثر وأكثر، بل يجب قطع الطريق عليها بتجديد الشرعيات القادرة على التمثيل وفرض آليات المحاسبة، وترميم ثقة المواطن بقيادته ومؤسسته.
وهي مطلب دولي كذلك، وهنا لا بد من محاولة طرح أسباب المجتمع الدولي بعيداً عما يدعيه من مصلحة للفلسطينيين، أي لماذا هي مطلب دولي من وجهة نظر مصالح المجتمع الدولي نفسه، وليس بما يراه هو كفائدة ستنعكس علينا بالضرورة أو كتحصيل حاصل.
إنها كذلك، أولاً: لأن المجتمع الدولي يفضل أن يتعامل مع حكومة ناتجة عن عملية انتخابية معترف بها، لا مع سلطة مستمرة لزمن طويل بلا تجديد للتفويض الشعبي. وثانياً: لأن المجتمع الدولي يرى أن الانتخابات هي الطريقة الأمثل لإدارة النزاع، أي نزاع في العموم، بطريقة مؤسسية.
بمعنى أنها تحوّل التنافس على السلطة والقرار من الشارع والسلاح إلى الصندوق وورقة الاقتراع.
ونتيجة لهذا السبب فإن ثالثاً: هو أن هذا المجتمع يريد التعامل مع شرعية واحدة لا مع شرعيات متنافسة ومتوازية، أو بلغة أخرى يريد جهة واحدة قادرة ومفوّضة للمشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب، وتحديداً فيما يتعلق بإدارة غزة مستقبلاً وإعادة الإعمار والاتفاقيات السياسية والإدارية اللازمة للمرحلة القادمة.
هل هذان السببان يمكن اختصارهما بأنه يريد تقليص دور ونفوذ القوى التي لا يرغب بالتعامل معها، وهي الفصائل المسلحة وعلى رأسها حماس؟ بالتأكيد، وهو لا يخفي ذلك على كل حال.
إذاً نحن أمام استحقاق وطني مطلوب دولياً، ومطلوب منه أن يضع شرعية الشارع داخل الصندوق من أجل تحجيمها، أو على الأقل من أجل إعادة تعريفها وتعريف دورها.
وأمام هذه الحقيقة، إن اتفقنا أنها حقيقة، فكيف يمكننا فهم أن حماس ذاتها تريد أن تشارك في هذه الانتخابات؟ أي كيف لفصيل يكتفي منذ عشرين عاماً بشرعية مستمدة من برنامجه المنفصل عن برنامج السلطة بل والمعارض لها، أن يتخلى عن هذه الشرعية مقابل حصوله على شرعية مستمدة من نقيض برنامجه السياسي.
الأسباب كثيرة، منها ما هو من صميم العملية الانتخابية وما توفره من نتائج تشير إلى حجم وقوة المشاركين فيها، ومنها ما يتعلق بمستقبل أي فصيل أو حزب مأزوم ويريد إعادة التموضع كمخرج من أزمته، ومنها ما هو بحاجة لتحليل أعمق بكثير من مجرد تنافس انتخابي أو صراع بين برامج سياسية، وهذا هو بالتحديد، على الأقل من وجهة نظري الخاصة، ما يدفع حماس إلى الترحيب بهذه الانتخابات، وبالتالي خوضها، ولو تحت مظلة قوائم واسعة تضم شخصيات ونخباً سياسية متنوعة.
الأسباب الظاهرة وسهل التعرف عليها هي الحصول على اعتراف سياسي دولي بها كطرف فلسطيني له جمهوره، فهذا طريق بديل لطريق رفضها من المجتمع الدولي كقوة مسلحة مسيطرة على قطاع غزة على مدار 20 عاماً، فرغم محاولاتها الطويلة لاكتساب هذا الاعتراف إلا أنه لم يحدث.
وهنا فإن السبب الموازي لهذا هو محاولة الحركة إدارة الضغط الدولي الذي يبغي تحجيمها بدل أن تقاومه بلا نتيجة مضمونة، بمعنى أن تكون في خضم العملية التي تهدف إلى نزع شرعيتها العسكرية للمساومة على ذلك بشرعية سياسية.
كذلك فإن اختبار حجمها الحقيقي بعد الحرب، خصوصاً بعد تآكل شعبيتها وسط الغزيين خلال حرب الثلاث سنوات السابقة، يُعتبر سبباً يستحق المجازفة.
تريد حماس من ذلك أن تقول للداخل والخارج إن تآكل الشعبية في مكان ما بسبب معاناة الجمهور والحاضنة الشعبية، لا يعني فقدان شرعية البرنامج ولا حامليه في عموم الوطن، وأن هذه المعاناة لم تنشأ بسبب البرنامج بل بسبب أعدائه الذين هم أعداء الحاضنة الشعبية، أي الشعب.
السبب الآخر برأيي هو أن حماس في طريقها نحو التحول إلى حزب سياسي، وهي رؤية للحركة بدأ الحديث عنها منذ أكثر من عامين كأحد المخارج لها من انسداد آفاق انتهاء الحرب دون انتهائها هي، أي دون القضاء عليها، أو استئصالها حسب الرؤية الإسرائيلية والأميركية من خلفها.
وهذا يعني بشكل ما أن حماس من خلال مشاركتها لا تخوض معركة انتخابية للاستحواذ على السلطة، بقدر ما تخوض هذه المعركة من أجل الخروج من السلطة التي ألزمت نفسها بها نتيجة انقلابها منذ عشرين عاماً. فالحرب جعلت استمرارها كحركة مسلحة وحاكمة أمراً مستحيلاً، وهو علاوة على أنه مرفوض دولياً، فهو يفاقم من الكارثة اليومية لسكان قطاع غزة الذين تحكمهم.
لذا فإن الانتخابات، وبغض النظر عن النتيجة المتوقعة لها فيها، فهذا غير مهم بنظرها الآن، أو هو لا يفرق في المحصلة النهائية، والتي تعني الاحتفاظ بالوجود والتمثيل والشرعية السياسية، وإن كان ذلك على حساب الشرعية القتالية التي لم تعد تحقق أي أهداف.
وهنا بالضبط فإن عملية نزع السلاح لن تكون إعلاناً لهزيمة بنظر جمهور المؤيدين، وإنما ستكون جزءاً طبيعياً من تحول حركة مسلحة إلى حزب سياسي.
عن صحيفة الايام