الرئيسية اخبار الجبهة نقابي فلسطيني لـ«مصراوي»: سوق العمل في الضفة والقدس  تراجع بصورة خطيرة.....

نقابي فلسطيني لـ«مصراوي»: سوق العمل في الضفة والقدس  تراجع بصورة خطيرة.. ولا عودة قريبة لما قبل أكتوبر 2023

تقرير مصراوي – أكد محمد علوش، السكرتير العام لاتحاد نضال العمال الفلسطيني، أن أوضاع العمال الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس شهدت تراجعاً خطيراً منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن سوق العمل لم يستعد عافيته، ولا توجد مؤشرات كافية على عودته قريباً إلى مستويات ما قبل الحرب.

وقال علوش، في حوار مع «مصراوي»، إن الأزمة الحالية تتجاوز ارتفاع معدلات البطالة وفقدان آلاف العمال وظائفهم، لتطال بنية الاقتصاد الفلسطيني ومصادر دخل الأسر، وتدفع قطاعات واسعة من الطبقة العاملة إلى الفقر والهشاشة وانعدام الاستقرار والأمان الاجتماعي.

وأوضح أن الاقتصاد الفلسطيني كان يعاني، قبل الحرب، اختلالات مزمنة بفعل الاحتلال والسيطرة على الموارد والمعابر والحركة والتجارة، إلى جانب محدودية فرص العمل وضعف الاستثمار والإنتاج المحليين والاعتماد الكبير على سوق العمل الإسرائيلي.

وأضاف أن الحرب عمقت هذه الاختلالات بصورة غير مسبوقة، بعدما أُغلق سوق العمل الإسرائيلي عملياً أمام أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين، وتشددت القيود على الحركة والتنقل، وتوسعت الحواجز والإغلاقات، فيما تراجعت حركة التجارة والاستثمار والإنتاج داخل الضفة الغربية.

ارتفاع حاد في البطالة

وأشار علوش إلى أن عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية ارتفع من نحو 129 ألفاً في الربع الثالث من عام 2023 إلى نحو 280 ألفاً في الربع الرابع من عام 2025، فيما ارتفع معدل البطالة من نحو 13% إلى 27.5% في نهاية 2025.

وبحسب البيانات التي استند إليها، بلغ متوسط البطالة السنوي نحو 28.7% خلال عام 2025، مقارنة بـ 18.3% في 2023.

وحذر من أن الأرقام الرسمية لا تعكس وحدها حجم الأزمة، موضحاً أن هناك ما وصفه بـ«الجانب غير المرئي من البطالة»، والمتمثل في أشخاص خرجوا من قوة العمل أو توقفوا عن البحث عن وظائف بعد فقدان الأمل في العثور عليها، إلى جانب انتشار العمل الجزئي والموسمي وغير المستقر، وقبول العمال بأجور منخفضة وشروط عمل لا توفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي.

وأكد أن السؤال لا يتعلق فقط بعدد العاطلين، وإنما بعدد الأسر التي فقدت مصادر دخلها، والعمال الذين فقدوا قدرتهم على إعالة أسرهم، والشباب الذين يدخلون سوق العمل دون العثور على فرص مناسبة.

تراجع كبير في العمالة داخل إسرائيل والمستوطنات

ولفت علوش إلى أن العمال الفلسطينيين الذين كانوا يعملون داخل إسرائيل والمستوطنات كانوا من أكثر الفئات تضرراً منذ اندلاع الحرب.

وأوضح أن عدد العمال من الضفة الغربية العاملين في إسرائيل والمستوطنات كان يقارب 172 ألف عامل قبل الحرب، لكنه انخفض إلى نحو 25 ألفاً في الربع الأخير من 2023، قبل أن يرتفع تدريجياً إلى نحو 51 ألفاً في الربع الرابع من 2025.

وأكد أن هذا الارتفاع لا يعني عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن عدد العمال الذين كانوا يحملون تصاريح رسمية انخفض من نحو 127 ألفاً قبل الحرب إلى نحو 14 ألفاً في نهاية 2025.

وفي الربع الأول من عام 2026، بلغ عدد العاملين من الضفة الغربية في إسرائيل والمستوطنات نحو 48 ألف عامل، بينهم نحو 30 ألفاً في إسرائيل ونحو 17.6 ألفاً في المستوطنات.

ورغم تسجيل بعض التحسن في مؤشرات التشغيل خلال الربع الثاني من 2026، ومن بينها ارتفاع عدد المشتغلين داخل الضفة الغربية بنحو 33 ألفاً مقارنة بالربع الأول، حذر علوش من اعتبار ذلك مؤشراً على انفراجة قريبة.

وقال إن سوق العمل لا يزال يعاني البطالة المرتفعة وقيود الحركة وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وتراجع الاستثمار وضعف القدرة الإنتاجية، إلى جانب عدم الاستقرار السياسي والأمني واستمرار الاحتلال في التحكم بمساحات واسعة من البيئة الاقتصادية.

عودة جزئية لا تعني استعادة الحقوق

وبشأن الحديث عن عودة بعض العمال إلى سوق العمل، قال علوش إن هناك بالفعل عودة جزئية ومحدودة، لكنه شدد على ضرورة عدم تحويلها إلى عنوان لانفراجة غير موجودة على الأرض.

وأوضح أن الفارق كبير بين ارتفاع عدد العاملين بعد الانهيار الذي أعقب أكتوبر 2023 وبين استعادة العمال حقوقهم ووضعهم الاقتصادي السابق.

وأكد أن العامل الفلسطيني لا يزال دخوله إلى سوق العمل الإسرائيلي خاضعاً للتصاريح والقرارات الإسرائيلية، بما يسمح بفتح المجال أمامه أو إغلاقه في أي وقت.

وأشار إلى ظهور مؤشرات خلال 2026 على السماح مجدداً بدخول أعداد محدودة من العمال الفلسطينيين إلى بعض المستوطنات، في ظل حاجة سوق العمل الإسرائيلي إلى العمالة، لكنه اعتبر أن ذلك لا يمثل تحولاً سياسياً أو اقتصادياً مستقراً، بقدر ما يعكس حاجة السوق الإسرائيلية من جهة والقرار الإسرائيلي من جهة أخرى.

وقال إن الموقف النقابي يرفض تحويل حق الفلسطيني في العمل إلى «منحة» أو «امتياز» تمنحه سلطات الاحتلال عندما تحتاج إلى العمالة وتسلبه عند الأزمات السياسية والأمنية.

وأضاف أن «العمل حق وليس تصريحاً»، وأن رزق العامل لا يجوز أن يتحول إلى أداة للعقاب الجماعي أو الابتزاز السياسي.

لا عودة إلى ما قبل الحرب في المدى القريب

وحول الترتيبات السياسية الأخيرة، بما فيها خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو ما يسمى مجلس السلام لغزة، قال علوش إنه لا توجد، حتى الآن، معطيات تسمح بالقول إن هذه الترتيبات أعادت سوق العمل الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل الحرب.

وأكد أن العمال ما زالوا يواجهون منظومة من الحواجز والإغلاقات والقيود والتصاريح، فيما يحتفظ الاحتلال بقدرة واسعة على التحكم في حركة العمال ووصولهم إلى أماكن العمل.

وحذر من أن إعادة آلاف العمال إلى سوق العمل الإسرائيلي، حتى لو حدثت، لا تمثل حلاً استراتيجياً، رغم أهميتها في توفير دخل لعائلات فلسطينية على المدى القصير، لأنها قد تعيد إنتاج التبعية الاقتصادية التي تجعل العمال عرضة للابتزاز عند كل أزمة سياسية أو أمنية.

قطاعات قادرة على استيعاب العمالة

وقال علوش إن الضفة الغربية تضم فرص عمل يمكن البناء عليها، لكنها محدودة مقارنة بحجم الطلب، فيما يتركز جزء منها في قطاعات منخفضة الأجور أو غير مستقرة.

وأشار إلى قطاعات الإنشاءات والمقاولات والبناء والصيانة، والزراعة والأعمال الموسمية، خصوصاً في المناطق الزراعية والأغوار، إضافة إلى التجارة والخدمات والنقل والخدمات اللوجستية والصناعة والصناعات الغذائية وبعض الصناعات الخفيفة.

كما لفت إلى إمكانات متاحة في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والعمل الرقمي والعمل الحر والمشروعات الصغيرة والتعاونية والعمل من المنزل.

لكنه شدد على أن استثمار هذه الإمكانات يتطلب سياسة اقتصادية حقيقية، وليس تحميل العامل مسؤولية البطالة في اقتصاد يعاني أصلاً محدودية القدرة على خلق فرص العمل.

ودعا إلى إعادة توجيه أولويات الاقتصاد الفلسطيني نحو الإنتاج، وتوسيع الاستثمار في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات الإنتاجية، وحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتوفير التمويل لها، إلى جانب تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني وربط مخرجات التعليم باحتياجات الاقتصاد.

العامل الفلسطيني تحت ضغط مزدوج

ووصف علوش العامل الفلسطيني بأنه يعيش تحت «ضغط مزدوج»، يتمثل في سياسات الاحتلال من جهة والأزمة الاقتصادية وهشاشة سوق العمل من جهة أخرى.

وأشار إلى أن الحواجز والإغلاقات وقيود الحركة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لآلاف العمال، وقد تؤدي إلى ضياع ساعات طويلة من يوم العمل أو فقدان جزء من الأجر.

كما تحدث عن الاعتقالات والملاحقة والتفتيش والاعتداءات التي يتعرض لها بعض العمال، خصوصاً في المناطق القريبة من المستوطنات والمناطق الزراعية.

وفي الوقت نفسه، حذر من تدهور شروط العمل نتيجة ارتفاع البطالة، إذ تؤدي زيادة أعداد الباحثين عن العمل مقارنة بالوظائف المتاحة إلى إضعاف قدرة العمال على التفاوض ودفعهم إلى قبول أجور أقل وساعات عمل أطول وأعمال مؤقتة أو غير مستقرة، وأحياناً العمل دون عقود أو ضمان اجتماعي أو حماية نقابية.

وأكد أن ارتفاع أعداد العاملين لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع الطبقة العاملة، مشدداً على ضرورة التركيز على مفهوم «العمل اللائق»، بما يشمله من أجر عادل وبيئة عمل آمنة وساعات عمل إنسانية واستقرار وظيفي وحماية اجتماعية وحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.

مشاركة المرأة لا تزال منخفضة

وحول أوضاع المرأة الفلسطينية في سوق العمل، قال علوش إن المرأة تتحمل عبئاً مضاعفاً، نتيجة تداعيات الاحتلال والأزمة الاقتصادية من جهة، والعوائق البنيوية والاجتماعية داخل سوق العمل من جهة أخرى.

وأشار إلى أن مشاركة النساء في قوة العمل في الضفة الغربية بلغت نحو 17.5% في الربع الأول من عام 2026، مقابل 70.1% للرجال.

وأوضح أن التحدي لا يرتبط فقط بالبطالة، وإنما أيضاً بخروج أعداد كبيرة من النساء من سوق العمل من الأساس.

ولفت إلى أن النساء العاملات يواجهن تحديات تتعلق بالأجور والتنقل وعدم انتظام العمل والحماية الاجتماعية والتمييز، إلى جانب تحملهن الجزء الأكبر من أعباء الرعاية الأسرية والمنزلية.

ودعا إلى برنامج خاص لتشغيل النساء، خصوصاً الشابات والخريجات، وتوسيع التدريب المهني والتقني، ودعم المشروعات النسوية الصغيرة والتعاونية، وتوفير الحضانات والخدمات المساندة، وضمان المساواة في الأجر والحماية الاجتماعية.

«لا نريد بيع الأوهام للعمال»

وعن توقعاته بشأن حدوث انفراجة قريبة في سوق العمل الفلسطيني، قال علوش: «لا أعتقد أن من الصواب أن نبني توقعات متفائلة أو نعد العمال بانفراجة قريبة لا تستند إلى معطيات واقعية».

وأوضح أن استمرار الاحتلال وتصاعد سياسات الإقصاء والضم والاستيطان والعنصرية يجعل عودة سوق العمل إلى ما كان عليه قبل أكتوبر 2023 أمراً غير مرجح في المدى القريب.

وحذر من ترسيخ سياسة حرمان الفلسطينيين من العمل واستخدام الاقتصاد والرزق كوسيلة ضغط، بالتوازي مع القيود على الحركة وتصاعد الاعتداءات والاستيطان.

وشدد على أن المطلوب ليس انتظار الانفراجة، وإنما بناء سياسات وطنية ونقابية أكثر قدرة على مواجهة المرحلة، عبر دعم الزراعة والصناعة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة وتوسيع الحماية الاجتماعية وتطوير التعليم والتدريب المهني وتعزيز دور النقابات.

كما دعا المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى تحمل مسؤولياته تجاه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، مؤكداً أن حماية حق الفلسطيني في العمل لا تقل أهمية عن بقية الحقوق.

«العامل لا يريد صدقة أو تصريحاً مؤقتاً»

وفي ختام حديثه، أكد علوش أن رسالة اتحاد نضال العمال الفلسطيني تقوم على رفض «إدارة الفقر» والمطالبة بمعالجة أسبابه، وليس الاكتفاء بخفض أرقام البطالة.

وقال إن قضية العمال ليست ملفاً اقتصادياً هامشياً، بل تقع في قلب القضية الوطنية والاجتماعية، معتبراً أن حماية حقوق العامل تعني حماية الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني.

وأضاف أن العامل الفلسطيني لا ينبغي اختزاله في «رقم أو تصريح أو يد عاملة يحتاج إليها الاقتصاد الإسرائيلي في وقت ويستغني عنها في وقت آخر»، مشدداً على أن حقه في العمل والأجر العادل والضمان الاجتماعي والسلامة المهنية والتنظيم النقابي «حق أصيل».

وأكد أن الحركة النقابية لا تناضل فقط من أجل إعادة العامل إلى مكان العمل، وإنما من أجل توفير عمل كريم وآمن ومستقر، والحصول على الحقوق كاملة.

وختم علوش بالتأكيد على أن العمال لا يريدون «صدقة ولا منحة ولا تصريحاً مؤقتاً»، وإنما حقهم الطبيعي في العمل الكريم والآمن والمستقر، واقتصاداً فلسطينياً قادراً على توفير فرص العمل داخل الوطن.

وقال إن الدفاع عن حق العامل الفلسطيني في العمل لا ينفصل عن الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والكرام، مؤكداً أن حماية الطبقة العاملة يجب أن تكون في قلب المشروع الوطني والاجتماعي الفلسطيني.

 

 

Exit mobile version