الرئيسية اخبار الجبهة خلال ندة بعنوان السياسة الخارجية الصينية الناعمة في ظل المتغيرات الدولية: فلسطين...

خلال ندة بعنوان السياسة الخارجية الصينية الناعمة في ظل المتغيرات الدولية: فلسطين نموذجاً د. مجدلاني : نتطلع لتحول الصين ثقلها الدولي المتزايد لقدرة سياسية أكبر على التأثير في اتجاه النظام الدولي نحو تطبيق أكثر اتساقاً للقانون الدولي


رام الله / قال الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية د. احمد مجدلاني أن دولة فلسطين لا تبحث عن وصاية من قوة كبرى، ولا عن انتقال من محور إلى محور، وما نبحث عنه هو فضاء دولي أكثر توازناً، تستطيع فيه الشعوب أن تكون أطرافاً في صناعة مستقبلها، لا مجرد موضوعات في صراعات الآخرين، ولهذا فإن علاقتنا بالصين ينبغي أن تُبنى على رؤية للمستقبل: شراكة في السياسة والمعرفة والتنمية، وتعاون بين الشعوب والأحزاب والمؤسسات، وإسناد متبادل في معركة بناء عالم أكثر توازناً وعدالة، فالقضية في النهاية ليست فقط، أين ستكون فلسطين في النظام الدولي الجديد؟ بل السؤال الأهم: أي نظام دولي نريد أن يأتي به هذا التغيير؟.
وتابع د. مجدلاني خلال الندوة التي نضمتها الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد في مقر متحف ياسر عرفات بقاعة المنتدى، بعنوان “السياسة الخارجية الصينية الناعمة في ظل المتغيرات الدولية: فلسطين نموذجاً”، بمشاركة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين سون تشن، وعددا من اعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واعضاءاللجنة المركزية لحركة فتح، والشخصيات الوطنية والاعتبارية، أن أحد الأخطاء في قراءة صعود الصين يتمثل في اختزاله في سؤال القوة: كم تملك من الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات العسكرية؟ بينما السؤال الأهم هو: ماذا يعني أن تنتقل الصين من موقع القوة الصاعدة إلى موقع القوة القادرة على التأثير في قواعد النظام الدولي وفي طريقة تعريفه لموازين القوة والعلاقات بين الدول؟.
وأشار د. مجدلاني دولة فلسطين هي المثال الأكثر وضوحاً على هذه المفارقة، فالمشكلة الفلسطينية ليست أن العالم لا يعرف القانون الدولي، بل إن النظام الدولي يعرفه، لكنه لا يمتلك دائماً الإرادة السياسية أو القدرة على إنفاذه، ولذلك فإن السؤال الفلسطيني، في أحد أبعاده الأساسية،لا يتمثل فقط في كيفية إنهاء الاحتلال، وإنما أيضاً في كيفية جعل القانون الدولي أكثر قدرة على مقاومة منطق القوة، وأكثر إنصافاً للشعوب الواقعة تحت الاحتلال والاستعمار.من هنا تأتي أهمية الصين بالنسبة لنا، فالصين لا تكتسب أهميتها بالنسبة إلى فلسطين لأنها قوة كبرى فحسب، وإنما لأنها تمثل أحد أبرز المتغيرات في إعادة توزيع القدرة على التأثير في النظام الدولي، وهي تتحرك في فضاء واسع من العلاقات مع الغرب والشرق، ومع القوى الكبرى ودول الجنوب العالمي، ومع العالم العربي وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.


منوها أن المكانة تمنح السياسة الصينية وظيفة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، وتتيح لبكين أن تكون طرفاً مؤثراً في النقاش حول قواعد النظام الدولي، وليس مجرد طرف في عملية توزيع النفوذ داخله، ومن المهم هنا أن نقرأ السياسة الخارجية الصينية في ضوء مفهوم القوة الناعمة، لا باعتبارها بديلاً عن القوة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وإنما باعتبارها أحد مكونات القدرة الشاملة للدولة، فالصين استطاعت خلال العقود الماضية أن تبني حضوراً دولياً لا يعتمد فقط على حجم اقتصادها أو قدراتها المادية، بل يستند أيضاً إلى شبكة واسعة من العلاقات والشراكات، وإلى الدبلوماسية، والتعاون التنموي، والتبادل الثقافي، والتواصل بين الشعوب والأحزاب، والانفتاح على دول الجنوب العالمي.
مشيرا د. مجدلاني أن مفهوم «دبلوماسية الدولة الكبيرة» في التجربة الصينية يستحق التأمل؛ ليس باعتباره أداة للنفوذ الصيني فحسب، وإنما باعتباره محاولة لربط القوة الاقتصادية والسياسية والحضارية والدبلوماسية ببناء فضاء واسع من الشراكات والتأثير. وبالنسبة إلى فلسطين، تكمن أهمية ذلك في أن قضيتنا تحتاج إلى تغيير البيئة الدولية التي سمحت باستمرار الاحتلال، لا إلى إدارة نتائج الاحتلال فقط، فلقد كانت العلاقات الفلسطينية – الصينية، تاريخياً، من العلاقات التي جمعت بين التضامن السياسي والتواصل بين الشعوب وحركات التحرر الوطني، وقد وقفت الصين إلى جانب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في مراحل مختلفة، وتطورت العلاقات الرسمية بين الجانبين وصولاً إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، كما شهدت السنوات الأخيرة زخماً مهماً في الحوار السياسي والتعاون بين فلسطين والصين.


قائلا نرى أن هذه العلاقة تمتلك إمكانات أوسع بكثير من بعدها الدبلوماسي التقليدي، فالعلاقات الفلسطينية – الصينية يمكن أن تشكل إطاراً للتعاون في مجالات السياسة والتنمية والتعليم والثقافة والتكنولوجيا، إلى جانب تطوير الحوار بين المؤسسات والأحزاب والقوى السياسية، بما يعزز الفهم المتبادل للمصالح والتجارب الوطنية. ولهذا فإننا لا نريد للصين أن تكون مجرد دولة تؤيد فلسطين في البيانات والمحافل الدولية، رغم أهمية هذا الموقف السياسي، بل نتطلع إلى أن يتحول ثقلها الدولي المتزايد إلى قدرة سياسية أكبر على التأثير في اتجاه النظام الدولي نحو تطبيق أكثر اتساقاً للقانون الدولي، وفي مقدمة ذلك إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
موضحا د. مجدلاني إن إعادة إعمار قطاع غزة لا ينبغي أن تُفصل عن السؤال السياسي، فإعادة بناء ما دمرته الحرب ضرورة إنسانية ووطنية، لكن إعادة بناء المكان من دون تغيير شروط إنتاج الكارثة تعني أننا نعالج آثار المشكلة ونترك أسبابها قائمة، فغزة لا تحتاج إلى إعادة إعمار مادي فقط، بل تحتاج إلى إعادة تأسيس شروط الحياة السياسية والوطنية التي تجعل الإعمار جزءاً من طريق الخروج من الاحتلال، لا وسيلة للتكيف معه. وهنا تلتقي المسؤولية الدولية مع المسؤولية الفلسطينية.
ولا يمكننا أن نطالب العالم بتغيير موازين النظام الدولي بينما لا نعمل نحن على تغيير شروط قوتنا الوطنية. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً أخلاقياً، وإنما شرط من شروط القوة السياسية، وتجديد منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة بناء مؤسساتنا على أسس ديمقراطية، وإنهاء الانقسام، ليست قضايا داخلية منفصلة عن السياسة الدولية، بل هي جزء من قدرتنا على التأثير فيها والاستفادة من التحولات الجارية في النظام الدولي.
وأضاف د. مجدلاني ومن هذا المنظور أيضاً، تصبح العلاقات الفلسطينية – الصينية أوسع من بعدها الرسمي والدبلوماسي، فالعلاقة مع الصين يجب أن تنتقل من رصيد تاريخي من التضامن إلى شراكة أكثر إنتاجاً للمعرفة والقدرة، وأن تتحول الخبرة المتبادلة إلى أدوات عملية في التنمية وبناء المؤسسات وتعزيز القدرة الوطنية، كما أن العلاقات بين القوى السياسية الفلسطينية والحزب الشيوعي الصيني يمكن أن تشكل مجالاً للحوار حول الدولة والتنمية والتحرر الوطني، وتجارب بناء المؤسسات، ومستقبل اليسار، والتحولات التي يشهدها العالم، وليس مجرد إطار لتبادل الزيارات والمواقف.


مؤكداً أننا في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني لا ننظر إلى التجربة الصينية بوصفها نموذجاً جاهزاً للنقل أو الاستنساخ، فما يهمنا فيها هو منهج التفكير: كيف تحولت الإمكانات الوطنية إلى مشروع طويل المدى؟ كيف أصبح التخطيط والتنمية والعلم والتكنولوجيا أدوات للاستقلال والقوة؟ وكيف استطاعت الصين أن تقرأ العالم من موقع مصالحها الوطنية من دون أن تعزل نفسها عنه؟ زنحن لا نريد أن نقلد الصين؛ بل نريد أن نتعلم كيف تصنع الدول شروط قوتها، وكيف تحول إمكاناتها الوطنية إلى قدرة على التأثير، وربما يكون هذا هو الدرس الأهم بالنسبة إلينا: لا توجد سياسة خارجية قوية من دون قاعدة وطنية قوية، ولا يمكن لشعب أن يستفيد من التحولات الدولية إذا لم يمتلك القدرة السياسية والمؤسسية على استثمارها.
واختتم د. مجدلاني قائلا أن دولة فلسطين اليوم أمام عالم يتغير، لكن التغير وحده لا يصنع العدالة. وما يعنينا في الصعود الصيني ليس أن يستبدل مركز دولي مركزاً آخر، وإنما أن يفتح التحول في ميزان القوة إمكانية لإعادة تعريف العلاقة بين القوة والقانون، وبين الدولة والتنمية، وبين السيادة والاستقلال، وبين الأمن وحقوق الشعوب، وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل ستصبح الصين قوة أكبر؟ فهذا يكاد يكون واقعاً قائماً، وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: كيف ستستخدم الصين وزنها المتزايد؟ وكيف ستستخدم فلسطين التحولات الدولية المتاحة أمامها؟

Exit mobile version