لندن / نشرت صحيفة “ذي غارديان” البريطانية اليوم الجمعة تحليلا كتبه ديفيد هيرست عما وصفه بالصراع الداخلي على السلطة في المملكة العربية السعودية، قائلاً ان المضاعفات التي اعقبت “الانقلاب” في مصر ما هي الا بداية مشكلات المملكة العربية السعودية في الخارج وان جوهر المشكلة قد يكون المناورات القديمة الطراز في البلاط الملكي. وهنا نص التحليل:
“لا تنتهي هذه السنة نهاية سعيدة بالنسبة الى ثلاثة رجال من الاسرة الملكية السعودية كانت بصمات اصابعهم مطبوعة على كل انحاء الانقلاب العسكري في مصر – الامير بندر، الرئيس الحالي للمخابرات، والامير مقرن، رئيس المخابرات الذي حل (بندر) محله، وهو طامح الى ولاية العهد، وخالد التويجري رئيس الديوان الملكي وحاجب الملك.
صار بندر هدفاً لانتقاد نادر في الصحافة السعودية. وقد تم التعبير عنه مواربةً ولكن لا لبس في انه انتقاد. وعندما نشر الكاتب والصحافي السعودي ذو الصلات الواسعة جمال خاشقجي في صحيفة “الحياة” عن انه لم يعد “رجال الاستخبارات المحلية والعالمية” قادرين على تغيير التاريخ، وتأسيس الدول وصناعة زعماء جدد، فهم كثير من قرائه انه يستهدف بندر.
وقال خاشقجي في مقاله: ” لكن البعض لا يتعلم ويصر على أن ثمة صفقات يمكن أن تعقد، وهناك قطاعات شعبية واسعة لا تزال تعتقد أنها مجرد “أحجار على رقعة الشطرنج” – هذا كتاب آخر ينبغي التوقف عن قراءته – فتجلس مستكينة تنتظر ما يقرر لها، فيسارعون بقبول ما يروجه كتاب أعمدة ومحللون سياسيون أن ثمة صفقة سياسية كبرى تحاك في عواصم عدة محورها إيران، في مقابل مصالحة تاريخية بينها وبين الغرب تتنازل بها عن مشروعها النووي ولو في شكل موقت، وتوجيهه تماماً نحو إنتاج الطاقة فقط، فتُترك لها سورية منطقة نفوذ، ويعاد تأهيل النظام هناك في شكل أو آخر.
“من الخطأ معاندة قوة التاريخ بوهم أن الأقوياء يستطيعون عقد الصفقات وتخطيط المستقبل بعيداً من الشعوب التي سمحت انقساماتها وقلة خبرتها بالديموقراطية في أن تعبث بها القوة المتماسكة محلياً وإقليمياً ودولياً، إلا أنها لا تزال في حال سيولة وغليان أحياناً. إنها تعرف ما تريد، ولكنها مرتبكة حياله، ولن تقبل بالتأكيد بفاتح يأتيها على حصان أبيض، يقودها نحو فجر مشرق جديد… لقد انتهى عصر الرجل الواحد”.
بمعايير الصحافة السعودية يعتبر هذا مقالاً جريئاً. انه انعكاس للتوترات بين امراء متنافسين في العائلة السعودية والسياسات التي يروج لها بعدوانية بندر ومجموعته التي تشمل وزير الخارجية الحالي. ولا تسير اي من هذه السياسات بنجاح، وهي كلها متداخلة.
وما تزال مصر التي كان من المفترض ان تهدأ فيها الامور منذ عدة اشهر، في حالة من الهيجان. وقد وصفها هيلير، المحلل في معهد الخدمات الملكية المتحدة ومقره القاهرة، والذي انتقد بشدة فشل الرئيس محمد مرسي في ادارة منصبه، الاحداث منذ انقلاب تموز (يوليو) بانها اكثر عميات القمع الحكومية عنفا ضد المصريين في تاريخ مصر المعاصر.
كما انها مكلفة. فالمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة تقومان بتمويل دولة مشلولة. وقد تسبب الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس وزراء الامارات، بفرقعة خلال زيارة رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي، بقوله ان مساندة العرب لمصر ليست بلا نهاية. وكانت اخر دفعة من المعونات بقيمة 3.9 بليون دولار من الامارات مثل نقل دم الى مريض ينزف باستمرار.
ان مشاكل مديونية مصر (عندما عزل مرسي كان المديونية الخارجية والمحلية تعادل 89 في المائة من اجمالي الناتج العام المصري) لن تساعد في حلها عملية “السعودة” – اي محاولة تخفيض نسبة البطالة في البلاد بتخفيض عدد العمال الاجانب، الذين يبلغون حوالي 9 ملايين شخص. اذ غادر المملكة مئات الالاف من العمال بالفعل نتيجة الاجراءات المتشددة التي فرضتها السلطات السعودية بشأن التأشيرة على العمال غير المسجلين. وفي اشتباكات وقعت في مدينة الرياض قتل ثلاثة عمال اثيوبيين.
غير ان هناك على الاقل 700 ألف مواطن مصري، اي ربع الـ 2.5 مليون عامل مصري في الخارج، يواجهون الإبعاد كذلك. ويوفر هؤلاء عوائد يحتاج اليها لاقتصاد المصري المجمد حاجةً ماسة، وكانوا احد الاسباب التي دعت مرسي لان يلتزم الهدوء في ما يتعلق بدور دول الخليج في زعزعة فترة حكمه.
وبالنسبة الى الامير بندر فان مصر ليست الجبهة الوحيدة التي سارت فيها الامور على غير ما يرام. فاذا كانت المملكة لم تحاول بجد اخفاء خيبة أملها عندما قرر الرئيس الاميركي باراك اوباما عدم قصف قوات بشار الاسد في سوريا بعد الهجوم الكيميائي، فان التفاؤل الحالي الذي يهيمن على محادثات الدول الست مع ايران في جنيف واحتمالات التوصل الى تفاهم غربي مع طهران، تبشر بما هو اسوأ بالنسبة الى المملكة. وفي ما يلي سبب ذلك:
ان دعم المملكة السعودية للانقلاب العسكري في مصر ترك اثره على العلاقات مع دولة اقليمية مهمة اخرى – وهي تركيا، المثال الحي للاسلام السياسي الذي يتحقق في دولة علمانية. وحكومة حزب العدالة والتنمية التي تسيطر على تركيا كانت سندا قويا للمخلوع مرسي ولتونس حيث حكومة ائتلاف الاخوان المسلمين ما تزال تصارع من اجل البقاء. وكان من نتيجة قرار السعودية التخلي عن مرسي اندفاع تركيا الى احضاء عدوة الرياض اللدودة: ايران. فقد دعا الرئيس التركي عبد الله غول نظيره الايراني حسن روحاني لزيارة تركيا بصفة رسمية. ووصف وزير الخارجية الايراني المعتدل جواد ظريف العلاقات الايرانية التركية بانها “عميقة الجذور واخوية”.
وحرب بندر ضد الاسلام السياسي اخذت تظهر على الحدود السعودية المضطربة مع اليمن. فالحاجة لمكافحة تقدم جماعة الاصلاح الاسلامية في اليمن، حملت السعودية على دعم الميلشيات الحوثية – التي دخلت المملكة في حرب معها في وقت سابق. وسافر احمد حبري، وهو احد البارزين في جماعة الحوثيين، عبر لندن للقاء رئيس المخابرات السعودية.
ويعود التوتر داخل المملكة وخارجها الى حقيقة سياسية مركزية واحدة: وهي الجماعات المتنافسة داخل العائلة الملكية السعودية سعيا وراء جلب اهتمام العاهل الكهل. وحسب ما هو عليه الوضع حاليا فان ولي العهد هو الامير سلمان، الذي يقال انه يعاني من الخبل. وقد رشحه العاهل السعودي الحالي، وهذه هي اخر مرة يستطيع فيها الملك ان يرشح خليفة له. واذا انتقل الحكم الى سلمان، فان هيئة يطلق عليها اسم مجلس البيعة ستقوم بترشيح ولي عهده.
وهذا المجلس يفضل منافسا لمجموعة بندر. وهو الامير احمد، اصغر الاخوة السديريين، الذي يبدو انه يعارض الاتجاه الذي تميل اليه مجموعة بندر في السياسة الخارجية السعودية. ولتحاشي ذلك فان مجموعة بندر تحاول اقناع الملك بان يعين مرشحهم الامير مقرن بدل سلمان وليا للعهد، وبذلك يتجاوزون متاعب مجلس البيعة.
ويمكن للدسائس داخل القصر الملكي ان تشرح السبب في ان السياسة الخارجية السعودية، التي عادة ما تكون محاطة بالكتمان والحذر ويجري التخطيط لها خلف ستار الى حد كبير، اضحت علنية بهذه الصورة. وقد يكون مرد ذلك بأكمله، نتاج هاجس الملكية المطلقة – المعركة من اجل الخلافة.
غير ان هناك على الاقل 700 ألف مواطن مصري، وهو ربع الـ 1.5 مليون عامل اجنبي مصري، يواجهون الإبعاد كذلك. ويوفر هؤلاء عائدا تدعو اليه حاجة ماسة للاقتصاد المصري المجمد، وكانوا احد الاسباب التي دعت مرسي لان يلتزم الحيطة فيما يتعلق بدور دول الخليج في زعزعة الفترة التي قضاها في منصبه.
وبالنسبة للامير بندر فان مصر ليست الجبهة الوحيدة التي حادت عن الطريق. فاذا كانت المملكة لم تحاول بجد اخفاء خيبة أملها عندما قرر الرئيس الاميركي باراك اوباما عدم قصف قوات بشار الاسد في سوريا بعد الهجوم الكيميائي، فان التفاؤل الحالي الذي يهيمن على محادثات الدول الست مع ايران في جنيف واحتمالات التوصل الى تفاهم غربي مع طهران، تبشر بما هو اسوأ بالنسبة للمملكة. وفيما يلي سبب ذلك.
ان دعم المملكة السعودية لانقلاب عسكري في مصر ترك اثره على العلاقات مع دولة اقليمية مهمة اخرى – وهي تركيا، المثال الحي للاسلام السياسي الذي يتحقق في دولة علمانية. وحكومة حزب العدالة والتنمية التي تسيطر على تركيا كانت سندا قويا للمخلوع مرسي ولتونس حيث حكومة ائتلاف الاخوان المسلمين ما تزال تصارع من اجل البقاء. وكان من نتيجة نأي السعودية عن مرسين اندفاع تركيا الى احضاء عدوة الرياض اللدودة: ايران. فقد دعا الرئيس التركي عبد الله غول نظيره الايراني حسن روحاني لزيارة تركيا بصفة رسمية. ووصف وزير الخارجية الايراني المعتدل جواد ظريف العلاقات الايرانية التركية بانها “عميقة الجذور واخوية”.
وحرب بندر ضد الاسلام السياسي اخذت تظهر على الحدود السعودية المضطربة مع اليمن. فالحاجة لمكافحة تقدم جماعة الاصلاح الاسلامية في اليمن، حمل السعودية على دعم الميلشيات الحوثية – التي دخلت المملكة في حرب معها في وقت سابق. وسافر احمد حبري، وهو احد البارزين في جماعة الحوثيين، عبر لندن للقاء رئيس المخابرات السعودية.
ويعود التوتر داخل المملكة وخارجها الى حقيقة سياسية مركزية واحدة : وهي الجماعات المتنافسة داخل العائلة الملكية السعودية سعيا وراء جلب اهتمام العاهل الكهل. وحسب ما هو عليه الوضع حاليا فان ولي العهد هو الامير سلمان، الذي يقال انه يعاني من الخبل. وقد رشحه العاهل السعودي الحالي، وهذه هي اخر مرة يستطيع فيها الملك ان يرشح خليفة له. واذا انتقل الحكم الى سلمان، فان هيئة يطلق عليها اسم مجلس البيعة ستقوم بترشيح ولي عهده.
وهذا المجلس يفضل منافسا لمجموعة بندر. وهو الامير احمد، اصغر اعضاء الاخوة السديريين، الذي يبدو انه يعارض الاتجاه الذي تميل اليه مجموعة بندر في السياسة الخارجية السعودية. ولتحاشي ذلك فان مجموعة بندر تحاول اقناع الملك ان يعين مرشحهم الامير مقرن بدل سلمان وليا للعهد، وبذلك يتجاوزون متاعب مجلس البيعة.
ويمكنان تفسر الدسائس داخل القصر الملكي السبب لماذا اضحت السياسة الخارجية السعودية، التي عادة ما تكون حصيفةً ويجري التخطيط لها خلف ستار الى حد كبير،مكشوفة بهذه الصورة. وقد يكون مرد ذلك بأكمله، نتاج هاجس الملكية المطلقة التقليدي – اي المعركة على الخلافة”.
القدس دوت كوم
