الرئيسية زوايا أقلام واراء دعونا لا نحتفل بهذه الصفقة الإيرانية.. ليس بعد … بقلم :آرون ديفيد...

دعونا لا نحتفل بهذه الصفقة الإيرانية.. ليس بعد … بقلم :آرون ديفيد ميلر

p20_20131125_pic6

 أصبحت لدينا صفقة، أخيراً بعد سنوات من البدايات الخاطئة، والاتهامات المتبادلة، والضغط المتصاعد باطراد، وافقت إيران أخيراً على القبول بالحدود الحقيقية لبرنامجها النووي. وفي بيانه الذي أصدره ليلة السبت وأعلن فيه عن الاتفاق، وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما ما تم بأنه “خطوة أولى مهمة”، وأعلن أن الدبلوماسية قد “فتحت طريقاً جديداً نحو عالم أكثر أمناً“.
وهذا شيء كبير – ربما يشكل خطوة تاريخية في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، هذان الخصمان اللذان خيم تنافسهما المرير على الشرق الأوسط طوال أكثر من عمر جيل. وفي حال أفضت هذه الاتفاقية المؤقتة إلى إبرام اتفاق نهائي يقوم بتجميد العمل في برنامج طهران للأسلحة النووية ويبقي عليه كذلك، فإنه سيستحق ثمن حرقة المعدة التي يسببها لكل من إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، وكونغرس الولايات المتحدة أيضاً.
لكنها ما تزال أمامنا طريق طويلة جداً لنقطعها حتى نصل إلى تلك الصفقة النهائية. وينبغي أن نكون حذرين وغير متعجلين في ارتداء قبعات الاحتفال وفتح زجاجات الشمبانيا – الآن على الأقل بأي حال. وإليكم خمسة أسباب لوجوب تأجيل الاحتفال:

1 – فقدان الحس بالإلحاح
إذا كان هناك ما يسمى “عقيدة أوباما،” فإنها تقوم على ما يلي: أخرجوا أميركا من الحروب المكلفة، ولا تدخلوها في حروب جديدة، واجعلوا الدبلوماسية هي التي تسم وضع الإعداد الافتراضي الأولي، وليس القوة العسكرية.
إن باراك أوباما هو رئيس ينفر جداً من المخاطر، خاصة عندما يأتي الأمر إلى أوضاع كان قد رسم بخصوصها علناً خطوطاً حمراء، وحيث تكون القوة مهددة – ضمنياً أو صراحة. في تلك الأوضاع، يبدو الرئيس مصمماً على الذهاب في أشواط بعيدة يعتد بها من أجل تجنب الاضطرار إلى بناء العمل على أساس تحذيراته الخاصة. كان هذا هو واقع الحال في قضية استخدام سورية للأسلحة الكيماوية، وفي موضوع إيران أيضاً.
لا يريد أحد حقاً خوض حرب مع إيران – ولا حتى إسرائيل نفسها. وليس أوباما بالتأكيد. وتوجد لدى الرئيس ثلاث لاءات مفضلة عندما يتعلق الأمر بإيران: لا ضربة عسكرية إسرائيلية، لا ضربة أميركية، ولا إنتاج لسلاح إيراني نووي في عهده.
هذا الثلاثي يمكن تحقيقه فقط من خلال خلق عملية مفاوضات تمنع إسرائيل من توجيه الضربة، وتجعل من غير الضروري أن تقوم واشنطن بفعل ذلك أيضاً. وتتقاسم إيران والولايات المتحدة الهدفين الأولين، ويبدو الرئيس مصمماً على ضمان أن يظلا موجودين على الصفحة رقم ثلاثة أيضاً.
تلك هي المسألة. ثمة رؤساء يفكرون بزيادات لأربع سنوات أو ثماني سنوات؛ والإيرانيون والإسرائيليون، إذا كان ذلك يهم، يفكرون بفترات أطول. ينبغي أن تكون إيران سعيدة بأن التهديد باستخدام القوة العسكرية ينحسر؛ أما إسرائيل، فغير سعيدة لنفس السبب. وفي حال لعبت إيران أوراقها بذكاء ولم تقم بإلقاء القضية النووية في وجه أوباما، فإن طهران تأمل بأن تخفت إلحاحية المجتمع الدولي في الضغط باتجاه المضي قدماً في العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ربما يلتزم الكونغرس الأميركي بالخط، لكن الروس والصينيين وآخرين كثيرين لن يفعلوا ذلك. وبمرور الوقت، سوف تقل فعالية العقوبات. لكن إيران، بعد أن أتقنت عملية كيفية صناعة الأسلحة، ستظل تمتلك دائماً هذه القدرة، وبحيث يمكن أن تتحول إلى تفعيلها في حال اختارت أن تفعل ذلك.

2 – حلفاء غاضبون (وكونغرس غاضب أيضاً)
إن تحديد المكان الذي تقف فيه في الحياة له صلة كبيرة بأين تجلس. إسرائيل هي قوة أصغر في جوار خطير؛ الولايات المتحدة هي كائن ضخم ليس له جيران مفترسون إلى شماله أو جنوبه، ولا أسماك إلى غربه وشرقه. وبينما قد يكون من الكثير جداً توقع الحصول على إجماع كامل في المواقف الأميركية والإسرائيلية حول إيران، فإن ما لدينا الآن هو صناعة حادث تحطم للقطار الدبلوماسي، فيما الولايات المتحدة تضغط قدماً باستخدام الدبلوماسية، بينما يمارس الإسرائيليون القنص من الخطوط الجانبية.
خلافاً لمسألة ليمان بروذرز، فإن العلاقة الأميركية الإسرائيلية تظل أكبر كثيراً من أن تفشل؛ ولكن، وإلى أن يتضح المكان الذي تتجه إليه هذه الاتفاقية المؤقتة، فإن دروب هذه العلاقة ستكون وعرة ومليئة بالصخور. سوف يتحدى الإسرائيليون الاتفاقية وسيدفعون باباً مفتوحاً أصلاً مع كونغرس أميركي متشكك بنفس المقدار – الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء – والذي يتطلع إلى مراكمة المزيد من العقوبات والضغط على إيران. سوف يتلاشى الأمل في إحراز تقدم يعتد به في موضوع القضية الفلسطينية. والسعوديون، القلقون أصلاً من سياسات الولايات المتحدة، من مصر إلى سورية، سوف يتساءلون بالمثل عما إذا كانت الولايات المتحدة، وهي البعيدة والمنفصلة عن مخاوفهم إزاء إيران، تفهم حقاً طبيعة منطقتهم.
يمكن أن يختلف الحلفاء. لكنه عندما يشعر اثنان من أقدم حلفاء أميركا وأوثق أصدقائها في الشرق الأوسط بأنه أصبح لديهما المزيد من المشترك مع بعضهما البعض أكثر مما لدى كل منهما مع الولايات المتحدة، وحول قضية أساسية تؤثر بوضوح على أمنهما أكثر من الأمن الأميركي، فإن تلك تصبح قضية خطيرة.

3 – إيران هي إيران
المشكلة الوحيدة في الرقص مع الدب، كما يقول مثل قديم، هي أنك لا تستطيع أن تفلت يديك عنه أبداً. وتشكل إيران شريكاً بالغ الإشكالية بالنسبة للولايات المتحدة، ويرجح أنها ستظل كذلك لوقت طويل قادم. إن القضية النووية لا يمكن تجزئتها بسهولة: هناك مزيد من المسائل التي تخص إيران، من دعمها للجماعات الإرهابية في الخارج، إلى سجلها السحيق الذي لا قاع له في مسألة حقوق الإنسان في الوطن، إلى دعمها للديكتاتور السوري الغارقة يداه في الدماء، بشار الأسد. وبذلك تظل إيران عالقة في مجموعة من السياسات التي – إذا وصفناها بلطف – لا يمكن بيعها بسهولة على الكابيتول هيل. وحتى لو كانت إيران جادة في موضوع حل القضية النووية، فإن سلوكها في مثل هذا العدد الكبير جداً من القضايا الأخرى يقف على طرفي نقيض مع مصالح الولايات المتحدة، بحيث إن نزعتها التعاونية المكتشفة حديثاً ستظل محلاً للشكوك والشبهات. ولأنها ستكون هناك حاجة إلى تحييد المتشددين الإيرانيين أنفسهم، فإن من المرجح أن تتواصل التصريحات القاسية المعادية لإسرائيل، من النوع الذي أطلقه المرشد الأعلى في الأسبوع الماضي، عندما وصف إسرائيل بأنها “كلب مسعور”. وسوف تعمل الجهود التي يبذلها الكونغرس الأميركي من أجل فرض عقوبات إضافية على دفع الملالي إلى ارتياد ذرى جديدة من التطرف الخطابي، وحسب.

4 – طغيان العملية
مهما كانت العيوب والنقائص، فإن المفاوضين ومسؤولي الولايات المتحدة سيصبحون جد مرتبطين بمفاوضاتهم واتفاقياتهم. سوف يصبح أولئك الذين جهدوا لإنتاج هذه الاتفاقية المؤقتة مستغرقين جداً فيما أنجزته أيديهم وسيتحركون بشراسة للدفاع عما أنجزوه. كنت قد رأيت هذا الفيلم واستسلمت لنفس هذه العواطف عدة مرات على مر السنين. إن العملية – بكل أصدائها التاريخية – سوف تتطلب شرعية وسلطة سوف تجعل الإدارة صلبة في مواجهة الحجج والأطروحات التي تشير إلى عيوبها وأوجه القصور فيها. وينجم جزء من ذلك عن الاعتقاد بأن أولئك “الداخليين” هم الذين يعرفون كم كان من الصعب إنجاز أي شيء في المفاوضات؛ وينجم جزء آخر من المنطق الذي يحتاجه المرء لكي يقارن الاتفاقية، ليس بالكمال، وإنما بالبديل: جهد إيران المتواصل لحيازة قدرة إحداث اختراق في التسلح النووي. أما أن الأعضاء الأربعة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا قد باركوا الاتفاق، فإن ذلك سيضفي عليه المزيد من الشرعية والسلطة. وكل ذلك سيمنح الولايات المتحدة مصلحة كبيرة في إبقاء العملية جارية، حتى فيما وراء الموعد النهائي في نهاية الستة أشهر المخصصة للتوصل إلى اتفاق شامل. حتى لو عمدت إيران إلى المراوغة وانتهكت بعض عناصر الصفقة، لأنه لن يكون هناك ضغط كبير وإغواء بمحاولة التشديد والفحص، وستتكيف الولايات المتحدة حتى مع خط عدم فرض تطبيق الاتفاق بصرامة.

5 – مشكلة الاتفاقيات المؤقتة
ربما يجلبنا هذا إلى أهم التحديات المتعلقة بالمسألة على الإطلاق. ربما تكون الاتفاقية المؤقتة التي تم التوصل إليها أخيراً إشكالية، لأنها لا تضع كوابح على بعض من أهم العناصر المقلقة الخاصة ببرنامج إيران النووي، وبالتحديد مسألة الحد من أجهزة الطرد المركزي والسعي إلى تحصيل ضمانات صارمة بحيث لا تستطيع إيران إعادة تحويل مخزون اليورانيوم المخصب لديها إلى مادة صالحة للاستعمال.
ولكن، ماذا لو تنتهي فترة الستة أشهر دون التوصل إلى اتفاق شامل؟ إن المنطق الكامن وراء عقد صفقة شاملة هو أن إيران سوف تصبح في هذه الفترة مدمنة على الاقتصاد الذي أعيد تنشيطه – سوف يتصاعد الضغط الشعبي فيما يتم خلق الوظائف، وتصبح السلع متوفرة وترى القيادة حسنات التخلص من المزيد والمزيد من العقوبات. لكن التوصل إلى اتفاق كاسح مع إيران، والذي يضع بقية أي احتمال لإعادة تشغيل برنامجها النووي مشروطاً بإزالة أكثر العقوبات قسوة عن القطاع المصرفي والنفطي، يبدو في هذه اللحظة افتراضاً خيالياً. ليس هناك الآن سوى الكثير من الشك وعدم الثقة فقط بين الولايات والمتحدة وإيران، ناهيك عن مكامن القلق السعودية والإسرائيلية، وضغوطات الكونغرس، وسياسات إيران الإقليمية، ورغبتها الخاصة في الاحتفاظ قدر الإمكان بالبنية التحتية المكلفة لبرنامجها النووي قائمة بأكبر قدر ممكن.
ثمة صفقة أقل محدودية – فلنقل، اتفاقية مؤقتة أخرى لضمان استمرار عملية التفاوض – والتي ربما تكون بديلاً أكثر عقلانية. أي مفاوضات هي التي استطاعت أبداً إنتاج اتفاق مثالي كامل؟ وحتى لو شهدت المفاوضات توافقاً شاملاً كحالة نهائية مرغوبة، هل تستطيع واشنطن وطهران تقديم لعبة نهاية تتخلى فيها إيران عن كل بنيتها التحتية النووية، وحيث ترفع الولايات المتحدة كل عقوباتها؟ على الأرجح، سيكون هدف المرشد الأعلى هو التخفف من أكبر قدر يستطيعه من العقوبات، بينما يحتفظ بأكبر قدر يستطيع الاحتفاظ به من برنامجه النووي، أيضاً. ونظراً لسياسات إيران الإقليمية المعروفة وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، فإنه يرجح أن الكونغرس لن يرغب في تخفيف العقوبات غير ذات الصلة بالمسألة النووية.
في نهاية المطاف، نحتاج إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا إزاء ما يمكن تحقيقه. إننا نحتاج إلى التوقف عن خداع أنفسنا بالاعتقاد بأن المفاوضات سوف تنتج اتفاقاً نهائياً سوف يضع نهاية لطموحات إيران في امتلاك قدرة الأسلحة النووية. لقد قطعت إيران شوطاً طويلاً جداً في برنامجها النووي، بحيث لا يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل أن تصلا أبداً إلى ذلك النوع من اليقين والقطعية إزاء إخلاصها في التخلص منه. ويبدو أن المدافعين عن إبرام صفقة مع إيران، بمن فيهم رؤوس ذكية وهادئة في إسرائيل، محقون في الاعتقاد بأن أفضل ما قد يكون المرء قادراً على فعله هو فرض المزيد من التأخير الزمني على ساعة برنامج إيران النووي، بحيث يصل العالم إلى درجة تحذير كافية لتعقب ومعالجة المسعى الإيراني نحو إحداث الاختراق والتسلح.
ليس ذلك شيئاً مريحاً بشكل كبير. لكن ذلك هو ما يحدث عندما يلعب الملالي لعبة شطرنج بثلاثة أبعاد بينما نلعب نحن الداما.
إن هذا الاتفاق أقل دعوة للقلق مما يعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكنه ليس ملزماً ومطمئناً بالقدر الذي يؤكده المسؤولون الأميركيون. وسوف يعتمد استخدامه لمصلحتنا على إبقاء العقوبات محكمة، ومراعاة إبقاء الخيار التدخلي الموثوق مطروحاً على الطاولة. وأخيراً، ينبغي محاولة تخمين ما سنفعله بعد ستة أشهر من الآن بالضبط إذا لم يتحقق التوصل إلى اتفاق شامل. ذلك سوف يساعد أيضاً.


(بوليتيكو ماغازين)ترجمة: علاء الدين أبو زينة – الغد الاردنية.

*نائب الرئيس للمبادرات الجديدة وهو مفكر بارز في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين. كتابه القادم هو: “هل يمكن أن يكون لأميركا رئيس عظيم آخر؟

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version