الرئيسية الاخبار جنوب السودان: كيف يدمر أحدث بلد في العالم نفسه؟

جنوب السودان: كيف يدمر أحدث بلد في العالم نفسه؟

219461

يلقي العنف الذي تفجر خلال الأسبوعين الأخيرين في جنوب السودان ظلالاً من الشك على مستقبل هذا البلد الوليد. ففيما تتسع رقعة القتال -هناك حوالي 500 قتيل سقطوا أصلاً في سيل التقارير عن عمليات قتل إثنية مريرة- يحذر المراقبون الأجانب من اندلاع حرب أهلية في البلد. وقالت مجموعة الأزمات الدولية التي تتخذ من بروكسيل مقراً لها يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي فيما كانت الاشتباكات مستمرة في طول البلاد وعرضها: “يبدو أن السيناريو الذي خشي منه الكثيرون، لكنهم لم يجرأوا على التأمل فيه، أصبح محتملاً على نحو مرعب: إن جنوب السودان، أحدث دولة في العالم، تبدو الآن على وشك الدخول في أتون حرب أهلية”. وقد استعر العنف في ولاية جونغلي الملتهبة، حيث تعرضت قاعدة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى هجوم قبل أيام، كما تقول وكالة رويترز للأخبار.
إن تأسيس دولة مستقلة لا يكون أمراً سهلاً أبداً، لكن جنوب السودان ربما يواجه وضعاً سيئاً بشكل خاص: فبتنحية التقارير عن الفساد المزمن أصلاً، يحتوي البلد على أعداد وفيرة من القبائل المتعادية، وهو معدم، ولا يطل على بحر، وغير متطور (شرع قبل عامين وحسب برصف طريق بطول 68 ميلاً في مساحة أرضية بحجم فرنسا)، بينما تعصف رياح التوترات الحارة والباردة (غالباً ما تكون حارة) بينه وبين جاره الشمالي، السودان. وبالإضافة إلى ذلك، وفيما يجب أن يكون للأفضل، لكنه يذهب إلى الأسوأ بالتأكيد، يتوافر جنوب السودان على النفط.
ما هو جنوب السودان؟
أصبح جنوب السودان بلداً في العام 2011، بعد إجراء استفتاء شهد دعم 99 % من المقترعين للاستقلال عن السودان. وعلى عكس الشمال المسلم في معظمه والمقترن بالعالم العربي بطرق عدة، يعد جنوب السودان مسيحياً بشكل رئيسي، أو “روحانياً”، وهو أكثر اقتراناً بجنوب الساحل الأفريقي. واللغتان الرسميتان فيه هما الإنجليزية والعربية، لكن مواطنيه البالغ عددهم حوالي 11 مليون شخص يتحدثون بأكثر من 60 لغة محلية.
البلد بالغ الفقر، ويقع بين الدول الأدنى في العالم من حيث مؤشرات التنمية البشرية. وعندما أصبح سيد نفسه، كان لدى نسبة لا تتجاوز 1 % من مواطنيه وصول إلى الكهرباء، وكان لديه أدنى معدل للقراءة والكتابة عند الإناث في العالم. ويعني افتقاره إلى أي بنية تحتية أساسية تقريباً أن التحسينات ما تزال بعيدة في المستقبل.
لكن هذا البلد يتوافر على مكامن اقتصادية ضخمة. فهو يجلس فوق ثلاثة أرباع الاحتياطات النفطية في السودانين -كان النفط يوفر في البداية 98 % من عوائد البلد- فيما يتدفق الاستثمار الأجنبي للمساعدة في الاستفادة منه. ويتمتع البلد أيضاً بوفرة في الماشية والأراضي الخصبة والخشب وقوى العمل -خاصة في أعقاب تدفق المهاجرين إليه من البلدان المجاورة.
إذن، هل يتخلى السودان عن جاره الجنوبي ببساطة؟
كلا. فثمة تمرد تشارك فيه عدة ميليشيات متنوعة من الثوار، والتي اشتبكت مع الخرطوم في أواخر الخمسينيات والستينيات، ثم استأنفت نشاطها ثانية في العام 1983، فيما يعد أطول صراع متواصل في أفريقيا، والذي خلف نحو مليونين ونصف المليون قتيل.
في العام 2005، وفيما تصاعد الضغط الدولي من أجل الحل وسط تقارير عن وقوع مجازر في إقليم دارفور، توصل الجانبان إلى اتفاقية تقضي بمنح الجنوب حكماً ذاتياً إلى أن يتم إجراء استفتاء. وهكذا، تحولت الحركة الانفصالية التي عرفت باسم “حركة تحرير شعب السودان” مع جناحها العسكري إلى النظام الرسمي للحكم الذاتي ثم إلى دولة مستقلة. ومنذئذٍ استعرت النزاعات حول الأراضي المتنازع عليها، وعلى الصادرات النفطية لجنوب السودان التي تتدفق عبر خطوط أنابيب السودان، بينما تظل معارك بالإنابة مستمرة بين مجموعات الثوار على كلا جانبي الحدود المتنازع عليها. لكنه تم تجنب نشوب الحرب الشاملة حتى الآن.
لكنهم الآن مستقلون. فما هو الاقتتال حول داخل جنوب السودان؟
أسفر السلام النسبي الذي عاشه السودان الجنوبي مع جاره في تعميق الانقسامات السياسية في البلد الجديد. وقد احتفظ الرئيس والسياسي الحاذق، سيلفا كيير، بمنصبه على رأس المؤسسة السياسية السودانية منذ العام 2005، رغم الكفاح المتنامي على السلطة في داخل حزب حركة تحرير شعب السودان. وفي تموز (يوليو)، اتخذ كير خطوة متطرفة تجسدت في إقصاء كل مجلسه الوزاري، بالإضافة إلى نائب الرئيس ريك ماشار الذي يعد مرشحاً رئاسياً للانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في العام 2015.
ليلة الأحد من الأسبوع الماضي، وفق كيير، قامت القوات الموالية لنائب الرئيس المبعد بانقلاب. وفي اليوم التالي، وجه كيير كلمة وهو يرتدي الزي العسكري -تحول من بذلته التقليدية وقبعة رعاة البقر الأميركيين ليصف ماشار بأنه “رسول الفشل”، وليعلن بعد يوم من القتال الذي أسفر عن مقتل 40 شخصاً على الأقل أن محاولة الانقلاب قد باءت بالفشل. وقالت الحكومة وقتها إنه تم اعتقال العديد من الأعضاء السابقين في المجلس الوزاري، وأدرجت أسماؤهم على الموقع الإلكتروني الرسمي.
لكن ماشار، اللاعب المشارك في السياسة الإقليمية لحوالي ثلاثين عاماً، نفى المشاركة في الانقلاب. بل إن نائب الرئيس السابق الذي يقول إنه موجود في جنوب السودان بدون الكشف عن موقعه بالضبط، اتهم الرئيس كيير باستخدام الاشتباكات بين الجنود ذريعة من أجل سحق المعارضة.
قال الرئيس إنه تم إفشال الانقلاب. فلماذا يستمر القتال؟
يتكون جنوب السودان من خليط من الهويات الإثنية والقبلية، بما فيها قبيلة الدنكا الرئيسية -التي ينتمي إليها كيير- وتعد قبيلة ماشار “النيور” هي الثانية من حيث الشعبية. وقد فاقم القتال الأساسي الانقسامات طويلة الأمد بين الجانبين، كما اندلعت الاشتباكات بين القوات العسكرية في عموم البلد. وغذت التقارير التي تحدثت عن عمليات قتل إثنية في جوبا المخاوف من أن البلد على وشك التفجر داخلياً، وهو ما دفع بنحو أكثر من 16.000 شخص للالتجاء إلى مجمع مكاتب الأمم المتحدة. ويوم الأربعاء من الأسبوع قبل الماضي، قالت الحكومة إنها فقدت السيطرة على بور، العاصمة المتوترة لولاية جونغلي، لصالح جنود ذكر أنهم موالون لماشار.
هل ينفجر البلد حقاً؟
يوم الخميس التالي، كانت العاصمة في معظمها تنعم بالهدوء، فيما قالت الحكومة إن النظام عاد رغم التقارير التي تحدثت عن قتال يجري في جونغلي. لكن مراقبين دوليين يحذرون من أن العنف يظل قادراً على تمزيق البلد إرباً. وقد دعت الأمم المتحدة التي تحتفظ بقوات حفظ سلام قوامها 8000 رجل في البلد إلى الدخول في حوار سياسي، فيما تحث الحكومات المجاورة -الواعية تماماً للتهديد الذي ينطوي عليه وجود جنوب سودان غير مستقر، على التزام الهدوء وضبط النفس. لذلك، قامت الولايات المتحدة، التي قامت بإجلاء كل موظفيها غير الأساسيين من جنوب السودان، بإرسال سفيرتها سوزان بيج للاجتماع مع كيير.
يقول دانيال بيكيل، مدير شؤون أفريقيا في منظمة هيومان رايتس ووتش: “إننا قلقون بعمق من أن تفضي الهجمات ذات الأساس الإثني على كل الأطراف إلى استدراج هجمات انتقامية والمزيد من العنف… ربما تكون التقارير الأخيرة المقلقة عن عمليات القتل مجرد قمة جبل الجليد وحسب“.

نوح رايمان – (مجلة تايم)
*
كاتب يتخذ من نيويورك مقراً له.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version