الرئيسية زوايا أقلام واراء إسرائيل والسلام: رؤية من الداخل … بقلم :د. ناجي صادق شراب

إسرائيل والسلام: رؤية من الداخل … بقلم :د. ناجي صادق شراب

السلام عملية معقدة ومتشابكة تتعلق بالتصورات والمدركات والصور التي تحملها الشعوب إتجاه بعضها البعض، ولعل من أصعب هذه الصور النمطية المتناقضة والتي تنفي كل منها الآخر الصورة التي يحملها اليهود إزاء الفلسطينيين ، وكذا الفلسطينيون ، فكل منهما يرى في الاخر عدوا له، ويحملون صورا عدائية ساهمت فيها حروب كثيرة ، وصراع دموي راح ضحيته مئات الآلاف من المدنيين، وتساهم فيه معتقدات دينية ، تعمق من الفجوة وتبعد أي إمكانية للسلام والتعايش.

وعلى الرغم من أهمية هذا البعد في الصراع توجد صورة أخرى قد تفسر لنا لماذا فشلت عملية السلام حتى الأن والتي بدأت منذ عام 1993، والتي لوتوفرت لها البيئة الدافعة والقوية لكانت كفيلة في إستئصال كثير من القيم والتصورات السلبية ، ولأوجدت قوى قوية ومؤثرة لتتبنى السلام خيارا بدلا من خيار الحرب والفناء.

وهنا تبدو أهمية معرفة من يصنع السلام؟ ومن يتحكم في قراراته في داخل إسرائيل؟

الإجابة على هذين السؤالين تفسر لماذا لم تستجب إسرائيل للسلام حتى الأن؟ وبصيغة أخرى عندما تتساءل من يتحكم في القرار السياسي في إسرائيل وخصوصا قرار السلام ، يبرز لنا دور العديد من القوى المهيمنة المتحكمة في صناعة القرار السياسي ، وتبرز لنا الجذور التي تكمن وراء المدركات والتصورات التي يحملها الإسرائيليون إزاء الفلسطينيون والعرب عموما.

والمفارقة السياسية انه بدلا من أن تنمو وتكبر النزعة نحو السلام نجد تنامي النزعة نحو الحرب بشن اكثر من حرب على الأراضي الفلسطينية، فإسرائيل تتعامل مع الأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني وسلطته بخيار الحرب والقوة وليس بخيار السلام، فزادت وتيرة الإستيطان والتهويد للأراضي الفلسطينية، وزادت نسبة الإعتقالات والإغتيالات، وإقتحام الأراضي الفلسطينية على مرأى من السلطة وأجهزتها لدرجة أنه قد صورتها وكأنها لا وجود لها، وهو الأمر الذي قد افقد الفلسطينيين الأمل في السلام ، وباتوا ينظرون إليه على انه مجرد وهم وسراب وخيال مع الواقع الإحتلالي الذي تمارسه إسرائيل.

وكان يمكن إن تكون النتيجة عكس ذلك تماما لوأن إسرائيل مارست خيار السلام ، لكان ذلك كفيلا بتنامي القوى المؤيدة للسلام فلسطينيا وخصوصا في السنوات الأولى التي لم يكن فيها تأثير للقوى المعارضة ، لكن الذي حدث هو فشل في عملية السلام مما أدى إلى تنامي القوى المعارضة في كلا الجانبين مع تنامي الإتجاهات والقيم التي تدعو للقتل بدلا من السلام.

وبقراءة سريعة لمكونات المجتمع الإسرائيلي والقوى المتحكمة في صناعة قرار السلام والحرب ، نجد على رأس هذه القوى النخبة العسكرية وسيادة نزعتها العسكرية، فإسرائيل وبحكم نشأتها التاريخية تحكمها مجموعة من النخبة العسكرية والإستخباراتية ، وبتحليل التكوين السياسي لهذه النخبة وفكرها نجدها تتبنى مواقف متشددة إزاء عملية السلام ، وتميل لخيارات الحرب ، وتفضيل السياسات الأمنية، والتسلح وفرض سياسات القوة ، والإعتماد على القدرات الذاتية العسكرية على أي إعتبارات أخرى .

ولقد ساهم المؤسسون الأوائل وعلى رأسهم بن غوريون في التاصيل لهذه النزعة العسكرية ، من خلال توسيع حدود الدولة وضم مزيد من الأراضي، ولعبت الخبرة التاريخية دورا في هذه النزعة ، ومن أقواله إما أن تبقى إسرائيل قوية ، وإما أن تباد كما في عهد هتلر، وهذا الذي يفسر لنا حرص إسرائيل على بناء دولة عسكرية قوية ، وإمتلاكها لكافة ألأسلحة بما فيها القوة النووية ، والحيلولة دون بروز أى دولة أخرى قوية ، لأن هذا يشكل تهديدا لها .

وبفضل هذه النزعة تنامت المؤسسة العسكرية لتصبح المؤسسة الأقوى في إسرائيل ، وعلى الرغم من مدنية النظام السياسي في إسرائيل ، وتبعية العسكر للساسة إلا أن الحقيقة من يحكم إسرائيل هم العسكر ولو بزي مدني.ويمتد تاثير المؤسسة العسكرية إلى تحكمها أيضا في الحياة الإقتصادية ، وبموازنتها الضخمة . وهذا ما يفسر لنا ايضا صعود الجنرلات للحكم في إسرائيل ، فالإسرائيليون لا يثقون كثيرا في الرؤساء ذوى الخلفية المدنية ، وذلك بسبب التربية العسكرية للإسرائيليين منذ الصغر.

وعليه متى يمكن أن نرى إحتمالات السلام عندما يعتقد العسكريون في اهمية السلام كخيار إستراتيجي لأمن وبقاء إسرائيل، وهذا ايضا الذي يفسر لنا لماذا يتم الربط بين السلام والأمن، وليس السلام مقابل السلام ،فالعقلية التي تحكم عقلية عسكرية أمنية ، ومن هنا الربط بين السلام والأمن.

وإلى جانب هذه النخبة التي مازالت ترى السلام بعيدأ تلعب قوة المستوطنين الذين بات لهم دور مؤثر وحاكم في إسرائيل من خلال تشكيل أحزابا سياسية نجحت في الوصول للحكومة ، وفي الحصول على عدد من مقاعد الكنيست يتحكم في مصير أي حكومة مثل حزب بيتنا ، والبيت اليهودى وهي أحزاب إستيطانية ، وبتحليل عقلية المستوطنون يمكن الوقوف على دور القوى المعارضة للسلام ، ويقف على جانب هاتين القوتين القوى الدينية والتي تغذي الإتجاهات المتشددة والرافضة ، والحاقدة على الفلسطينيين. وفي هذا السياق العام تأتي القيادة السياسية غير القادرة على إتخاذ قرار السلام .

القدس دوت كوم .

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version