القاهرة –الروائيون يجتهدون من أجل اكتساب الخبرة البشرية. يبحثون عن شخصيات ربما تزودهم بالإلهام. ويذهبون إلى أماكن غير اعتيادية من أجل جمع المادة الضرورية لرواياتهم. لكنني محظوظ بأنني لم أكن مضطراً للقيام بهذه المغامرات، لأنني روائي وطبيب أسنان معاً. ومهنة طبيب الأسنان تمكنه من رؤية الكثير جداً من النماذج البشرية المتنوعة، بحيث تشبه عيادته أحياناً كواليس مسرح، حيث المؤدون لا يعودون يمثلون، ويكونون بلا أزياء ولا ماكياج.
عالجت أسنان الآلاف من الناس، من أفقر الفلاحين، إلى سيدات المجتمع ووزراء الحكومة، وأنا أتعلم دائماً شيئاً جديداً عن السلوك البشري.
وزير الحكومة في مصر لا يذهب إلى طبيب الأسنان وحده. بدلاً من ذلك، تتشمم حاشية من الموظفين المتملقين جميع أنحاء العيادة مثل الكلاب البوليسية للتأكد من أن كل شيء هناك كما ينبغي أن يكون.
هذه الدراما الرخيصة تجسد فلسفة الحكم في الأنظمة الديكتاتورية، التي يأتي فيها الولاء دائماً قبل الكفاءة كشرط للترقية.
كنت أعمل طبيباً للأسنان في مؤسسة حكومية. وذات يوم، كنت على وشك تركيب حشوة لأحد الموظفين، بعد أن وضعت سداً مطاطياً على فمه، حين انفتح الباب ودخل سكرتير المدير ليخبرني بأن الرئيس الكبير كان في طريقه إلى العيادة لإلقاء نظرة على أسنانه.
“المدير ليس لديه موعد،” قلت بهدوء.
قال وهو يرمقني بشك: “لا يحتاج المدير إلى أن يكون لديه موعد. أرجو أن تتخلص من هذا المريض حتى تستطيع رؤية المدير“.
قلت له بغضب: “لم أنته من هذا المريض بعد، لا أعتقد أنك تفهم أن المدير هو مجرد مريض هنا“.
حدق السكرتير في وجهي مندهشاً، ثم غادر، وأغلق الباب وراءه. أدركت أنني كنت في معضلة، لكنني لم أكن خائفاً. ولم أكن نادماً على تمسكي بالمبدأ.
مع ذلك، كنت قد نسيت خلال نقاشي مع السكرتير أمر المريض والسد المطاطي على فمه. كان يغرغر ويشير بيديه وهو يحاول أن يقول لي شيئاً. وفي اللحظة التي أزلت فيها سد المطاط، قفز عن الكرسي. وهتف: ” يا دكتور، لقد أخطأت. يحق للمدير أن تفحصه متى ما أراد ذلك، وأنا أتخلى عن موعدي معك له“.
ولم ينتظر المريض جوابي، وإنما اندفع خارجاً من غرفة العيادة، وتجويف ضرسه شاغر. واعتذر من المدير وقاده إلى غرفة المعالجة.
كان ذلك درساً لي حول كم هو الدفاع عن حقوق الناس الذين عاشوا في ظل القمع منذ الأزل صعب وفاشل في العادة.
ثمة مسألة أخرى أواجهها بشكل متزايد، هي أنه وفقاً للتفسير الوهابي للإسلام، والذي يصبح أكثر نفوذاً في مصر باطراد، يجب على النساء تغطية وجوههن بالنقاب، وأن لا يكون لهن أي تعامل مع الرجال -حتى لتلقي العلاج الطبي. مهما قد تكون المرأة مريضة، يجب أن تراها طبيبة أنثى، حتى لو كانت أقل خبرة من زميلها الرجل.
ذات مرة، جاءت لزيارتي امرأة منقبة. كانت برفقة زوجها الملتحي الذي تفحصني أنا والعاملين معي كما لو كنا خاطفين محتملين.
طلبت إلى المريضة أن تجلس في الكرسي. وزوجها الذي أصر على الوقوف بجانبها، قال فجأة: “إذا كنت تحتاج لأن تزيل زوجتي نقابها، فيمكنك البقاء –لكن على الآخرين مغادرة الغرفة على الفور“.
أجبته: “هؤلاء الذين في الغرفة ليسوا هنا لينظروا إلى وجه زوجتك، إنهم مساعدو طب الأسنان، وهم لا غنى عنهم. وعلاوة على ذلك، إذا تبين أن لدى زوجتك عصب مكشوف، فإن الذي سيعالجها هو المتخصص لدينا، وهو مسيحي“.
تلفظت بهذه العبارة الأخيرة بتأنق درامي، ثم تراجعت. أمسك الرجل بزوجته كما لو أنه سيغادر، ولكنها –لدهشتنا- رفضت المغادرة.
تبادلا الهمسات، التي تحولت إلى الصراخ، وفهمنا أن المرأة المسكينة كانت تشعر بالأسى من حقيقة أن وجهات نظر زوجها المتطرفة تمنعها من الحصول على العلاج.
جعلني ذلك أدرك أن العديد من النساء اللواتي نعتبرهن أصوليات هن ببساطة أسيرات لتزمت أزواجهن.
ذات مساء، جاء لزيارتي رجل يعاني وجعاً في الأسنان؛ ورأيت في ملفه أنه كان ضابطاً في الشرطة السرية.
مقر أمن الدولة في القاهرة هو مكان قاتم، حيث تعرّض عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين للتعذيب على مدى 30 عاماً من نظام مبارك.
كان الضابط يعاني من خراج سن فاسد، والذي بذلت عناية فائقه لاستخراجه دون ألم. وقد استرخى وجه الضابط. ولكن، عندما صافح يدي بحرارة، لم أتمكن من السيطرة على نفسي.
سألته: “لماذا تعذب المعتقلين، أليسوا من لحم ودم؟ ألا يستحقون بعض الاحترام؟“.
تغيرت تعابيره. وردّ نابحاً في وجهي على الرغم من قطعة القطن في فمه: “إنهم خونة تدفع لهم المنظمات الأجنبية من أجل تخريب الدولة. في رأيي، هم لا يستحقون أي حقوق، لأنهم ليسوا بشراً من الأساس“.
يحتاج الجلاد دائماً إلى نزع صفة الإنسانية من ضحاياه، وإلغاء فرديتهم. ويجعل تصورهم ككتلة معادية وخطرة وغير متبلورة من الأسهل عليه تعذيبهم، أو حتى قتلهم دون أن يعاني من تأنيب الضمير.بعد 30 عاما من ممارسة طب الأسنان والكتابة، لم أعد مقتنعاً بأنهما مهنتان منفصلتان تماماً.
إن طب الأسنان يخلص الناس من آلامهم، والكتابة تنقل الألم والحزن الإنساني إلى القراء في محاولة لجعلهم يصبحون أكثر إنسانية، أكثر حساسية وانفتاحاً، أقل ميلاً إلى التسرع في الحكم على الآخرين، وأكثر قدرة على فهم مواطن ضعفهم، وأكثر تسامحاً مع أخطائهم.
إنهما تعالجان موضوعاً واحداً: الإنسانية.
طبيب أسنان وروائي مصري، مؤلف رواية “بناية يعقوبيان“.
(نيويورك تايمز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الأردنية
