
نادراً ما تكون المحاكمات الكبيرة في تركيا خالية من نوع ما من المكائد السياسية، لكنه أصبح واضحاً الآن أن فضيحة الفساد الهائلة الأخيرة التي تشمل عشرات عدة من الناس المقربين من قمة نخبة السلطة التركية، بمن فيهم أعضاء في الزمرة الشخصية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، يمكن أن تضع نهاية لحدث مفصلي في تاريخ تركيا الحديثة.
ومع أن المراقبين المطلعين يتفقون بشكل عام على أهميتها، لكن هناك صمتاً مريباً يحيط بالأحداث المتصلة بها في وسائل الإعلام السائدة ومناطق القرار الضبابية. وقد يكون ذلك مفهوماً جزئياً، لأن فضيحة الفساد عرت أيضاً الفشل الذريع لسياسة إدارة أوباما تجاه أنقرة -السياسة القائمة على افتراض آمل بأن تكون تركيا ديمقراطية إسلامية ناجحة، ومثالاً يمكن أن تتمثله دول مسلمة أخرى. هذا الأمل المتفائل والواهم هو الذي كان قد دفع بوزيرة الخارجية هيلاي كلينتون إلى الإطراء على حكومة إردغان بسبب تحقيقها “تقدماً هائلاً في حرية التعبير وحرية الدين وحقوق الإنسان” في آذار (مارس) 2009، تماماً في الوقت الذي كانت فيه تركيا في خضم أكبر حملة في العالم لسجن الصحفيين.
تؤكد التسريبات من التحقيقات بما لا يقبل الشك تحوُّل حليفنا في حلف الناتو إلى راع للجهاديين في سورية، ومتواطئ مع النظام الإيراني في الوقت نفسه. وفي الفترة الأخيرة فقط، يوم 14 كانون الثاني (يناير)، أغارت وحدات الشرطة التركية على مكاتب مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية -وهي جماعة مرتبطة بالجهاديين السوريين، ومعروفة بأنها صديقة لإدروغان بسبب انخراطها في قضية أسطول غزة. وقيل إنه كان من بين المعتقلين اثنان من ناشطي القاعدة الرئيسيين؛ أحدهما معتقل سابق في خليج غوانتانامو. وبعد ساعات من الاعتقالات، قامت حكومة إردوغان بطرد اثنين من قادة الشرطة الذين أداروا الغارات من عملهما (في الفصل الأخير فقط من حملة فصل شملت أكثر من 500 من ضباط الشرطة والمدعين العامين، والتي انطلقت منذ بدء التحقيقات في قضية الفساد الأخيرة).
يكفي هذا الحادث لتأكيد تعاطف إردوغان الذي ما يزال قوياً مع الإسلاموية الراديكالية والإرهاب الجهادي، لكنه يلمح أيضاً إلى مشكلة خطيرة تواجهه: إن التحالف الذي دعم حملة الأسلمة يمكن أن يكون بصدد الانشطار إلى اثنين.
على نحو غير متوقع، يوم 25 كانون الأول (ديسمبر)، اضطر وزير البيئة والتخطيط الحضري، إردوغان بيرقدار، إلى الاستقالة، وأشار بأصابع الاتهام مباشرة إلى رئيس الوزراء، مدعياً أن إردوغان كان هو نفسه الشخص الذي “أمر بكل مشاريع الإنشاءات التي يفحصها التحقيق”. لكن إردوغان، كما هي عادته، نفى بغضب كل هذه الاتهامات، وأشار إلى “متآمرين خارجيين” و”متعهديهم” المحليين، باعتبارهم جزءاً من مؤامرة شريرة تستهدف تركيا كلها.
هؤلاء “المتعهدون” من الباطن هم الذين يشكلون المعضلة الشائكة أكثر ما يكون بالنسبة لإردوغان، لأنهم -على عكس “المتآمرين الخارجيين”- حقيقيون، ونافذون وعلى طريق المواجهة والحرب. كان المتابعون للمشهد السياسي التركي يعرفون منذ أمد طويل أن حركة فتح الله غولن تلعب دوراً حاسماً كشريك موثوق لحزب العدالة والتنمية في عملية أسلمة البلد بثبات. كما كان معروفاً على نطاق واسع أيضاً في تركيا -ولو ليس في الغرب- أن أتباع غولن يشكلون حضوراً طاغياً في الأجهزة الأمنية، والنظام القضائي، والشرطة. وحسب الدبلوماسيين الأميركيين، فإنه تم منذ أوائل العام 2006 ملء 80 % من مناصب الشرطة العليا بمؤيدي غولن. وقد لعب هؤلاء دوراً مهيمناً في إنجازات إردوغان الرئيسية، مثل قمع صوت الجيش، والحد من حرية التعبير، والإنهاء الوحشي لاحتجاجات ميدان غازي.
مع ذلك، يرسم الكثير من التعليق الحالي على الشأن التركي في الغرب صورة وهمية -ولو أنها حقيقية سياسياً- لحركة غولن. وقد وصفتها مقالة حديثة في صحيفة “وول ستريت جورنال” بأنها “جماعة غامضة مستوحاة من الصوفية، معروفة بورعها وشدة التزامها الإسلامي”. وفي حقيقة الأمر، ليس هناك أي شيء غامض فيما يتعلق بنوايا الغولنيين، كما أنهم لا يمارسون الصوفية، وهي ممارسة سلمية، باطنية غير سياسية للإسلام، والتي تشجع المؤمنين على السعي إلى توطيد المعرفة الشخصية بالله. بدلاً من ذلك، تبدو حركة غولن أقرب إلى عقيدة معاصرة مثل “السيانتولوجيا”، والتي تتطلب تفانياً كاملاً مدى الحياة وطاعة كاملة لـ”السيد المعلم”. وهي تبشر بنسخة متطرفة من الإسلام، وتهدف في نهاية المطاف إلى تدمير النظام العلماني في تركيا وخارجها. ومن السهل رؤية الأمر كله لو ذهب المرء خلف واجهة الحركة المرتبة بعناية، بإسهابها المنمق في الحديث عن الحوار بين الأديان، والسلام، والتنوير الإسلامي، ونظر مباشرة إلى كتابات غولن التي تلهم إيديولوجية حركته.
على سبيل المثال، وفي كتاب يصف عبقرية النبي محمد كقائد عسكري، يشرح السيد المعلم أن العداء الإسلامي للكفار إنما هو في الحقيقة شكل من التعاطف نحوهم، لأنهم يرتكبون الظلم بكونهم غير مؤمنين. ويبرر هذا النوع من “التعاطف” بوضوح قهر المسلمين للكفار وقتلهم. إنه، كما يكتب غولن، “لزام على أولئك الذين يؤمنون بالله الواحد ويعبدونه بإخلاص أن يضمنوا تكريس العدالة في العالم. ويدعو الإسلام هذه المسؤولية بالجهاد”. وليس هناك أي شك فيما يتعلق بالغرض النهائي للجهاد من وجهة نظر غولن: “إنه يسعى إلى إيصال رسالة الإسلام إلى البشر كافة في العالم وتأسيس مجتمع إسلامي نموذجي على أساس عالمي”. هذا هو ما يسميه الجهاديون الأقل تعقيداً “الخلافة” ببساطة.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو غولن محدد تماماً بشأن التكتيكات التي ينبغي ان يستخدمها أتباعه، وإرشادهم من خلال اتصالات الإنترنت حول كيفية اختراق الحكومة والتسلل إليها: “بصبر عنكبوت، نقيم شبكتنا في انتظار أن يعلق الناس في الشبكة”. وفي فيلم فيديو للحركة تم تصويره في العام 1999، يقدم غولن النصيحة الآتية: “انتظروا حتى يحين الوقت، وستكونون قد كسبتم كل سلطات الدولة…”.
هكذا، تكون الحركة الغولنية بالكاد أقل راديكالية من حزب إردوغان، حزب العدالة والتنمية، لكن الفجوة بين الجماعتين تظل حقيقية. وهي واضحة أكثر ما يكون في قرار إردوغان التخلص من آلاف المدارس الخاصة المربحة، المعروفة بالتركية باسم “ديرشن”، والتي تهيئ الطلبة لامتحانات القبولات الجامعية. ويقال إن حركة غولن تسيطر على 75 % من هذه المدارس، التي يقال إن عددها الإجمالي يبلغ 3.100 مدرسة، وتوظف نحو 100.000 مستخدم، وتقوم بتعليم مليوني طالب في وقت واحد. وتقدم هذه المدارس فرصاً هائلة للتلقين العقائدي والتجنيد لحركة غولن، كما تشكل مصدراً هائلاً للدخل أيضاً برسومها التي تزيد على 11.000 دولار للطالب الواحد في السنة.
وهكذا، فإن الحرب بين المعسكرين الإسلاميين لا تدور كثيراً حول الإيديولوجية، كما يجزم الكثير من النقاد الغربيين، وإنما تدور حول المال والسلطة. ويبدو ذلك أقرب إلى قتال حلبة بين اثنين من دونات المافيا منه إلى عداوة بين طائفتين مختلفتين من الإسلام. وتبدو المخاطر أعلى بشكل خاص بالنسبة لإردوغان: إنه، في الواقع، الهدف الحقيقي لقضية الفساد التي أطلقها الغولنيون، وهناك أكثر من مجرد نواة من الحقيقة في وصفه لها بأنها “محاولة اغتيال سياسي”. وعادة ما تنسى حقيقة أن إردوغان، كما لاحظ باحث معهد أميركان إنتربرايز، ما يزال موضوعاً للعديد من تحقيقات الفساد منذ فترة ولايته كرئيس لبلدية إسطنبول -والتي تم تعليقها بسبب حصانته البرلمانية، لكنه يمكن إعادة فتحها بسرعة بمجرد أن يخرج من السلطة. وسوف يفسر احتمال إدانته بالسجن بسبب تحقيقات الفساد -بشكل جزئي على الأقل- رغبته في استخدام كل أنواع الطرق خارج نطاق القانون والأساليب غير الدستورية ضد الغولنيين.
وفي المقابل، ليس غولن نفسه في موضع أقل خطراً. فقد أفضت عمليات التطهير واسعة النطاق التي أجراها إردوغان في مراتب الشرطة والجهاز القضائي العليا إلى إضعاف حركته مسبقاً، حتى قبل أن يقع الهجوم الثاني الذي كان متوقعاً على نطاق واسع ضد أعضاء الحركة ويتم إغلاق مدارسها الإعدادية. وفي حال مال المرء إلى التعاطف مع أهداف إردوغان، فسيجدر به تذكر أن الغولنيين كانوا هم النواب العامون وبلطجية الشرطة الذين أرسلوا المئات من الصحفيين وضباط الجيش إلى السجن بتهم قضايا إيرجينيكون وسليدجهامر الملفقة، وتولوا قمع احتجاجات ميدان غازي السلمية في العام 2013 بوحشية غير مسبوقة.
ثمة تطور مهم جديد في الصراع: قبل بضعة أيام من نهاية العام 2013، قام كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء، يالجين أكدوغان، باتهام حركة غولن بدعم محاكمات مؤامرات “إرجينيكون” و”سليدجهامر”، التي أرسلت بالمئات من كبار ضباط الجيش والمتقاعدين العسكريين، إلى جانب العديد من الصحفيين والناشطين المدنيين، إلى السجن بناء على تهم وهمية تماماً. وبعد ثلاثة أيام فقط، وفي أول عملي سياسي علني يقوم به الجيش منذ فترة طويلة، قدم الجيش شكوى جنائية تطالب بإعادة محاكمة أولئك الضباط، معتبراً أن إدانتهم تمت بطريقة مفبركة وبأدلة ملفقة. وبينما يشكل ذلك بلا شك لفتة من حزب العدالة والتنمية، والمصممة لغاية كسب دعم الجيش، فإن القليلين في تركيا نسوا حماس إردوغان لدعم لمحاكمات إيريجينكون وسليدجهامر، وتأييده الكامل للمحاكم المنحازة التي أرسلت “متآمري” الجيش إلى السجن.
رغم أننا ما نزال في مرحلة مبكرة من الخصومة، فإنه يمكن الآن استخلاص زوج من الاستنتاجات بأمان: مع وجود فجوة مفتوحة على مصراعيها الآن في حزب العدالة والتنمية بين أنصار إردوغان وغولن، فإن من المستبعد كثيراً أن يصل الحزب في المستقبل إلى أي مكان قريب من نسبة تصويت 50 % التي كان قد حصل عليها في الانتخابات الأخيرة، والتي أعطته مستوى من القوة السياسية التي ليس لها مثيل في تاريخ تركيا الحديث. وقد أصبح لدى إردوغان الآن قليل أمل في تغيير تركيا إلى جمهورية رئاسية، والتي يبقى فيها على رأس السلطة لعقد آخر أو نحو ذلك. و، ثانياً، وربما الأهم، بما أن تبرئة المؤسسة العسكرية أصبحت تبدو الآن مجرد مسألة وقت فقط، فإن فضيحة الفساد وسوء استغلال السلطة، يمكن أن تلحق ضرراً مقيماً بالإيديولوجية الإسلاموية في تركيا.
(ناشيونال ريفيو) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية
*زميل رفيع في مركز تقييم الاستخبارات والاستراتيجية في واشنطن.