عمان /ريتشارد فولك هو المقرر الخاص لمنظمة الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان للفلسطينيين. وهو أيضا أستاذ كرسي القانون الدولي في جامعة برينستون الأميركية.
• أردت أن أسالك عن مقالك الذي كتبته مؤخراً في مدونتك تحت عنوان “إلهام نلسون مانديلا”، حيث قلت إنك قابلته قبل 15 عاماً في جنوب أفريقيا. ماذا كان تأثير مانديلا عليك؟ وماذا يعني موته بالنسبة لجنوب أفريقيا والعالم؟
– كنت محظوظا بلقاء مانديلا. وكما وصفته في مدونتي، فقد تمتع بحس مرهف من التألق الأدبي، وإحساس عميق بالأصالة، والمعنوية الروحانية التي جعلت حضوره متميزاً ولا ينسى.
وفاة مانديلا كانت بمثابة فرصة للتذكير بما تمثله سيرة حياته من قضايا ذات مغزى كبير، بما في ذلك قضية الشعب الفلسطيني؛ تلك القضية التي أعتبرها محور اهتماماتي بشكل شخصي.
• تكلمتَ عن دور العنف في صراعات الانعتاق نحو الحرية. ما هو رأي القانون الدولي بذلك؟
-الحال كما هي في أي مجال آخر في القانون الدولي، والذي يمكن تأويله وفق وجهات نظر مختلفة. لكن، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان هناك بروز لتوافق في الآراء في القانون الدولي، بما يضفي الشرعية على النضال المسلح الهادف إلى تحقيق التحرر الوطني من الأنظمة الاستعمارية. وذلك لا يعني تبرير وتشريع كل أشكال العنف. بل كان يجب لذلك أن يكون العنف موجهاً نحو هدف مناسب، ليتم تبريره وشرعنته. فالقانون الدولي لم يقم بشرعنة أشكال الإرهاب الموجهة ضد المدنيين الأبرياء، أو أهداف تتمتع بالحماية؛ كالمستشفيات والكنائس. لكن كما هي الحال في صراعات التحرر كافة، فقد تم اللجوء إلى أعمال عنف عشوائية، كان الهدف منها زعزعة الاحتلال وسيادته الاستعمارية. ومثال ذلك فيلم “معركة الجزائر” الشهير، الذي يعرض أعمال مقاومة، بما فيها رمي القنابل على مقاه تعج بالمدنيين.
في هذا السياق التاريخي، فإن أولئك الذين أيدوا الكفاح ضد الاستعمار، أيدوا هذا النوع من العنف العشوائي الذي تمت شرعنته في ظل ظروف من الحكم القمعي. كذلك، تم تبرير الإرهاب الدفاعي ضد الاحتلال النازي لبلدان أوروبية عدة خلال الحرب العالمية الثانية. لكن أولئك الذين شرعنوا العنف خلال حروب التحرير، لم يذهبوا بعيداً لشرعنة العنف بحد ذاته. وتحت القانون الدولي، يمكن المطالبة بشرعنة العنف الموجه ضد أهداف مناسبة فقط.
• في العام 2001، وخلال عملك كمفوض سامٍ للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في فلسطين، كان عليك الإجابة عن هذا السؤال فيما يتعلق بالكفاح الفلسطيني. ماذا كان جوابك، أو استنتاجك الخاص حينذاك؟
-مرة أخرى، علينا الاعتراف بأن القانون الدولي ليس واضحا بهذا الشأن. في أحكام هذا القانون، ليس هناك معاهدة رسمية، أو قواعد عرفية، لحل المعضلة الكامنة في هذا السؤال أو الإجابة عنه بشكل محدد.
ما قمت باقتراحه حينذاك، كان شبيها بما اقترحته حول آراء نلسون مانديلا في العنف، وعلاقة العنف بحروب التحرر الوطنية. ليس للحكومات الحق في الدفاع عن النفس فقط، بل للشعوب المقهورة والمحاصرة أيضاً الحق في المقاومة والدفاع عن النفس، وبما يتوافر لها من وسائل. وعندما تتوافر منظومة من ظروف القمع والقهر، يصبح للمجتمع حق ضمني في المقاومة والدفاع عن النفس. ويقتصر هذا الحق على اللجوء إلى العنف فقط ضد أولئك المرتبطين بالبنية القهرية أو القمعية.
لم يتم تدوين هذا الحق قط، أو شرعنته رسمياً، لأن الحكومات هي من تتحكم بعملية صياغة القوانين وتدوينها. مع ذلك، يبدو لي أن هذا الحق واضح ضمن قانون الحياة للمجتمع الدولي، وعلاقته بالحقوق الجماعية للشعوب.
• عادة ما تتم محاسبة الشعوب المقهورة على اللجوء إلى العنف، كما هي حال الشعب الفلسطيني. في حين أن معظم العنف ترتكبه الدول القمعية، كالولايات المتحدة وإسرائيل بالذات. لماذ الأمر كذلك باعتقادك؟
-حسب اعتقادي، فإن ذلك يعود لمفهوم “الدولة الحديثة” أو “الدولة العصرية”. وحسب التعريفات التقليدية، فإن “الدولة الحديثة” أو العصرية تحتكر الحق في استعمال العنف. لذلك، فإن أولئك الذين لا يتمتعون بصفات رسمية ويلجأون للعنف، عليهم التغلب على قرينة عدم الأخلاقية وعدم الشرعية المرتبطة بتصرفاتهم. فمن واجب الدول الحفاظ على النظام الاجتماعي في بلادها، ومن ثم تهيئة بيئة سياسية لا يمكن فيها استعمال العنف إلا للحفاظ على هذا النظام القائم. وأعتقد هنا أن هذا التمييز مهم للغاية في توضيح وجهات نظر مختلف السجالات الإعلامية الشعبية المتعلقة بهذه الصراعات.
كذلك، نجد أن مصطلح “الإرهاب” مستخدم فقط لوصم أشكال العنف كافة الموجهة ضد الدولة، في حين يتم تطهير وتبرئة عنف الدولة بطرق مختلفة ومثيرة للدهشة. لكن كل من لا يسعدهم الاستعمال التمييزي للغة ومصطلحاتها، يتحدثون عن إرهاب الدولة. إلا أن هذا خطاب غير تقليدي فيما يتعلق بطبيعة العنف المسموح به أو غير المسموح به. لذلك، علينا عدم الوقوع في شرك الاعتقاد بأن عنف الدولة هو عنف شرعي ومسموح به، فيما العنف ضد الدولة هو عنف غير شرعي وغير مسموح به.
• ما هو دور القانون الدولي في نشر السلام والعدالة في أرجاء العالم؟ إذ يضحك بعض الفلسطينيين كلما ذكرت أن القانون الدولي ينحاز لجانبهم، لأن هذا القانون هو ذاته المسؤول عن مأساتهم.
-الجواب المناسب أكثر تعقيداً مما يمكنني وصفه هنا. إذ ليس من شك لدي في وقوف القانون الدولي إلى جانب الفلسطينيين فيما يتعلق بعدد من القضايا المعلقة دون حل في حالة قضيتهم؛ مثل قضايا المستوطنات، ووضع القدس، والحدود، وحق الفلسطينيين في مواردهم الطبيعية، وحقوق اللاجئين في العودة الى ديارهم. فالقانون الدولي في حال تفسيره وتطبيقه بشكل موضوعي وصحيح، ينحاز لجانب الفلسطينيين من دون أي لغط أو لبس. وتفسير القانون الدولي في هذا الشأن هو موضع تأييد من قبل هيئات الأمم المتحدة الرئيسة، ولاسيما جمعيتها العامة. كما وتم التأكيد على ذلك بشكل لا لبس أيضا فيه عبر محكمة العدل الدولية، وفتواها القضائية الصادرة بحق جدار الفصل العام 2004.
في الوقت ذاته، أتفهم شعور الفلسطينيين بخيبة الأمل من القانون الدولي. فالقائمون على هذا القانون، إضافة إلى هيئات الأمم المتحدة كافة، لا يصطفون إلى جانب الفلسطينيين فيما يتفاقم وضعهم مع مرور الوقت. وإسرائيل تتمع بالحماية المطلقة، والإفلات من العقاب عن جرائمها بحق الفلسطينيين. لذلك، يبدو القانون الدولي وهيئات الأمم المتحدة، كما لو أنهم يمنحون إسرائيل الغطاء للتمادي في ممارساتها غير القانونية. وشعور الفلسطينيين بالخيبة من القانون الدولي يعود للتفاوت الكبير بين مضمون القانون وبين واقع تطبيقه.
ما أعتقد أنه أصبح منسياً لديّ مؤخرا، بل وعبئا على تفكيري، هو واقع تدحرج المرحلة الحالية لنضال الفلسطينيين وحركتهم الوطنية التحررية، والتي تعرضت لتحول كبير في طريقة خوض الصراع، بعيداً عن الاعتماد على الكفاح المسلح، وباتجاه حملة عالمية تهدف إلى تشويه سمعة الاحتلال الإسرائيلي، والنهج العام الدولي المتخاذل تجاه هذا الصراع. بكلمات أخرى، لقد تم تحقيق تعبئة اجتماعية فعالة للمجتمع المدني الدولي خلال السنوات الماضية، بما في ذلك ما تم تحقيقه في جلسات محكمة بروكسل الشعبية الدولية وتضامنها مع حقوق الفلسطينيين. وهذا بالذات ما أسميه “شن حرب الشرعية”. وطريقة شن هذه “الحرب” تجعل القانون الدولي ذا قيمة كبيرة، عبر توظيفه كأداة إقناع فعالة، ووسيلة لتغيير مفاهيم العامة من الناس، والمجتمعات الدولية، مع مرور الزمن.
كذلك، يساعد ما سبق في حشد الرأي العام العالمي حول القضية الفلسطينية، والتضامن مع الفلسطينيين بصفتهم ضحايا السياسات الدولية غير الشرعية وغير العادلة. وإذا ما تمعنا في التوجهات التاريخية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فسنجد أنه في أي صراع، يكون الجانب الذي يربح حرب الشرعية هو الجانب السائد والمنتصر سياسياً، من دون الحاجة إلى دفع ثمن مرتفع من الأرواح، وحجم كبير من الدمار.
لكن، وخلال الحروب تلو الحروب التي شهدها العالم، والصراعات تلو الصراعات بين الأنظمة الحاكمة والمجتمعات المدنية المختلفة، لم يكن الجانب القوي عسكرياً هو السائد والمنتصر في نهاية المطاف، بل الجانب الذي استعمل أدوات القوة الناعمة، ووظفها بتفوق وذكاء في حل الصراعات.
كل الحروب المناهضة للاستعمار، وصراعات تحرر مجتمعات أوروبا الشرقية من أنظمتها التي كانت تابعة لهيمنة الاتحاد السوفيتي سابقاً، إضافة للحملة المناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، جميعها أمثلة على هذه التوجهات التاريخية. وكذلك تحرر الهند من قبضة بريطانيا أيضاً. فمن دون أي شك، تم حسم كل تلك النزاعات لصالح الجانب الأضعف من حيث القوة العسكرية. وهذا ما كانت عليه الحال أيضاً في حرب فيتنام؛ حيث ربحت أميركا كل المعارك الفردية ضد الفيتناميين، لكنها خسرت الحرب لصالح الفيتناميين ذاتهم في نهاية المطاف.
على المرء أن يسأل هنا: ماذا يحدث لجعل ذلك يتحقق؟ أحد الأمور هو أن الجانب الأضعف عسكرياً بوسعه أن يسود وينتصر، إن كان بوسعه كسب معركة الخطاب القانوني والأخلاقي، بما يقلب موازين القوى بطريقة فعالة في نهاية المطاف. الأمر الذي يؤدي إلى خلق نتائج غير متوقعة، من الصعب التكهن بمضمونها، أو شرحها وفهمها. لدى الأفغانيين مثل شعبي يقول: “إذا امتلكت الساعات، امتلكت الوقت”. هنا يتضح لنا وجوب التمييز بين التكنولوجيا وجبروتها أمام الناس الذين يتسلحون بعامل الوقت والزمن والصبر. وقد كانت لهؤلاء الناس القدرة على تحرير بلادهم خلال المرحلة التي تلت مرحلة الاستعمار التقليدي. هذه الحقيقة لم تكن متوفرة خلال مرحلة الاستعمار التقليدي حين كان التفوق العسكري، ولو بقدر بسيط، يحتم سيطرة الجانب القوي وسطوته سياسياً. وهنا أيضاً، نجد أن تعبئة المجتمعات الوطنية، وحشد الإحساس بقوة الشعوب وإرادتها، كانت جميعها عوامل أساسية لتغيير موازين القوة لصالح الشعوب في نهاية المطاف. زد على ذلك، أنني أرى أن القانون الدولي وهيئات الأمم المتحدة، والقناعات الأخلاقية الشعبية الدولية، هي أدوات، بل وموارد قوة ناعمة يمكن تسخيرها بذكاء لترجيح كفة قوة الشعوب، إن تمت تعبئتها بشكل حاسم أمام القوة العسكرية.
• حتى الآن، تحتل إسرائيل جزءا من فلسطين منذ 65 عاماً. هل لنا وصف هذا الاحتلال بالاحتلال القانوني في يومنا هذا؟ وإلا، فبماذا يمكننا وصفه؟
-هذا سؤال مهم. حينما كنت مفوضاً ساميا للأمم المتحدة في فلسطين، خضت جدلاً حول وجوب تطوير إطار قانوني للتعامل مع أي احتلال يدوم لأكثر من خمسة أعوام؛ إذ يدخل هذا النوع من الاحتلال مرحلة مختلفة من العلاقة بين القوة المحتلة والشعب الخاضع للاحتلال. اتفاقيات جنيف مصممة ضمنياً للتعامل مع حالات الاحتلال المؤقتة، والظروف المرافقة لاحتلال يدوم خمس سنوات أو أقل. لكن المصطلح اللغوي “احتلال” أصبح مضللاً في حالة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وحيثيات هذا الاحتلال.
من الضروري البدء بوصف هذا الاحتلال كاقتلاع وضم متزايد للأراضي المحتلة، أو كسياسة احتلال دائم. هذه اللغة المغايرة للمصطلح التقليدي “احتلال”، تفضح عدم استعداد إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها (منذ العام 1967)، أو حتى إظهار احترام لخصوصيات المجتمع الذي يخضع لهذا الاحتلال. فظاهرة المستعمرات الاستيطانية، والتمادي في تشييدها وانتشارها، يتعارضان جذرياً مع إمكانية النظر لهذا الاحتلال كاحتلال مؤقت، أو أن لدى إسرائيل النية للانسحاب الكامل والامتثال لقرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في العام 1967. كما ويجب مواصلة تذكير إسرائيل والعالم أجمع، بأحد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة، والمتعلق بعدم شرعية قضم أراضي الغير عبر شن الحروب، أو استعمال القوة العسكرية لفعل ذلك. لذلك، فإن الفشل في تطبيق القرار 242، إنما يؤشر إلى فشل الأمم المتحدة في فرض التزامات كانت قد أقرتها كعناصر أساسية في ميثاقها الذي يهدف إلى إقامة عالم قائم على العدل والسلام.
• خليفتك جون ديغارد كان أحد افراد مجموعة كتبت تقريراً في العام 2009، يصف ما يحدث في الضفة الغربية بـ”الفصل العنصري”. ما هو تقييمكم لهذا المفهوم المستعمل مراراً وتكراراً في حملات عدة حول العالم؟
-في اعتقادي أن مصطلح “الفصل العنصري” هو أكثر الأوصاف دقة لما يحدث واقعاً على الأرض في حالة فلسطين.
فكل حالة من حالات الإخضاع لشعب ما، لها خاصيتها الفريدة التي تميز حالات الاخضاع والاضطهاد عن بعضها بعضا. كذلك، فإن هذا المصطلح يغري كثيرا من النقاد بالتذرع بأن فكرة “الفصل العنصري” خاصة حصراً بحالة جنوب أفريقيا، حيث كان “الفصل العنصري” موجهاً نحو عرق معين. لكن بنظرة متعمقة، نجد أن حالة “الفصل العنصري” التي يرزح الشعب الفلسطيني تحت وطأتها هي أشد قسوة بكثير من حالة “الفصل العنصري” التي كانت في جنوب أفريقيا. فعلى سبيل المثال، نجد أن جنوب أفريقيا لم تشيد طرقا خاصة فقط لاستعمال المستوطنين، كما هي الحال في الضفة الغربية. أيضا، لم تتم إقامة بنية تمييزية عميقة في جنوب أفريقيا، على نحو ما يحصل في الضفة الغربية. أضف إلى ذلك الهيكل القانوني المزدوج في الضفة الغربية، والذي يوضح بشكل كبير طبيعة الهيمنة القائمة على أساس عرقي. إذ بموجب هذا الهيكل القانوني، يتم حرمان الفلسطينيين مسلوبي الإرادة من كل حقوق المواطنة، فيما يتمتع المستوطن الإسرائيلي غير الشرعي بحقوق المواطنة المدنية كافة المدرجة في القانون الإسرائيلي. فلا حق للفلسطينيين في التمتع بأي حقوق من جانب، ومن جانب آخر، نجد أن الإسرائيلي المستوطن في الأراضي المحتلة بصفة غير شرعية، حسب إجماع أعضاء محكمة العدل الدولية، يتمتع بحماية قانونية مطلقة بموجب القانون المعمول به في إسرائيل، والمتحيز جهاراً لصالح اليهود من الإسرائيليين.
• بتاريخ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، انطلقت في مدينة كيب تاون الجنوب أفريقية حملة “الحرية لمروان البرغوثي والأسرى السياسيين كافة”. ما أهمية الأسرى السياسيين وإطلاق سراحهم في السياق الإسرائيلي/ الفلسطيني؟
-لا يمكن تضخيم أهمية حالة مروان البرغوثي إلا في سياقها التضامني. وكما ذكرت في مدونتي بخصوص مانديلا، فإن رغبت القيادة الإسرائيلية فعلا ذات يوم، في مستقبل أكثر سلماً وعدلاً لكلا الشعبين، فإن عليها المبادرة إلى إرسال الإشارات التي توحي بذلك، عبر إطلاق سراح مروان البرغوثي. بهذا المعنى، لم تكن أهمية إطلاق سراح مانديلا من السجن، كما أن حصوله على حريته السياسية حدث بشكل مفاجئ وغير متوقع. بل وجاء ذلك بمثابة بادرة حسن نية تشي بتغير نظرة القائمين على النظام العنصري هناك، بشكل جذري، إلى كيفية المضي تجاه مستقبل أكثر أمناً وسلاماً لهم. لذلك، فإن التوجه الجامع لما أسميه “الحرب من أجل الشرعية”، يحتم على الإسرائيليين في نهاية المطاف تغيير آرائهم بشأن ما يجلب لهم الأمن والاستقرار، ويحقق تطلعاتهم الذاتية.
ومن ثم، فإن الحملة من أجل تحرير البرغوثي ستساعد في الضغط على إسرائيل لتغيير رأيها بخصوص ما هو على المحك، إن أبقت عليه أسيراً لديها.
أما بشأن اعتبار البرغوثي معتقلا سياسيا أم لا، فهذا سؤال لا أملك ما يكفي للإجابة عنه. لكن على ما يبدو، فإنه كذلك. أما الإدعاءات (الإسرائيلية) ضده، فهي ادعاءات بارتكاب جرائم عنف. ومن جانب آخر، يبدو أنه يخضع للعقاب على دور كان قد لعبه كمهندس للانتفاضة الثانية، وليس كشخص عمد إلى ارتكاب جرائم عنف تمت إدانته بها.
• كان قد تم تعيينك مفوضاً سامياً للأمم المتحدة في إسرائيل/ فلسطين. كيف يمكنك تلخيص دورك خلال فترة ولايتك؟
– ما دأبت على قوله كلما تم سؤالي مؤخراً في هذا الخصوص، هو أنني مسرور جداً بالفرصة التي سنحت لي، وسمحت لي لفعل ما فعلت خلال السنوات الست الماضية، بالرغم من المشاكل التي خضتها أيضاً. كما أنني مسرور أيضا، ولأسباب شخصية، لقرب انتهاء ولايتي، والعودة إلى ممارسة حياتي الطبيعية من جديد. بطبيعة الحال، سأبقى نشطاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولأقصى ما استطيعه، وكلما سنحت لي الفرصة للمساهمة في تحقيق تطلعات الفلسطينيين لسلام عادل.
أعتقد أنني تعلمت الكثير عن تعقيدات النضال الفلسطيني، وصعوبات العمل داخل الأرض المتنازع عليها سياسياً. وتعلمت كذلك بشأن مواطن قوة وضعف الأمم المتحدة فيما يتعلق ببيروقراطيتها الدبلوماسية. فقد كان هناك تفاوت كبير في قدرات وحوافز موظفي المنظمة الأممية من دون أدنى شك. وإحدى مشاكلي كانت متعلقة بعدم كفاية أو كفاءة الموظفين الذين تم تعيينهم لتقديم العون لي، الأمر الذي أضاف لأدائي إشكالية كبيرة.
كذلك، كان هناك العديد من الميزات لهكذا منصب لم أتقاض أجرا عليه أبداً، بل تطوعت لأداء مهماته بإرادتي التامة. وأهم تلك الميزات أنني كنت أتمتع بصفة سياسية مستقلة. إذ اكتشفت أنه بالرغم من قدرة الأمين العام للأمم المتحدة على توجيه الانتقادات لي، وبشكل غير مسؤول وبطريقة مؤذية، إلا إنه كان يفتقر إلى السلطة للمبادرة إلى فصلي أو معاقبتي بأي طريقة كانت. فالسلطة لفعل ذلك كانت فقط بيد مجلس حقوق الإنسان.
إن أعباء القيام بهذه الوظيفة بشكل مسؤول وفعال، تتطلب دعم كادر مختص ومخلص وكفؤ. وعندما لم يتوفر لي ذلك، كان أدائي لمهماتي صعبا جداً، ومحبطا للغاية. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، اختفت هذه المشكلة، وبكل سرور؛ إذ أصبحت محظوظا بحصولي على دعم موظفين ممتازين، الأمر الذي أتاح لمنصبي التأثير الكبير، ولتقاريري وتوصياتي وقعاً أهم.
لا يستدعي المنصب تقديم تقارير نصف سنوية فقط، بل يتطلب كذلك التعامل مع الحيثيات الإنسانية والتحديات القانونية كافة حالما تطرأ.
في الوقت الحالي، فإن حالة الطوارئ في قطاع غزة نتجت عن تبدلات المناخ السياسي في مصر، والتي كان لها وقع مأساوي كبير على أهل القطاع. بالطبع، كان الوضع صعباً على هؤلاء المحاصرين منذ سنوات طويلة قبل تبدل الأوضاع المصرية. والآن، فإنه بإمكاننا وصف قطاع غزة بأنه مكان لا يصلح للسكن إلا للبائسين من سكان الأرض. كذلك، نرى فشل المجتمع الدولي، بصمته المطبق، في التعامل مع هذه الحالة.
يمكن في حالة قطاع غزة استدعاء ما يسمى “مسؤولية الحماية”، كما تم استدعاؤها في حالة ليبيا العام 2011. لكن، في حالة ليبيا، تم استغلال “مسؤولية الحماية” جيوسياسياً من أجل التدخل عسكرياً لا لأسباب إنسانية كما تم الادعاء، بل لتغيير نظام الحكم الليبي بطريقة تم من خلالها خداع عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ممن كانوا يعارضون هكذا حملة عسكرية. في حالة غزة، هناك وضع إنساني معقد، يمنع إيصال الإغاثة للمدنيين، في جو من الصمت الدولي المطبق حيال “مسؤولية حماية” أهل القطاع. لذلك، فإن دبلوماسية “مسؤولية الحماية” لها وجهان اثنان: أولهما، هيمنة المصالح الجيوسياسية، بما يحصر قدرة الأمم المتحدة على التصرف فقط لتلبية متطلبات الإغاثة الإنسانية. وهنا، تتفشى في ممارسات الأمم المتحدة معايير مزدوجة كثيرة، إضافة إلى قدر كبير من النفاق الأخلاقي من قبل الديمقراطيات الليبرالية التي تتحدث بطريقة معينة عندما تدفعها مصالحها الجيو سياسية للتدخل، فيما تتكلم بشكل مغاير عندما تتعارض تلك المسؤولية مع مصالحها الجيوسياسية. وهذا التناقض واضح للعيان في حالتي غزة وليبيا، بالرغم من تماثل الظروف الكامنة وراء الحالتين بدرجة كبيرة. وثانيهما، أهمية الحالة من الناحية الجيوسياسية. فعندما يكون مستوى ضرورة التدخل الإنساني لا أهمية جيوسياسية له، نجد المجتمع الدولي غير آبه بفعل شيء يذكر لتلبية ما يجب عليه من مقتضيات “مسؤولية الحماية”.
• ماذا تعني الحياة الطبيعية لريتشارد فولك؟ وماذا بعد الآن؟
– سنرى.. سأحاول تخصيص وقت للكتابة، بما يمكنني من تلخيص مجموعة التجارب التي خضتها خلال السنوات الماضية. وأتمنى ان لا يتعرض من سيخلفني في منصب مفوض الأمم المتحدة لمثل ما تعرضت لها من مؤامرات، حتى يؤدي مهامه ودوره بفاعلية أكبر مما أتيح لي. وذلك لأني أعتقد ان هذا المنصب كبير ومهم. وبكل أسف، فإنه المنصب المستقل الوحيد في منظومة الأمم المتحدة الذي ينادي بلسان حال الفلسطينيين، ويعمل على الدفاع عن حقوقهم.
كذلك، فإن هذا المنصب يتيح لشاغله ترويج خلاصة عادلة لهذه القضية التي ما تزال مستمرة منذ عقود، وأوقعت الشعب الفلسطيني ضحية احتلال لئيم، دفعه للتشرد كلاجئين في كل منافي الأرض ولأمد طويل.
إن المأساة الفلسطينية تمثل فشلاً كبيراً للمجتمع الدولي، ويجب أن تبقى في الذاكرة؛ ليس فقط كأي كفاح تحرري آخر ناهض أشكالا مختلفة من الاستعمار، بل بسبب فشل الأمم المتحدة في تحمل مسؤولياتها تجاه هذه المأساة بالذات. فقد تم قذف القضية الفلسطينية من قبل عصبة الأمم لحضن الأمم المتحدة؛ ومن قبل البريطانيين عندما تخلت بريطانيا عن دورها كقوة إلزامية هناك. فالأمم المتحدة بصفتها الجهة التي أصدرت قرار التقسيم في العام 1947، لم تقم، أولاً، باستشارة الشعب الفلسطيني؛ سكان أرض فلسطين التاريخية. كما لم تقم، ثانياً، بالنظر إلى تطلعات هذا الشعب الوطنية. وهي ذات الهيئة التي فشلت في تطبيق حتى قرارها الظالم هذا على مدى عقود طويلة من الزمن.
خلال السنوات الأخيرة، فإن خريطة الطريق، وسياسات الساسة الأميركيين تمعن في تشبثها بتملك الحق، بالقول للعالم ما هو جيد بالنسبة للفلسطينيين، بالرغم من خلو هذه السياسات من أي شكل من أشكال العدل والأخلاق الكفيلة بتحقيق العدالة والسلام. وبناء على ذلك، أجد أن مسؤولية هائلة تقع على عاتق المجتمع الدولي لتخطي هذا السجل الحافل بالفشل، ولو بشكل متأخر. وكلما تذمر البعض، كما هي عليه الحال مؤخراً، من أن الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان يقضيان وقتاً طويلاً في تداول أمر القضية الفلسطينية مقارنة بقضايا أخرى حول العالم، فإنني أقول لهم إن الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان لم ولا يقضيان ما يكفي من الوقت بحق القضية الفلسطينية، بل إنهما فشلا في سلك طرق أكثر فاعلية لإحلال السلام والعدالة للشعب الفلسطيني. ولا أجد عذراً أخلاقياً أو مبدئياً كافياً لمنع الأمم المتحدة من تحمل مسؤولياتها التاريخية حيال الشعب الفلسطيني.
الغد الأردنية
