الرئيسية زوايا أقلام واراء مهمة أوروبا في الشرق الأوسط …. بقلم : جورج واينفِلد

مهمة أوروبا في الشرق الأوسط …. بقلم : جورج واينفِلد

فهرس


لندن- يفرض انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من الشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة على أوروبا للمساعدة في تعزيز السلام في المنطقة. ومع تهديد الحروب المعقدة الحامية الوطيس بالتسبب في انهيار دول مثل سورية والعراق، وابتعاد الصراع الدائر منذ أمد بعيد بين إسرائيل وفلسطين عن الحل مثل أي وقت مضى، يكاد يكون من الأسهل دوماً أن نتساءل عما ينبغي لأوروبا أن تتجنبه، وليس ماذا يتعين عليها أن تقوم به من تحرك أو عمل.
لا بد أن تكون نقطة الانطلاق هنا أحد المبادئ الأساسية البسيطة: لا ينبغي أن تنحاز أوروبا إلى أي جانب. فالسماح لتصورات مسبقة أو ردود فعل عاطفية بحجب الحقائق من شأنه أن يجعل الأوضاع أشد خطورة. ولنتأمل هنا الصراع الطائفي القائم بين المسلمين السُنّة والشيعة -الذي يُعَد الآن المحرك الرئيسي للأحداث في الشرق الأوسط. ويعمل هذا الصراع الذي يتغذى على الخطاب الديني وتاريخ دموي على توليد درجة من الحماسة الانفعالية واللاعقلانية التي يصعب تخفيفها. وكما قيل: “حيثما تشتعل نيران الإيمان، تتسلل آلهة العقل خارجة من الغرفة”.
على نحو مماثل، وعندما يتعلق الأمر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يتعين على أوروبا أن تدرك أن الجانبين يتسمان بفرط الحساسية. وإذا واجهنا أحدهما بانتقادات يرى أنها غير عادلة، فإنه سيلجأ إلى نوع من الصرامة والعدوانية والمرارة، والذي كان سبباً لفترة طويلة في إحباط الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.
إن ما لا يقل عن ثلثي الإسرائيليين، الذين يدركون الفوائد المترتبة على السلام الدائم في المنطقة، يفضلون حل الدولتين. ولكن الأغلبية نفسها يخشون أن يكون الفلسطينيون -في ظل الزعامات المنقسمة بين منظمة فتح المعتدلة نسبياً بقيادة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والإدارة في غزة التي تسيطر عليها حركة حماس العنيدة الداعمة للعنف- غير مستعدين للسلام التقليدي وعلاقات حُسن الجوار.
مما يزيد الطين بلة فيما يبدو أن التنازلات من أي من الجانبين لا تخلف أي أثر على الجانب الآخر. بل على العكس من ذلك، تستقبل مثل هذه التنازلات عادة باستفزازات مهلكة تجعل فرص التوصل إلى أي اتفاق أبعد كثيراً. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك كانت استجابة فلسطين لإفراج إسرائيل في شهر كانون الأول (ديسمبر) عن 26 سجيناً سياسياً -الدفعة الثالثة من إجمالي 104 محتجزين تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإطلاق سراحهم عندما استؤنفت محادثات السلام في الصيف الماضي. والواقع أن العديد من هؤلاء السجناء ارتكبوا أعمالاً سيئة. فعلى سبيل المثال، ألقى جمعة إبراهيم جمعة آدم ومحمود سلمان أبوكربيش قنابل حارقة على حافلة مدنية، فقتلا امرأة حبلى وثلاثة من أطفالها في سن ما قبل المدرسة والجندي الإسرائيلي الذي حاول إنقاذهم. ورغم ذلك، استقبلهم عباس بعد الإفراج عنهم استقبال الأبطال والقدوة للشباب الفلسطيني.
في هذا السياق الهش، تفرض تهديدات الاتحاد الأوروبي بوقف التعامل مع شركات إسرائيلية تعمل في المستوطنات في الضفة الغربية إشكالية كبرى، كمثل قرارات المقاطعة الأكاديمية والعلمية ضد إسرائيل. والواقع أن مثل هذه التحركات قد تقترب إلى حد خطير من محاباة فلسطين -وهي وسيلة مؤكدة لحمل إسرائيل على الإحجام عن التعاون.
بطبيعة الحال، ونظراً للدور الذي لعبه التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المستمر في فلسطين المحتلة في إعاقة التقدم نحو السلام، فإن الأمر يستحق دراسة أكثر رصانة وشمولاً من جانب الأطراف المعنية كافة، وخاصة إسرائيل. وهذا يتطلب أولاً وقبل كل شيء التوصل إلى فهم واضح لحجم القضية. ففي إطار جولات سابقة من المفاوضات وافقت السلطة الفلسطينية من حيث المبدأ على تبادل 1.9 % من أراضي الضفة الغربية في مقابل أراض إسرائيلية.
هذا يعني أن إسرائيل ستكون قادرة على ضم بعض المستوطنات المتاخمة لحدودها، في حين لن تتخلى سوى عن حصة صغيرة من أرضها -وهو التبادل الذي ينبغي لها أن تكون متفتحة عليه عندما تجري مفاوضات جادة. والنبأ السار هنا هو أن تسيبي ليفني، المفاوضة الرئيسية عن الجانب الإسرائيلي، صرحت مؤخراً بأن إسرائيل لن تطالب بمستوطنات معزولة على أرض عربية.
في كل هذا، يتعين على أوروبا أن تقدم نفسها بوصفها وسيطاً غير منحاز. وإذا رأى المفاوضون على الجانبين أن أوروبا هي وسيط جدير بالثقة في التوصل إلى اتفاق دائم ومتوازن، فإنهم ربما يظهرون قدراً أعظم من التقبل للتنازلات بين الجانبين.
ينطبق الأمر نفسه على الصراعات الدينية الجارية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. فبدلاً من التورط في عداوات تاريخية ونزاعات حماسية، يتعين على أوروبا أن تكون عازمة على محاربة أشكال الجهادية كافة، في حين تحرص على تقديم الدعم الدائم للتقدم نحو حل الصراع.
ولا ينطبق هذا على الدبلوماسيين فحسب؛ فوسائل الإعلام الأوروبية أيضاً تستطيع أن تلعب دوراً بالغ الأهمية. ينبغي للمنافذ الإعلامية الجديدة والتقليدية على حد سواء أن تضمن تصويرها للحقائق ونقلها بدقة ونزاهة، من أجل تعزيز المناقشة البناءة المنصفة. ذلك أن هؤلاء المتورطين بشكل مباشر في الصراعات العديدة في الشرق الأوسط لا يحتاجون أي مساعدة لتأجيج حدة الصراع.

*مؤسس ورئيس معهد الحوار الاستراتيجي، والمؤسس المشارك لبرنامج واينفِلد للمنح الدراسية والقيادة.
*خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت” 2014.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version