الرئيسية الاخبار الإرهاب العالمي مهيأ لمعاودة الاشتعال

الإرهاب العالمي مهيأ لمعاودة الاشتعال

فهرس

“في بداية العام، لم يكن بمقدور أحد التنبؤ أو التخيل ما عساه أن يأتي مع هجمات 11/9 وكل شيء تبعها. آنئذٍ تلقت المخابرات الأميركية بعض المعلومات، لكن أحداً لم يثق في تلك المعلومات في الحقيقة”.
“ومن الممكن أن نكون في نفس تلك الوضعية راهناً. فمن يستطيع قول ماذا سيحدث بعد سورية؟ خوفي أن نكون في نفس وضعية ما قبل 11/9”.
هذه دعوة إيقاظ كارثية، لأنها تأتي من رجل دعونا نسميه علي، وهو من الشخصيات الأرفع مكانة والمقترنة بالسياسات الأمنية لإندونيسيا.
قابلته قبل أسبوعين في وقت مبكر من إحدى الأمسيات في حانة السيجار المليئة بالدخان في واحد من فنادق جاكرتا ذات النجوم الخمس. حكمه الذي يدعمه ببيانات مكثفة وتعقل وثيق مستقى من عقود من التجربة الحساسة. وهو حكم صدر قبل طويل وقت من اختفاء طائرة ركاب ماليزية فوق بحر الصين الجنوبي يوم السبت الماضي، في حادث قد يكون عملاً إرهابياً أو لا يكون.
طلب علي أن لا أستخدم اسمه الحقيقي. وتشاركه في حكمه المنذر بالكارثة شخصية استخباريية آسيوية رئيسية أخرى. إنه أجيت دوفال، المدير السابق لمكتب الاستخبارات الحكومي الهندي. وقد أمضى الرجل حياته في مكافحة الإرهاب. وإذا كسب حزب باهارتيا جاناتا المعارض الانتخابات المقبلة في الهند، كما هو متوقع على نطاق واسع، فإن دوفال يحظى بالأفضلية لاحتلال منصب مستشار الأمن القومي.
ولا أعرف إن كان علي ودوفال قد تقابلا من قبل مطلقاً. لكنني أعرض فيما يلي تقييم دوفال. وهو متشابه بشكل غريب مع تقييم علي: “يجب علينا أن نستجمع قوانا حتى نعيش في عالم يفتقر إلى الكثير جداً من الأمن مقارنة بما كان عليه في العام 2001”.
الحديث مع كل من علي ودوفال يعطي نوعاً من نظرة العمق المجسامي لتهديد الإرهاب الناجم مجدداً. فهما يشتركان في اهتمامات رئيسية: ماذا يحدث في سورية، وماذا سيحدث قريباً في أفغانستان والشعبية المتزايدة لإيديولوجية القاعدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والتخطيط الاستراتيجي العميق للشبكات الجهادية.
دعونا نبدأ مع علي، الذي يقول: “إننا جد قلقون من الأوضاع الأحدث في سورية. ليس لأنه يحتمل أن يكون هناك 11/9 آخر أو تفجير بالي آخر، وإنما بسبب المساهمة التي تقدمها على صعيد تقدم التفكير الجهادي الراديكالي”.
ومضى علي إلى القول: “إن تحليلنا هو أن سورية أكثر خطورة مما كانت تشكله أفغانستان (كميدان لتدريب المتطرفين) لأنهم انخرطوا في قدر أكبر من المعارك المباشرة وجهاً لوجه. وفي أفغانستان، كانت جهودهم ضد القوات الروسية تتم عن بعد غالباً، بالقذائف أو الصواريخ”.
“والآن في سورية، يختبر هؤلاء، يوماً بعد يوم معركة مواجهة مباشرة وجهاً لوجه. وتجعلهم هذه الخبرة قادرين أكثر بكثير على التأقلم مع وقائع الحرب”. بهذا، يعني عليّ أن المقاتلين الخريجين السوريين، مثلهم مثل المقاتلين الأفغان، سينفذون الإرهاب على مستوى دولي، وسيجلبون إلى أوطانهم القدرة على القتل بسهولة، والعمل تحت الضغط الشديد، كما سيجلبون تجربة محددة في تصنيع واستخدام القنابل والأسلحة، والقدرة التنظيمية لوضع المخططات المعقدة سوية.
وخلصت دراسة حديثة أجراها معهد تحليل الصراعات إلى أن الحملة السورية استطاعت “أن تأسر خيال الإندونيسيين بطريقة لم يسبق لأي حرب أجنبية أن فعلتها، بسبب طبيعتها من حيث كونها حرب سنة ضد شيعة، في جزء منها. وتعد إندونيسيا، كما تجدر الإشارة، سنية في سوادها الأعظم”.
وعلي صادق حتى النخاع حول حدود المعرفة الرسمية: “نحن لا نتوافر على أي فكرة بخصوص عدد الإندونيسيين المنخرطين في سورية. وكان لدى عدة آلاف منهم وظائف هناك قبل اندلاع النزاع، لكن لدينا 17.000 جزيرة وحدوداً بحرية مفتوحة واسعة. ومن الصعب جداً مراقبة حركات شعبنا. لقد أصبحت عملية أسهل بكثير راهناً أن يصبح الإندونيسيون الشباب متطرفين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يتخذوا خطوة باتجاه الذهاب إلى سورية. في السابق كان يترتب على المجندين مقابلة المسؤولين أو الزعماء الدينيين للمجموعات الجهادية. والآن لا يحتاجون إلى ذلك (حتى يقاتلوا في الخارج)”.
وهو صريح أيضاً حول الأقلية الصغيرة، وإنما المتنامية من الإندونيسيين الذين يدعمون الجهاد: “ثمة مجموعة ضخمة من الناس الذين يعدون متطرفين. لكن عمل السلطات منذ تفجيرات بالي قد خفض قدرات المتطرفين. ومكمن القلق هو أن الناس العائدين من سورية سيزيدون من تلك القدرات مرة أخرى”.
ولدى علي مصدران آخران محددان جداً للقلق. أحدهما أن هناك عدداً ضخماً من الجهاديين الإندونيسيين الذين يكملون فترة سجنهم ويخرجون من السجن. وثمة 30 من هؤلاء السجناء خالفوا مجدداً. ولا يوجد دليل، كما يقول علي، على أن أكثر من حفنة فقط من الأشخاص قد تم تخليصهم من التطرف. وبدلاً من ذلك، خرج الكثيرون أشد قسوة أكثر تصميماً من السابق، وغالباً ما يكونون قد جندوا مجندين حديثين في الداخل.
أما مكمن القلق الآخر فهو القوة المستمرة للجماعة الإسلامية، مع أن هذه الجماعة لا تنفذ حالياً أي عمليات عنف. ويقول علي: “ما تزال الجماعة الإسلامية واحدة من التنظيمات الأكثر خطورة”. ويضيف: “هم يبدون وكأنهم نائمون، لكنهم يبنون قدرتهم من أجل العمل المستقبلي. ولم تذهب رؤيتهم للخلافة في جنوب شرق آسيا أبداً”.
وأخيراً يتوقع علي أن تؤول الحال إلى الأسوأ في أفغانستان عندما تغادرها القوات الغربية، وعندما تشرع أفغانستان مجدداً في توليد مؤسساتها الخاصة لتدريب الجهاديين.
هذا الموضوع نفسه يحظى أيضاً بالأولوية في ذهن دوفال الذي قابلته في قاعة مؤتمر في معهد أستراليا الهند في جامعة ملبورن.
ومع ذلك، يخوض دوفال في استعراض قائمة المجموعات الداعمة للقاعدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. إنها مروعة. ذلك أن عشرات الآلاف من الشباب قد نذروا أنفسهم لتحقيق مبادئ القاعدة. ومع أن القيادة المركزية للتنظيم قد تضررت، لكنها استطاعت الانتشار إلى ما هو أبعد من الأحلام الأكثر وحشية لأسامة بن لادن، وإلى شيء أشبه بقوة حملة شبه عالمية.
يقول دوفال: “يرى الغرب كل هذه المجموعات كمشاكل منفردة، لكنها كلها موحدة من ناحية إيديولوجية. كلها تسعى لأن تكون تابعة للقاعدة. ولا يترتب على القاعدة البحث عنها. وإنما العكس تماماً. وأحياناً ترفضها القاعدة. لكن هذا القبول من جانب كل هذه الجماعات للقاعدة باعتبارها الملاذ الإيديولوجي يعد أمراً بالغ الأهمية. ولا تتوافر القاعدة على أجندة محلية، وإنما لديها جغرافية محلية فقط، في حين أن أجندتها عالمية”. ويعكس دوفال قتامة على نحو خاص عند الحديث عن مغادرة القوات الغربية لأفغانستان. ويقول عن ذلك: “إذا لم تدعم باكستان المجموعات المتطرفة، فإنها ستفقد نفوذها على أفغانستان، وهو نفوذ تعتقد أنها تحتاج إليه من أجل العمق الاستراتيجي”.
“ولذلك، إذا أراد الباكستانيون الاحتفاظ بالنفوذ في أفغانستان بعد تخفيض عدد القوات الأجنبية، فلن يكون أمام أفغانستان أي خيار سوى التعويل على باكستان. وستحاول باكستان استخدام هذا الأمر لأغراضها الخاصة. ومن الممكن أن تصبح الحالة الداخلية الخاصة لباكستان أكثر حرجاً بكثير”.
يقول التحليل التقليدي إن القاعدة وطالبان منيتا بتراجعات فادحة بسبب تداعيات ما بعد 11/9، الغزو بقيادة أميركية لأفغانستان. فقد خسرت طالبان السيطرة على الحكومة الأفغانية، بينما قتل العشرات من قادة القاعدة، بمن فيهم في نهاية المطاف أسامة بن لادن نفسه.
لكن دوفال يقترح طريقة أخرى للنظر إليها: “في العام 2001، كانت طالبان تدعو إلى مفاوضات (مع الولايات المتحدة)، وتقول إنه ليس لديها أي تعامل مع القاعدة. واعتقد الغرب في حينه بأنه ليست هناك فائدة من وراء المباحثات، وأنه يجب عليه سحق طالبان. وراهناً، نرى الحالة وقد انعكست، ونرى طالبان تعتقد أنها هي المنتصرة، وأن الناس الآخرين هم الذين يطلبون عقد المباحثات معها”.
“في العام 2001، كانت لتنظيم القاعدة قواعد في باكستان تحظى بالدعم من المخابرات الباكستانية، لكنها لم تكن تتوافر على مجموعات إرهابية في باكستان تقوم بمهاجمة الدولة الباكستانية. وراهناً، نلحظ في باكستان نجوم العديد من المجموعات التي تستهدف الدولة الباكستانية، وكلها تقرن نفسها بقضية القاعدة، حتى تلك المتأثرة بالمخابرات الباكستانية”. “تأمل المخابرات الباكستانية بأن يفضي خفض القوات الغربية إلى تمكينها من الاستفادة من حسن النوايا تجاهها لوقف الإرهاب في باكستان. لكنني أعتقد بأن العكس هو المرجح، حيث ستتولى طالبان قدراً من السيطرة”.
ويعيد دوفال، مثل علي، الفضل في جهود مكافحة الإرهاب إلى الولايات المتحدة والدول الأخرى التي حققت حالات نجاحات كبرى. لكن القليل جداً من الانتباه، كما يقولان، قد أعير للطريقة التي يتكيف بها الإرهابيون.
ولنعط بعداً أسترالياً لما يصفه علي ودوفال. فقد تدرب حوالي 25 أسترالياً مع الجهاديين في أفغانستان. وأصبح كل هؤلاء الذين عادوا إلى الوطن موضع قلق أمني. وفي أي وقت الآن، ثمة 50 أستراليا ونيف يقاتلون في سورية، وآخرون عديدون يقدمون مساعدة أخرى هناك.
يقول دوفال: “لقد اعتقدنا أن البلسم (للإرهاب العالمي) كان قطع التمويل عنهم ودعم الناس، لكنه تبين أن البلسم كان في الحقيقة حرمانهم من الملاذ. وكانت لديهم ملاذات في باكستان في الماضي. لكنهم إذا حصلوا الآن على حكومة متأثرة بطالبان في أفغانستان، فإنهم سيستطيعون الحصول على ملاذات في أفغانستان مرة أخرى، بحيث تصبح الأوضاع خطيرة جداً”.
كما أنه يعتقد بأن الحديث عن انشقاقات وخلافات في داخل طالبان مبالغ فيه. فلا أحد من مجموعات طالبان، كما يشير، يوجه انتقادات لزعيم كامل طالبان، الملا عمر. وحسب وجهة نظر دوفال، فإن هناك ملاذ للجهاديين في أجزاء من سورية، وثمة جماعات مؤيدة للقاعدة تسيطر على قطع كبيرة من الأراضي في شمال أفريقيا، ومن الممكن ظهور ملاذات مرة أخرى بسهولة في أفغانستان، كما أن مستقبل الدولة الباكستانية في وجه التحدي الجهادي يظل سؤالاً مفتوحاً. إنه خليط مخادع.
يعد دوفال وعلي من بين الأشخاص الأفضل اطلاعاً والأفضل موثوقية في تقييم الإرهاب العالمي. وكما يتضح، فإن تقييماتهما المنفصلة متشابهة وصادمة، ومنذرة بالمشاكل بعمق. فلا تقولوا أنكم لم تتلقوا التحذير.

الغد الأردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version