الرئيسية الاخبار العالم أدمن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية فقط

العالم أدمن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية فقط

d3496025_ISRAEL-PALESTINE-FLAGS

في افتتاحية استثنائية نشرت في الأيام الأخيرة، دعت صحيفة “النيويورك تايمز” الولايات المتحدة إلى التوقف عن إضاعة وقتها على المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، والانتقال منها إلى شيء آخر. في عالم آخر، ربما لم تكن هذه النصيحة لتكون مرضية عاطفياً وحسب، وإنما ستكون عملية أيضاً. إن عملية السلام تفعل أكثر مما يفعله السلام لكل من بنيامين نتنياهو ومحمود عباس: إذ يحصل كلا الجانبين على أشياء من دون أن تترتب عليهما التزامات حقيقية. ويشكل جون كيري الغطاء الأمني الذي يجعل ذلك ممكناً.
وإذن: لماذا لا نرفع ذلك الغطاء؟
من منظور كيري، أعرف تقريباً لماذا لا يريد فعل ذلك. إنك لا تستطيع التوصل إلى اتفاقية لإنهاء الصراع حالياً —وهي وجهة نظر ما أزال أداوم على طرحها منذ العام 2003، على نحو يخيب أمل العديدين ممن لا يوافقونني على تحليلي السلبي. لكنك تستطيع من العملية تجنب العنف والإبقاء على الأمل حياً.
ثمة مسوغ آخر لاستدامة العملية الجبارة، هو أن أميركا والعالم عاجزان مؤسسياً عن التنصل منها. وتلك كانت الحالة في العقدين ونيف الماضيين منذ بدأت العمل في سلام الشرق الأوسط، وهو ما يصح الآن أكثر من أي وقت مضى على الإطلاق. وثمة عدة أسباب لذلك.
أحيانا يتولد لدي الشعور بأن العالم بأسره يعتبر عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين نقطة ارتكاز للحضارة الحديثة. ويشكل شهادة استثنائية على استدامة هذه القضية أنه، مع كون مصر في حالة فوضى عارمة مزمنة، وسورية في حالة تحلل، وليبيا في حالة فشل معدل، وفلاديمير بوتين يهدد بالتهام المزيد من أوكرانيا، وآسيا تتطلع إلى مزيد من الاهتمام أيضاً، فإن عملية السلام تستمر في جلب الزخم الذي تستقطبه.
يعود هذا، في الجزء الكبير منه، إلى صناعة عملية السلام الحقيقية التي تبقي على الطبول تقرع. وتتكون هذه الصناعة من المدافعين عن الدولة اليهودية والحاطين من قدرها والذين عقدوا العزم على جعل الموضوع مهماً لأعوام كثيرة ستلي: الزعماء الدينيون والمؤمنون المسلمون واليهود والمسيحيون على حد سواء؛ والدبلوماسيون من كل أنحاء العالم ممن يكسبون عيشهم من الموضوع (وأنا أتحدث من تجربة شخصية). وبالطبع، ثمة الإعلام، الذي يرى في هذه المسألة مصدراً للأخبار—قصة تستمر في العطاء.
كل هؤلاء اللاعبون مجتمعون سوية يوفرون قوة هائلة لبقاء عملية سلام معمرة. وحتى لو أن النتائج لا تظهر على الإطلاق، فإن جماعة الضغط من أجل السلام ستحافظ على بقاء النار مشتعلة.
يشكل كيري عضواً رئيساً في هذه الكينونة. إنه، باختصار، مدمن على عملية السلام. وأنا أعرف ذلك الشعور. إنه يعتقد بحق بأن المصلحة القومية الأميركية لا تكمن في الحفاظ على العملية حية وحسب، ولكن أيضاً في جعلها تؤتي أكلها. وهو يعتقد بأن هذه هي بالفعل الفرصة الأخيرة للسلام، وهو يعتقد بأنه يتوافر على ثقة الأطراف والإرادة والمهارة التي تمكنه من حلها. وهو يعتقد بالإضافة إلى ذلك بأن التوصل إلى اتفاقية هو تذكرته وصوله إلى قاعة مشاهير وزارة الخارجية الأميركية.
إنك لا تنسحب فقط عندما يكون لديك إيمان بمثل بهذه الأشياء. ولا يستطيع كيري التظاهر بأنه لا بأس عليه إذا غادر. إ،ه يهتم كثيراً جداً. ولذلك يفعل كل ما بوسعه من أجل شراء الوقت، على أمل أن شيئاً ما قد يحدث وينقذ العملية: مثلاً صفقة أميركية إيرانية حول الموضوع النووي، أو اختفاء بيبي من المشهد السياسي بطريقة سحرية (الاحتمال الأول أكثر ترجيحاً مقارنة مع استحالة الاحتمال الثاني). لا شك في أن أميركا كانت قد هددت بالانسحاب من هذا الشأن من قبل. واللحظة الأيقونية التي غالباً ما يستشهد بها في هذا الصدد كانت عندما أعطى جيمس بيكر (وزير الخارجية الأميركية الأسبق) الإسرائيليين رقم هاتف البيت الأبيض خلال شهادة له أمام الكونغرس في حزيران (يونيو) من العام 1990، وقال: “عندما تكونون جادين بشأن السلام، اتصلوا بنا.”
لكن ظروف اليوم مختلفة بشكل جذري قياساً بما كانت عليه وراء عندها. في حزيران (يونيو) 1990، لم تكن ثمة أي عملية سلام للانسحاب منها. ولم يكن لا العرب ولا الإسرائيليون قد أمضوا 20 عاماً وهم يتفاوضون تحت الأحزمة. وفي أي حال، لم يكن لتعليقات بيكر أي تأثيرات ذات بال حينذاك. لكن بعد 18 شهراً، وفي أعقاب انتصار إدارة بوش على صدام حسين (الرئيس العراقي الأسبق)، بدأت عملية مدريد بشكل جدي. وعندها استخدم بيكر التهديد بالانسحاب مرة أخرى —وعلى نحو أكثر فعالية بكثير. فقد كان لديه شيء ما ليخسره، وكذلك كان حال كل الأطراف الأخرى. لقد أدركوا ذلك، وقد أرعبهم.
إن كيري ليس ببيكر، ومع ذلك، فقد استثمر كثيراً بحيث لا يستطيع رفع يديه من الموضوع -الأمر الذي بينما قد يخاطر بإفشال العملية برمتها، ربما يرسل شيئا من قبيل دعوة إيقاظ للأطراف، والتي مؤداها أنه لم يعد يحميهم. وأعتقد أن الرئيس لن يصدر أمراً إلى وزير الخارجية بالقيام بذلك. فانهيار العملية ربما يرعبهما كليهما أكثر مما يرعب بيبي وعباس، وهو شيء ليس جيداً أبداً.
لعل ما هو أكثر من مرجح هو أن تمضي العملية قدما. وفي المدى المنظور، فإما سيحاول كيري الحصول على اتفاقية لتمديد نسخة ما من الصفقة الأصلية، وإما ستقدم الأطراف، لغاياتهم الخاصة، على الخروج بصيغة تنقذ ماء الوجه لتجاوز ما يدعى الموعد النهائي في 29 نيسان (أبريل)، ويتم خلال ذلك وضع نوع من إطار عمل لبحث قضايا الوضع الدائم.
لكنه حتى مع عدم حدوث أي من تلك الأشياء، وحتى لو انهارت العملية، فإنها لن تكون قد ماتت تماماً مع ذلك. إن جماعة الضغط من أجل السلام قوية جداً بحيث أن عملية السلام ستعيش على شكل ما –فحيوات الإسرائيليين والفلسطينيين ومستقبلهم هي أمور مرتبطة بشكل لا يقبل الانفصام.
إذا كان ثمة شيء يستطيع إجبار الجانبين على الوصول بهذا الصراع إلى نهاية، فإنه قد يكون المخاطر المتأصلة في قربهما من بعضهما البعض. ولأنها غير مقبولة أخلاقياً وغير صحيحة سياسياً كما ينبغي الاعتراف، فإن جهودنا للإبقاء على عملية السلام حية، بينما يكون القصد منها هو مجرد تجنب انفجار العنف، قد لا تكون أكثر من مجرد تأجيل ليوم الاعتراف، فحسب.
*نائب رئيس المبادرات الجديدة وعالم بارز في مركز وودرولسون الدولي للعلماء. كتابه المقبل بعنوان نهاية العظمة: لماذا لا تستطيع أميركا ( وهي لا تريد) رئيساً عظيماً آخر.

الغد الأردنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version