إنك لا تصادف في كل يوم كاتباً يؤكد أن الطريقة لحل أزمة في بلد ما تكمن في توجيه ضربات عسكرية ضد بلد آخر. ومع ذلك، فتلك على وجه التحديد هي وجهة نظر آن ماري سلوتر في “بروجيكت سينديكيت” فيما يتعلق بسورية وأوكرانيا. وفق سلوتر، فإن المشكلة راهناً تكمن في أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشعر وكأنه يستطيع التصرف بحرية ومن دون قيود في أوكرانيا. وهكذا، فإن الجواب عنه سيكون استخدام القوة العسكرية ضد نظام الرئيس بشار الأسد في سورية، لأن “الطلقات التي ستطلق في سورية من جانب الولايات المتحدة ستتردد أصداؤها عالياً في أوكرانيا”، وفق كلماتها.
“لقد حان الوقت لأن يظهر الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه يستطيع الأمر بالاستخدام الهجومي للقوة في ظروف غير تلك الهجمات بواسطة الطائرات من دون طيار أو العمليات السرية. وستغير النتيجة الحسابات الاستراتيجية ليس في دمشق وحسب، وإنما في موسكو أيضاً”.
فلنضع جانباً حقيقة أن أوباما فعل ذلك بالضبط في أكثر من مناسبة: في “زيادة” عديد القوات في أفغانستان في العام 2009، وفي العام 2011 تدخل الناتو في ليبيا. ولعل العيب الأكثر أساسية هو أنه لا مسوغ للاعتقاد بأن قصف سورية سيفضي إلى أي شيء ليغير على نحو كبير حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. ولا تصف سلوتر أبداً حتى الآلية التي تدفعها للاعتقاد بأنها ستفعل ذلك أبداً. ولعل أقرب ما تصل إليه حين تقول:
“قد يعتقد بوتين، كما قالت القوى الغربية مراراً لمواطنيها، أن قوات الناتو لن تجازف أبداً باحتمال خوض حرب نووية من خلال نشر قوات لها في أوكرانيا. ربما لا. لكن القوات الروسية التي تزعزع استقرار شرقي أوكرانيا لا ترتدي أي زي رسمي. ويستطيع الجنود المبهمون القتال في صفوف كلا الجانبين”.
يبدو هذا الطرح وكأنه يقول إن الهدف من ضرب سورية هو محاولة إقناع بوتين بأن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين قد يكونون راغبين في إرسال قوات إلى أوكرانيا. وثمة مشكلتان هنا. أولاً، لن تحظى أي حملة عسكرية ضد الأسد بأي شعبية على الإطلاق من جانب الجمهور الأميركي (استناداً إلى استطلاعات الرأي العام التي أجريت في الخريف الماضي)، كما من شأنها أن تحول الاهتمام والموارد الأميركية باتجاه سورية. ومن شأن هذا أن يجعل القيادة في واشنطن أقل ميلاً نحو اتخاذ موقف جسور في أوكرانيا، لا أكثر.
ثانياً، ما لم تؤيد سلوتر بشكل حقيقي استخدام القوة في أوكرانيا -وهو موقف لا تتبناه في هذا المقال- فإنها توصي في الأساس بأن تقوم الولايات المتحدة بضرب سورية كجزء من الخداع الموجه لموسكو. والمشكلة أنها ستكون عملية خداع شفافة. فالحقائق الخاصة بالوضع في أوكرانيا هي أن أميركا تتوافر على مصالح محدودة نسبياً هناك، وأن استخدام القوة العسكرية للدفاع عن أوكرانيا سيكون بمثابة مخاطرة بخوض غمار حرب مع قوة مسلحة نووياً. وفي ظل هذه الظروف، من غير المرجح أن تهب واشنطن للدفاع عن أي بلد ليست مرتبطة معه بمعاهدة دفاع جماعي. ولن يغير قصف سورية أيا من هذا بالضبط -وبوتين يعرف ذلك. ولا يعني ذلك أنه سيختار بالضرورة القيام بغزو صريح لشرقي أوكرانيا. لكنه يعني أن حساباته من المرجح أن تكون مستندة إلى حقائق فعلية وظاهرة، والتي تبلغ عن إحساسه بحصة أميركا في أوكرانيا، لا بما فعلته الولايات المتحدة في أي أزمة أخرى من حول العالم.
في الختام، من الجدير أن يتم التركيز على دراسة التداعيات الأشمل لأطروحة سلوتر. وعلى المستوى الأساسي، تقترح الذهاب إلى الحرب ضد أحد البلدان بهدف إرسال رسالة إلى القيادة في بلد آخر. وهذا طرح متهور وخطير. كما أن سلوتر تدعم ضرب سورية من أجل ضربها في حد ذاته (وما تفتأ تدعمه)، لكن المهم هو أن الطرح الذي تقدمه هنا لا يتطلب من المرء حتى الاعتقاد بأنه ينطوي على أي آثار ذات فائدة لسورية على الإطلاق. بل انها قد تكون له حتى آثار سلبية على سورية والشرق الأوسط، طالما تزيد على التأثيرات الإيجابية في روسيا وأوكرانيا. وستكون النتيجة النهائية هي خفض معيار ما يؤسس التبرير المقبول للحرب إلى الحد الذي لن يكون فيه تواجد لهذا المعيار تقريباً. ومهما كانت وجهات نظرك الشخصية من سورية أو أوكرانيا، فإن ذلك ليس النتيجة التي ينبغي أن يتوخاها أحد على الإطلاق.
الغد الأردنية