الرئيسية الاخبار تداعيات المصالحة بين فتح وحماس

تداعيات المصالحة بين فتح وحماس

rally-calling-for-reconcili

قد يكون ضرباً من الذكاء أن ينظر المرء الصفقة الأخيرة بين الفصيلين الفلسطينيين البارزين، فتح وحماس —والتي وافقت بموجبها المجموعتان على تشكيل حكومة إجماع، وعقد انتخابات في وقت لاحق من هذا العام- مع شيء من التحفظ. لم تكن اتفاقيتان قوبلتا باحتفاليات مشابهة وكانتا قد وقعتا في القاهرة في العام 2011 وفي الدوحة في العام 2012، قد أسفرتا عن الذهاب إلى أي مكان، حيث لم يعتقد أي من الجانبين أنه سيكسب أكثر مما يخسر من الموافقة على تقاسم السلطة.
مع ذلك، هنالك بعض المسوغات للاعتقاد بأن الأمر سيكون مختلفاً هذه المرة. فقد تم التوصل إلى الاتفاق هذه المرة بعد وصول وفد من قادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى غزة لأول مرة منذ الحرب الأهلية الوحشية التي كانت قد دارت بين حماس وفتح. وجرى توقيع الاتفاقية في فلسطين – وبالضبط في مدينة غزة- وليس في عاصمة أجنبية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المصالحة تحظى بشعبية هائلة في أوساط الفلسطينيين. وفي آذار (مارس) من العام 2011، وحيث كانت احتجاجات معادية للحكومات تنتشر في عموم المنطقة، خرج عشرات الآلاف في غزة والضفة الغربية للدعوة إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني الفلسطيني. ووجد استطلاع أجراه في شهر نيسان (أبريل) من العام 2013 مركز القدس للإعلام والاتصالات السلكية واللاسلكية أن أكثر من 90 في المائة من الفلسطينيين يحبذون المصالحة بين الفصيلين الفلسطينيين.
من المهم أن نعرف المدى الذي دفعت من خلاله الديناميات السياسية الفلسطينية الداخلية نحو هذا التحرك، حيث يتعرض الفصيلان إلى ضغط هائل. ووسط ما ادعى قادتها بأنها “صحوة إسلامية” في المنطقة، تبنت حماس وجهة نظر متفائلة من آفاق هذه الصحوة، مفترضة أنها ستستفيد من الموجة المقبلة من الحكومات التي يهيمن عليها الإسلاميون في المنطقة. لكنها سرعان ما شهدت حظوظ هذه الحركات وهي تتعثر بحدة في العام الماضي. فقد أفضى انقلاب تموز (يوليو) في العام الماضي إلى إسقاط حكومة محمد مرسي الداعمة للحركة (كانت حماس قد تأسست كفرع فلسطيني للإخوان المسلمين). وقامت الحكومة العسكرية المصرية الجديدة بإغلاق غالبية أنفاق التهريب على طول الحدود بين مصر وغزة، مقوضة إلى حد قاس وبعيد وصول القطاع المحاصر إلى لعالم الخارجي، وملغية مصدر دخل رئيسي لحماس التي تجبي الضرائب من تجارة الأنفاق.
من جهة أخرى، ومع دخول المفاوضات مع إسرائيل (والتي دخلها على عكس رغبة الأغلبية من حزبه) إلى غرفة الإنعاش أخيراً، يرى الرئيس محمود عباس بوضوح أن المصالحة ستكون شيئاً يعزز شعبيته الضعيفة، في وقت يتمتع فيه بموقف أقوى نسبيا في مواجهة حماس. وثمة سؤال يطرحه المرء هنا، حول ما إذا كان يرى في هذا التحرك شيئاً يعزز موقفه في المفاوضات مع إسرائيل، أم أنه يرى فيه بديلاً لتلك المفاوضات، أو ربما كليهما معاً –حيث الفكرة الأخيرة قائمة والسابقة انهارت كلية.
بشكل عام، يعكس رد الفعل الغاضب من بعض المشرعين الأميركيين التحدي (المضاف) الذي يخلقه هذا التصرف لإدارة أوباما في جهودها الواهنة لتسهيل التوصل إلى اتفاقية إسرائيلية فلسطينية نهائية. وتصنف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حماس على أنها منظمة إرهابية مسؤولة عن عمليات متعددة من القتل الجماعي في أعوام التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، وكذلك عن إطلاق الصواريخ من غزة على إسرائيل. ويظل ميثاق حماس يشكل وثيقة هجومية بعمق، والتي تستشهد بمبررات دينية لقتل يهود. وثمة سؤال مهم آخر، هو ما إذا كانت هذه الاتفاقية وعودة انضمام حماس إلى السلطة الفلسطينية تعني أن حماس قد تخلت عن تلك الوثيقة وتخلت عن هدفها الذي لطالما تمسكت به، تدمير إسرائيل، ورحبت بحل الدولتين.
من جهته أصر مسؤول فتح الرفيع، جبريل الرجوب، على القول بأن حماس أقدمت على ذلك حقاً. وقال: “إننا لم نكن راغبين في توقيع اتفاقية المصالحة من دون أن يكون واضحاً لدى كل الفصائل أننا نسير قدماً بأمتنا نحو حل الدولتين.” وأضاف: “آمل أن تسمح إسرائيل لعباس بالاستمرار في مفاوضات السلام على أساس دولتين لشعبين.”
ولكن، هل سيكون هذا التفسير كافياً لإرضاء المجموعة الدولية؟ في رد على تحقيقها النصر الانتخابي في العام 2006، فرضت اللجنة الرباعية بقيادة الولايات المتحدة- والتي تضم أيضاً الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا- ثلاثة شروط على حماس في مقابل إعادة الانضمام للحكومة الفلسطينية: نبذ الإرهاب، والاعتراف بإسرائيل، واحترام الاتفاقيات السابقة الموقعة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. (ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الحكومة الإسرائيلية تضم أحزاباً معارضة لقيام دولة فلسطينية أيضاً، مما يمنعها من التفاوض على إقامة مثل هذه الدولة).
من جهتها، ردت الولايات المتحدة بسلبية على هذه الأنباء، حيث وصفت الناطقة بلسان الخارجية الأميركية، جين بسالكي، الإعلان بأنه “مخيب للآمال” وقالت إنه “يثير القلق حول جهودنا من أجل تمديد أمد المفاوضات.” لكن الاتحاد الأوروبي رحب بالصفقة بين فتح وحماس. وقال الناطق بلسان الاتحاد، مايكل مان، في بيان أن “الاتحاد الأوروبي يدعو باستمرار إلى المصالحة الفلسطينية الفلسطينية”، واصفاً الاتفاق بأنه “عنصر مهم لوحدة الدولة الفلسطينية المستقبلية، وللتوصل إلى حل الدولتين.”
في الداخل الإسرائيلي، وكما فعل في تصريحات سابقة، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذه الخطوة. وقال بيان صدر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي: “هذا المساء، وبينما كانت مفاوضات السلام على وشك أن تجري، اختار عباس حماس وليس السلام… ومن يختر حماس لا يريد السلام.” ومن الصعوبة بمكان تخيل أن هذا العرض ينطوي على الكثير من الأهمية لدى عباس على ضوء أن مفاوضات السلام خلال العام الماضي لم تحرز سوى النزر اليسير، بينما كانت متزامنة مع زيادة غير مسبوقة في إنشاء المستوطنات الإسرائيلية.
وكان مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر قد صوت قبل تصريح نتنياهو لصالح تعليق المفاوضات مع الفلسطينيين. لكن عدداً من المحللين الإسرائيليين سارعوا إلى الإشارة إلى أن الاتفاقية بين حماس وفتح تمثل فرصة لإسرائيل. ولاحظ منتقدو المفاوضات أن عدم وجود الوحدة بين الضفة الغربية وغزة حيث تحكم السلطة الفلسطينية الأولى وحيث تحكم حماس الثانية، كان السبب في أن الوقت لم يكن ناضجاً لإبرام اتفاقية نهائية مع إسرائيل. ومن جهته، كتب باراك ديفيد من صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية قائلاً أن القادة الإسرائيليين “احتجوا بأن عباس لا يمثل في الحقيقة الشعب الفلسطيني، وأنه لا يمكن بالتالي إحراز أي تقدم طالما كانت السلطة الفلسطينية لا تسيطر على قطاع غزة.” وأضاف: ” إن اتفاقية المصالحة، إذا ما تم تطبيقها، تستطيع توفير رد على هذه الحجج من خلال خلق حكومة تمثل كل الفلسطينيين.”
لكن أيدو زيلكوفيتش من المؤسسة الفكرية المختصة بالسياسة الخارجية
الإسرائيلية “ميتفيم” قال: “سيكون من الخطأ تحديد موعد نهائي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي تضطر معه إلى الاختيار بين المفاوضات مع إسرائيل أو التقارب مع حماس.” وأضاف: “إن الاستقرار في النظام السياسي الفلسطيني يمكن أن يصب في صالح إسرائيل. وإذا تم التوصل إلى المصالحة بالفعل، فإن أي عملية سياسية بقيادة عباس مع إسرائيل ستكون ملزمة لحماس أيضاً.”
يبقى من المنتظر رؤية ما إذا كانت الولايات المتحدة ستختار في نهاية المطاف النظر إلى هذه العملية بهذه الطريقة أيضاً. وبالنسبة لوزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي جعل من التوصل إلى صفقة إسرائيلية – فلسطينية شغله الشاغل خلال فترة ولايته، فإن من شأن إعلان المصالحة بين فتح وحماس أن يزيد أكثر من تعقيد عملية عنيدة أصلاً. لكن، وبالرغم من الصعوبات التي شهدتها الأسابيع الماضية، وكما كنتُ قد كتبت في السابق، فإن وزير الخارجية كيري أثبت أنه قادر على مواجهة بعض أصعب القضايا في هذا الصراع بإبداع وفعالية. والسؤال الآن هو ما إذا كان يستطيع المحافظة على إبداعه بدرجة كافية لقلب وجهة هذه الأزمة الأحدث، وتحويلها إلى فرصة.

الغد الأردني

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version