الرئيسية الاخبار مخيم اليرموك ما زال يدفع فاتورتيْ الانقسام الفلسطيني ونقمة النظام

مخيم اليرموك ما زال يدفع فاتورتيْ الانقسام الفلسطيني ونقمة النظام

SYRIA-CONFLICT

في العالم عشرات الأنباء الكارثية عن الموت جوعاً في مخيم اليرموك – جنوب دمشق، وعلّت في أثرها الكثير من الأصوات الدولية المطالبة بفك الحصار عنه، وإدخال المساعدات الإنسانية إليه. وعلى رغم توصل الكثير من المناطق المحيطة باليرموك، والتي تسيطر عليها قوات المعارضة السورية، إلى تهدئة مع النظام السوري التي تم بموجبها فك الحصار عنها، وإدخال المساعدات الغذائية والطبية إليها مع بقاء قوات المعارضة فيها، إلا أن في «اليرموك» فشل الكثير من مبادرات التهدئة، ولا تزال الكارثة الإنسانية تحصد مزيداً من ضحايا الحصار المفروض لحوالى (290) يوماً على التوالي وقد بلغ عددها حوالى (150) ضحية حتى الآن، وهنا يصبح طرح هذا السؤال مشروعاً، ما الذي يعيق تحقيق تهدئة على غرار المناطق المحيطة بالمخيم؟ ولماذا إلى الآن لم تنجح مبادرات «تحييده» التي تقدمت بها منظمة التحرير الفلسطينية؟

ليست سهلة الإجابة عن هذا السؤال على رغم بساطته، فهنالك من يقول إن الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح و «حماس»، وتباين موقفهما من الشأن السوري هو السبب وراء الفشل المتكرر للكثير من المبادرات لحل أزمة المخيم، ولكن هذا الرأي يبقى ناقصاً طالما أنه لا يشمل الواقع السياسي المعقد للفلسطينيين في سورية، وطبيعة العلاقة بين النظام السوري ومختلف الفصائل الفلسطينية، والتي اتسمت تاريخياً بالكثير من المنعطفات والمواجهات في عهد الرئيس حافظ الأسد الذي حاول السيطرة على القرار في منظمة التحرير الفلسطينية، ودخل في صراع طويل مع رئيسها الراحل ياسر عرفات، كانت أبرز محطاتها انشقاق حركة فتح عام 1983 بدعم من سورية، وتشكيل فتح الانتفاضة، والتي حلّت إضافة إلى عدد من الفصائل الفلسطينية الموالية له محل منظمة التحرير في تمثيل الفلسطينيين في سورية، كما تم حظر حركة فتح التي كان يرأسها عرفات واعتقال الموالين له لسنوات طويلة، وبعد اتفاقية أوسلو (1993) شكلت في سورية الكثير من الفصائل الفلسطينية الرافضة الاتفاق ما سمي «فصائل التحالف الفلسطيني» الذي خرجت منه حركتا «حماس» مع انطلاق الثورة السورية تبعتها أخيراً حركة الجهاد الإسلامي، وقد لعبت الجبهة الشعبية – القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل دوراً رئيسياً في قيادة قوى «التحالف» وإدخال مخيم اليرموك في الصراع الداخلي بعد تشكيله «لجاناً شعبية مسلحة» متجاوزاً الإجماع الفلسطيني حول موقف الحياد في الشأن السوري.

في السنة الأولى والثانية من عمر الثورة السورية، مثّل مخيم اليرموك منطقة آمنة ومستقرة للنازحين السوريين من مختلف المناطق المشتعلة في البلاد، وهو ما لم يرق للنظام السوري الذي كان ولا يزال ينتهج سياسة العقاب الجماعي بحق المدنيين في المناطق الثائرة لقلبهم على الثورة، فضلاً عن كون اليرموك «سلة غذائية» للمناطق الثائرة المحيطة به، ولتغيير هذا الواقع الذي لا يتناسب وسياسته في قمع الثورة في تلك المنطقة، قام بدفع مجموعات مسلحة تتبع للقيادة العامة إلى التورط في اشتباكات عدة مع قوات المعارضة في المناطق المحيطة (يلدا – الحجر الأسود)، وأصبحت هذه المجموعات الفلسطينية تتبع مباشرة للقصر الجمهوري متجاوزة قيادة أحمد جبريل الذي وجد نفسه منساقاً أكثر نحو التورط في المستنقع السوري، وبعد نكبة المخيم أواسط كانون الأول (ديسمبر) 2012، استطاع النظام تحقيق هدفين، الأول تكتيكي ميداني يشمل القضاء على الحاضنة الشعبية والسلة الغذائية والتمهيد لفرض حصار كامل على المنطقة الجنوبية من دمشق، والتي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن القصر الرئاسي، أما الهدف الثاني فكان سياسياً، ويأتي في سياق محاولة النظام استعادة شرعيته التي تهاوت عربياً ودولياً عبر استمرار الاتصالات الفلسطينية معه، خصوصاً بعد خروج حركة «حماس»، فهذه الاتصالات يحتاجها في شكل أساسي في سياق «البروغندا» التي يحاول تسويقها باعتباره محور «ممانعة».

 

سياسة الحياد

حاولت منظمة التحرير الفلسطينية التي تتبنى سياسة «الحياد» في الشؤون العربية الداخلية، منذ زيارتها الأولى إلى دمشق في شباط (فبراير) 2013، تحقيق تقدم في رفع الحصار المفروض على مخيم اليرموك وتحييده عن الصراع الدائر في البلاد، وقد حصلت بالفعل على موافقة النظام في كل المبادرات التي قدمتها ولكن من ناحية شكلية فقط، حيث كانت ميليشيا النظام التي تتمترس حول المخيم تعيق أي تقدم في هذا الصدد، إما بإحداث اشتباكات مفتعلة مع قوات المعارضة، أو ببساطة منع دخول المساعدات تحت مختلف الذرائع، وسرعان ما استنتجت «المنظمة» أن نظام «الابن» لا يختلف كثيراً عن نظام «الأب» الذي خبرت سياسته الملتوية في الماضي، وهو يرفض مقولة «الحياد»، ويتبنى سياسة «إن لم تكن معي فأنت ضدي»، وهذا ما يفسر قيامها لاحقاً بتبني وجهة نظر النظام حول المؤامرة التي يتعرض لها، وذلك في سبيل تحقيق أي انفراج في وضع أهالي اليرموك المحاصرين بالجوع والنار، في هذه المرحلة، لعب النظام على التناقضات «الفصائلية» بين الفلسطينيين وبدأ بمساومة القيادة الفلسطينية وابتزازها في رام الله، والفصائل الفلسطينية في سورية على «شرعيتها» أمام الفلسطينيين المحاصرين، فمن ينقذهم يمتلك الحق في تمثيلهم، وكان النظام يهدف من هذه اللعبة الجديدة إلى إطالة عمر المأساة في المخيم ونسبها إلى قوات المعارضة تارة وتارة أخرى إلى الخلافات الفلسطينية، كي يستثمرها في مؤتمر «جنيف – 2» الذي كان يتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، حيث كان الاعتقاد السائد آنذاك بأن هذه المفاوضات «جدّية»، وتحمل في طياتها حلاً للملفات العالقة كافة، ومنها قضية اللاجئين الفلسطينيين، وسورية تمتلك رصيداً كبيراً منهم ومن قياداتهم أيضاً يمكّنها من استخدامهم كورقة مساومة في صراعها مع العالم في الاستحقاقين المذكورين. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فبعيد فشل «جنيف – 2» لمصلحة النظام استمر في استثمار كارثة اليرموك في تعزيز قبضته عليها عبر استغلال الشرخ الشعبي الحاصل بسببها، بين مختلف مكونات القيادة الفلسطينية «العاجزة» وبين جماهيرها في اليرموك، والتي هبت مرات عدة في تظاهرات مدنية تنديداً بهذا العجز. سقط منهم حوالى 12 شهيداً، خلال المواجهات التي حصلت مع عناصر النظام وميليشيا القيادة العامة عند حاجز المخيم، إحداها كانت تظاهرة الأكفان.

وبعد انكشاف أمر جريمة الحصار ونتائجها المأسوية أمام العالم وتعرضه لضغوط دولية، لم يتغير واقع الأمر كثيراً، فقد سمح النظام السوري نتيجة لهذه الضغوط، في إدخال المساعدات إلى المخيم المنكوب على شكل جرعات صغيرة ومتباعدة وقام بتوزيعها بطرق مذلة للأهالي، وفي هذه الأثناء توصلت الفصائل الفلسطينية الـ 14 إلى اتفاق جديد مع قوات المعارضة السورية في مطلع العام الحالي وبموافقة النظام السوري، ينص على «تحييد» المخيم، وفك الحصار عنه وقامت بموجبه قوات المعارضة السورية بالانسحاب منه، وكان من المتوقع فك الحصار نهائياً عن اليرموك في (20) من شهر شباط الماضي، غداة تأكيد ذلك من جانب لجنة من الفصائل بأن تعهدات قوات المعارضة تم تنفيذها كاملة، ولكن بعد مرور حوالى أسبوعين على ذلك لم يفك الحصار وبدأ الأهالي بالتململ وانتشرت أنباء عن أن النظام يرفض فك الحصار عن المخيم، ونتيجة لهذه المماطلة والرفض، فضلاً عن رصد محاولات تسلل عدة، وتمركز لمجموعات تتبع «الانتفاضة»، كلها قادت في المحصلة إلى انهيار الاتفاق. اتضح حينها أن النظام السوري لا يرغب بالفعل بفك الحصار عن المخيم، ويفضل الإبقاء عليه كما هو والاكتفاء بتزويده بجرعات قليلة من المساعدات «حين الضرورة» كي يستمر في استثمار مأساته، ولم يكن وحده في هذا الشأن، فقد أظهرت التسريبات وجود صراع بين فصائل التحالف الفلسطيني ممثلة بالجبهة الشعبية – القيادة العامة وحركة فتح الانتفاضة، وبين باقي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حول رغبة تلك القوى التمتع بالسيطرة الأمنية، والسياسية على المخيم، ظهرت من خلال إصرارها على زيادة عدد عناصرها المسلحة في القوة الأمنية المشتركة (تجمع أبناء اليرموك) المشكلة من الفصائل الفلسطينية كافة، والتي تقتصر مهمتها على خلق طوق أمني حول اليرموك، فضلاً عن رفضها مبدأ جعل المخيم منطقة «منزوعة السلاح» من الأطراف كافة، فهي تريد أن تعود إليه «منتصرة»، ولكن للأسف عليه. كما أن (القيادة العامة وفتح الانتفاضة) تريان أن عودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى سورية بعد قطيعة طويلة، تهدد وجودهما وتسحب امتيازاتهما في تمثيل الفلسطينيين في البلد، والتي انفردتا به لسنوات طويلة سابقة، خصوصاً أن حركة فتح المركزية «المحظورة» ذات الشعبية الكبيرة بدأت بالعودة تدريجاً إلى الشكل العلني وهو ما يزيد مخاوفهما، لهذه الأسباب مجتمعة، عملتا بحسب الكثير من الآراء، على إجهاض الكثير من الاتفاقات التي تريانها لا تضمن تبديد مخاوفهما وتحقق أهدافهما، وعلى حساب المدنيين حالها في ذلك حال قوات المعارضة السورية في بعض الأحيان!

 

سقوط اتفاق جديد

في آذار (مارس) الفائت، وخلال زيارته دمشق أعلن وفد منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد مجدلاني عن التوصل إلى اتفاق جديد، مع ميزة مهمة وهي تحديد سقف زمني مدته أسبوعان، وخطوات محددة ومتتابعة على خلاف الاتفاقات السابقة التي كانت بلا حدود زمنية، ولكن استمرار الاشتباكات العنيفة والمتواصلة بين قوات النظام وعناصر القيادة العامة مع قوات المعارضة على مداخل المخيم، فضلاً عن قيام النظام بنسف حوالى ثمانية أبنية عند مدخله الرئيسي، تعني أنه يعد لحسم عسكري هناك وليس تهدئة أو «تحييد»، والثابت من خلال مراجعة ما حدث في المرات السابقة (على رغم تجنب الخوض في الكثير من التفاصيل!) يبقى النظام السوري على الدوام صاحب الكلمة الفصل في فك الحصار عن اليرموك كما فعل مع باقي المناطق المحيطة، ولكنه يعمل على استمراره مع باقي المخيمات الفلسطينية المنكوبة لتحقيق مكاسب سياسية على المستوى الدولي استعداداً لأي تسوية مرتبطة بحق العودة، فضلاً عن دعم حلفائه (القيادة العامة وفتح الانتفاضة) في فرض شروطهم في أي اتفاق حوله، أو الاتجاه نحو الحسم العسكري الذي روجت له أخيراً، والذي بات من الواضح أن النظام يستخدمه كوسيلة لمعاقبة منظمة التحرير الفلسطينية على تمرد الماضي، وعبر استثماره المأساة الإنسانية في اليرموك، يتحكم في مقدار شرعيتها وشرعية باقي الفصائل أمام المحاصرين والفلسطينيين في سورية عموماً، في ظل حالة الاحتقان الشعبي ضد مجمل القوى والفصائل الفلسطينية هناك، وطالما لا توجد إلى الآن، إرادة دولية توقف القتل اليومي والممنهج للسوريين والفلسطينيين على حد سواء، ولم تتخلص بعض الفصائل الفلسطينية من «مخاوفها» وأهدافها الضيقة لمصلحة الأهالي في اليرموك، سيبقى النظام السوري صاحب الفضل في صناعة «مأساة اليرموك» والرابح الوحيد من استمرارها.

الحياة اللندنية

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version