عند الساعة 2:38 من مساء يوم 9 أيلول (سبتمبر) 2013، نشر جيرمي فاولر صورة لأفراد عائلته وهم يرتدون خوذات الدراجات الهوائية، بينما يقفون أمام سياج زريبة حصان في مكان غير معروف في نيو هامبشاير. ويتحدث انعكاس بشراتهم المغسولة عن نوعية الكاميرا بقدرة 2.0 ميغابكسل في هاتف جيريمي النقال. كان ذلك الوصول إلى قسم تغذية المعلومات على “فيسبوك” غريباً، وشكلت تحية تكريم في لحظة فقدان صواب لوالد جيريمي الذي كان قد توفي قبل 48 ساعة من نشرها. كانت تلك آخر صورة لجيمي، والتي تواجد فيها جميع أفراد الأسرة مرة، وإشارة على منتهى الإجلال والجدية المثالية في وسيط لا تنتمي إليه الجدية في كثير من الأحيان.
أرفق جيريمي الصورة بهذا الوصف للحالة: “بالأمس رحل والدي بشكل مفاجئ ليكون مع الرب، ونحن سعداء لأنه أصبح الآن في مكان أفضل بكثير من الذي نحن فيه، ولكننا سنفتقده كثيراً، أرجوكم أن تُصلّوا من أجل عائلتي في هذا الوقت الصعب!”، وحتى الآن، تلقت الإرسالية 62 إشارة (إعجاب) Like، و33 تعليقاً مما يقرب من 459 صديقا. وقال معظمهم أشياء مثل: “ليكن الله معكم جميعاً! لقد صلينا من أجلكم وسوف نستمر في الصلاة”.
الموت، الذي عادة ما يشكل مثل هذا المحرم الكبير، لم يكن موضوعاً مناسباً لـ”فيسبوك” بكل ما فيه من اختصارات التهجئة وعلامات التعجب. ولا شك أن التعليقات وفيرة عن قدرة وسائل الإعلام الاجتماعية على تعزيز النرجسية، وتشجيع الفرد على الانجراف إلى العالم الرقمي حيث تكون لمسة مفاتيح الكمبيوتر هي أقرب شيء إلى التفاعل البشري. وتنتهي هذه الحجج التي يمكن التنبؤ بها حتماً بأوامر ذكورية من نوع “اخرج!” و”اختبر العالم!” و”التق بجيرانك!”.
لكن صديقاً يرسل على “فيسبوك” عندئذ أن والده قد توفي. ولا يتبقى لنا نحن سوى أن نكتب: “سوف تكون الأمور بخير”. هذه هي الطريقة التي نواسي بها جيريمي، الطالب في السنة الثانية الجامعية، والصديق القديم الذي أصبح الآن بلا أب.
فجأة، يجري إغراق مساحة على الإنترنت كانت محفوظة عادة للنكات والترويج الذاتي بخطاب التعزية الجاد وبالروحانية، عندما يطلب الناس الصلوات والدعاء والأفكار. ويبدو هذا الانتقال غريباً وغير مناسب تقريباً، حيث يتم استبدال التعبيرات المازحة السهلة والسخريات التي تهيمن على مناقشات قسم التعليقات بوعود بالتذكر، وإنما للحظات قصيرة فقط، لأنه يفترض أن يعود الذين يقدمون الأمنيات الطيبة إلى برمجتهم المألوفة المرتبة بشكل اعتيادي في مواقع التواصل الاجتماعي.
يمكن أن تكون تجربة مشاهدة كل هذا وهو يتكشف مؤلمة، ولعلها أقرب إلى مشاهدة والديك وهما يبكيان للمرة الأولى. إننا نختبر ذلك الإدراك الغرائبي نفسه لحقيقة أن الوهن والضعف من الأشياء الحقيقية والحاضرة في حياة الناس، وأن قدرتنا على الاستجابة غالباً ما تقتصر على العبارات البائسة التي بلا حول، والكلمات خاطئة الإملاء، وعلامات التعجب. ويُترك لنا أن نكتب، “سوف تكون الأمور بخير” لشخص ما فقد والده للتو. إننا نضغط المفاتيح البلاستيكية هبوطاً وصعوداً بطريقة إيقاعية بينما تصطف الحروف الحادة أمامنا في صفوف مكتملة. هذه هي الطريقة التي وصلنا إلى الحديث بها عن الحزن. هذه هي الطريقة التي نواسي بها جيريمي، الطالب الجامعي والصديق القديم الذي أصبح الآن بلا أب.
لكن ذلك يساعد، بطريقة ما.
“يمكن أن تعمل وسائل الإعلام الاجتماعية كعازل اجتماعي أو كمحفز لألم الناس وشعورهم بالوحدة. إنها صرخة من أجل استدعاء الدفء والتعاطف في بيئة تكون بخلاف ذلك سطحية ونرجسية”. هكذا يشرح توماس شامورو-بريزوميك، أستاذ علم نفس الأعمال في جامعة لندن. ويضيف: “إن تعاطف الناس وإشارات “إعجاب” في “فيسبوك” هي أمور حقيقية وأصيلة، لأسباب ليس أقلها أنها تعترف بأن الشخص الآخر يبحث حقاً عن الدعم والمساعدة، أكثر من كونها تسجيلاً للنوع المعتاد من الإعجاب أو الموافقة على الحالة”.
إن توجه الفرد تجاه وسائل الاعلام الاجتماعية يتغير جذرياً عندما تدخل المأساة في الصورة، وتغير أسلوبه في استخدام الوسيلة من خلال تشتيت انتباهه عن صورته هو. ويعمل هذا بطريقة تشكل انعكاساً للقاعدة.
“المفتاح هو أن الناس يتحولون في اللحظات الحرجة من “التصرف بشكل جيد” (محاولة رسم شخصية رقمية ناجحة بشكل غير واقعي) إلى حالة “التواضع الشخصي”، حيث يسعى المرء إلى الدفء والانتماء”، كما يقول تشامورو-بريموزيك. ويبدأ المستخدمون الاعتراف بالمجتمع الأكبر باعتباره شيئاً أكثر من مجرد التأكيد المشار إليه بإبهام رقمي. ويتحول التركيز من رغبة في التأييد إلى رغبة في الدعم. إن المأساة تدعونا إلى وضع “الأنا” في وسائل الإعلام الاجتماعية جانباً، واعتناق مبدأ “نحن”.
لكن الذي على المحك هو الطريقة التي نتواصل بها فيما يتعلق بالعناصر الأكثر أهمية في حياة الإنسان. وإذا ما وجد شخص ما بعض السلوى بسبب ثلاث وثلاثين إشارة “إعجاب” على صورة تحيي ذكرى والده الراحل، فإن الأمر يستحق اهتمامنا.
وحتى مع ذلك، تظل هناك بعض الأسئلة حول ما إذا كان هذا التحول يشكل مجرد وسيلة جديدة للتعبير عن مشاعر قديمة معروفة. وبينما قد تغيّر المأساة الطريقة التي نستخدم بها موقعاً معيناً أيضاً، فإن عالِم نفس وسائل الإعلام، جيري هوغ، يعتقد أن وسائل الإعلام الاجتماعية ربما لا تكون قد غيرت كثيراً في الطريقة التي نحزن بها. ويصف هوغ وسائل الإعلام الاجتماعية بأنها “مجرد أداة حالية جديدة تربطنا مع الأصدقاء والعائلة”، أكثر من كونها سلوكاً جديداً. ويسأل هوغ: “هل هذا جيد؟ هل هو سيئ؟” ويجيب: “كلا، أعتقد أنه شيء مختلف فقط. إن المحركات الأولية للسلوك لم تتغير. ونحن نحتاج إلى التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد”. حتى أن “فيسبوك” توقع هذا التحول، وعرض تعليمات مفصلة حول كيفية إحياء ذكرى صفحة شخص عزيز.
مع ذلك، تقوم تجربة الحزن بوضوح بتغيير الطريقة التي نستخدم بها وسائل الإعلام الاجتماعية، ويخيم احتمال أن تؤثر وسائل الاعلام الاجتماعية أيضاً وتتدخل في طبيعة الحزن نفسه. وقد تحدث الأستاذ غاري هير، مدير برنامج علم نفس وسائل الاعلام في جامعة فيلدينغ للدراسات العليا، في اتجاه هذه الفكرة، فأشاد بوسائل الاعلام الاجتماعية لعملها في “تحريض عملية الحزن… إنها تضع ذلك في سياق مجتمع يتكاتف معاً ويقول لك إنك لست وحدك. ذلك يساعد”. ويشير هير إلى أن وسائل الإعلام الاجتماعية قد حسنت فعلاً قدرة الفرد على التخفيف من الحزن، حيث قدمت إطاراً يفضي إلى التعبير عن التعاطف.
يقول هير: “في الأيام الخوالي، كان عليك أن تذهب وتدق على باب جارك عندما يحدث شيء سيئ. لكن الكثيرين منا لم يكونوا يفعلون ذلك لأننا لم نكن نعرف ماذا نقول. إننا غير مجهزين لذلك فحسب. كان يمكنك أن ترسل لهم الحساء. كان يمكنك أن ترسل لهم رسالة صغيرة. الآن، أصبحت المسافة التي تقدمها وسائل الإعلام الاجتماعية أكثر أماناً بشكل غير اعتيادي، وذلك لا يجعلها أقل مغزى أيضاً”.
ثم أكد هير هذه الرسالة بالإشارة إلى صفحة “فيسبوك” المكرسة للعثور على أولئك الذين فقدوا في فندق مونتانا أثناء زلزال هاييتي في كانون الثاني (يناير) 2010. وقد تم إعلان مئات الأشخاص في عداد المفقودين من هذا المنتجع من فئة الأربع نجوم لدى انهياره، وأصبحت هذه الصفحة وسيلة مركزية للاتصالات والتواصل في أعقاب الحادث مباشرة.
ذكرت صحيفة سياتل تايمز أن الموقع بدأ في لونغ آيلاند عندما “سمعت كاتلين فوينتيس، وهي مدرّسة بعمر 26 عاماً، وشقيقها مات وشقيقتها ليزي، عن وقوع الزلزال في الأخبار. وقد بحثوا عن الفندق في محرك “غوغل” ولم يجدوا سوى المواقع التي تأخذ الحجوزات. ولذلك أنشأوا صفحة مجموعة لفندق مونتانا في “فيسبوك”، ونشروا اسم عمهم المفقود هناك. وفي غضون دقائق، غمرت الصفحة أسماء المفقودين داخل الفندق”.
بينما تقاطرت المعلومات بكميات كبيرة، تحول الموقع من مصدر للمعلومات إلى مصدر للعزاء والسلوى. وقامت الصلاة المفتوحة، والدعوات إلى وقفات احتجاجية، وكلمات التأبين الهادئة، بدعوة الزوار إلى المشاركة في أحزان أولئك الذين فقدوا أحباءهم. وتحت ألبوم سمي “في قلوبنا إلى الأبد” ما يزال بإمكانك العثور على صور لعشرة من أولئك الذين فقدوا في الزلزال. وفوق وجوه هؤلاء الأطفال والكبار، سوف تجد الشاخصة الحزينة نفسها: “لعلكم تطيرون مع الملائكة في السماء”.
في كل هذا، سوف تجد في منتهى الصعوبة العثور على شخص واحد “يتصيد” في الموقع باستخدام ذلك النوع من النقد اللاذع الكاره للبشر والشائن الذي عادة ما يوجد على ألواح المناقشة في وسائل الإعلام الاجتماعية. وحيث عادة ما يعزز الحوار بين أشخاص مجهولي الهوية الحقيقية نوعاً من النقاش الدنيء واللاإنساني، يعلق مشرف الموقع الحالي، بوب ألين، بأنه مندهش من أنه “مع وجود 15.000 شخص في هذه الصفحة، فإنك يمكن أن تحصي المشاكل فيه على أصابع اليد الواحدة”.
إن التعليقات التي تصاحب هذه الصور هي تعليقات انتقائية ونخبوية، والرسائل متفاوتة من “فيبارككم الله جميعاً!!” إلى “إنني آسف جداً”: (ورغم أننا قد نتساءل لماذا يستخدم شخص ما علامة تعجب أو تعبير وجه حزين عند التأمل في هذه المأساة، فإن هناك شيئا فظيعا ومليئا بالإنسانية الجامحة في هذا الأمر. إنك تشعر بأن هذا هو ما تبدو عليه المأساة، وأن هذه هي الطريقة التي تستجيب بها قلوبنا حقاً.
أشار هير إلى أن “”فيسبوك” يعطي الناس الفرصة ليكونوا صادقين… إنه يسمح لك بأن تعترف بأنك لا تعرف ماذا تقول. وعندما ينشر صديقك صورة والده الذي توفي للتو، فإنك لا تعرف كيف تستجيب. ونعلم فقط أننا غير مهيئين لنقول الكثير عن أي شيء، حتى عندما نريد ذلك. إن وسائل الإعلام الاجتماعية تساعدنا على التحدث بصدق… وذلك أمر مهم جداً”.
في نهاية المطاف، يقترح هاري أن مواقع مثل “فيسبوك” قد تغير بشكل جذري الطريقة التي نحزن بها، “من الناحية النظرية، يمكن للصحيفة أن تغطي مأساة، ويمكنك أن تكتب رسالة إلى المحرر أو أن تعلق على موقع الصحيفة، لكن الأمر في جميع الحالات تقريباً يمر من خلال محرر. ثمة شخص يقوم في الواقع بتحرير ردود أفعالنا العاطفية على شيء ما. إننا نتعلم أن هذا ليس استخداماً جيداً جداً للوقت… وكلما كان هناك محررون أكثر، قل احتمال حدوث تواصل حقيقي أصيل. وعندما يحدث شيء فعلاً ويشكل مأساة، فإن الناس أصبحوا يعرفون أين يمكنهم الذهاب للعثور على رد فعل لم يتعرض للتحرير والتنقيح. وهذا أمر جديد في عالم التواصل”.
مما ينطوي على شيء من المفارقة أن وسائل الإعلام الاجتماعية يمكن أن تجعل نفسها أماكن مناسبة لقول الحقيقة حول المأساة. إننا نتحدث عن وسيلة حيث تكون فيها الذات نفسها قابلة للتحرير والتنقيح، وهنا نختار استخدامها من إجل منح الضعف صوتاً. قد يكون ذلك غريباً ومحرجاً قليلاً، ولكنه قد يكون التصوير الأكثر صدقاً لذواتنا أيضاً.
لقد تميز موقع فندق مونتانا على “فيسبوك” بهذه النوعية من الصدق. وعندما يتذكر بوب ألين تأثيره، فإنه يروي قصة رسالة بقيت مسجلة على جهاز هاتف مكتبه منذ وقوع المأساة وحتى الآن. كانت تلك مكالمة هاتفية من أرملة واحد من الذين فقدوا في المأساة. وقال لي: “لن أمسح هذه الرسالة. إنها مجرد مكالمة هاتفية بسيطة، تسأل فيها السيدة عن أحوالي. هذه المرأة التي فقدت زوجها للتو، تتصل لتطمئن علي وتستفسر عن أحوالي”.
حتى يومنا هذا، لم يقابل ألين تلك الأرملة. بل إنه لم يجتمع حتى بشخص واحد من آلاف الناس الذين تواصل معهم خلال هذه المأساة. ومع ذلك، سيقول لكم إنه يحبهم من خلال “فيسبوك”. كما سيقول لكم أيضاً إنه أحس بحبهم له ولمسه بيديه.
كان جيريمي قد أخبرني بالشيء نفسه ذات مرة.
(ذا أتلانتيك) ترجمة: علاء الدين أبو زينة– الغد الاردنية
