جاء الاتفاق على تشكيل حكومة “التوافق الوطني” بين طرفي الانقسام، فتح وحماس، باعتباره أبرز مؤشرات المصالحة الفلسطينية، لكن ما وصفه البعض بالبطء في تعامل الحكومة على الأرض، وهو ما ظهر في أزمة رواتب الموظفين في غزة، يفتح المجال حول إمكانية اعتبارها حجر عثرة في بناء المصالحة الأكبر، وسبباً في تعثر باقي ملفاتها.
وفي وقت تقول الحكومة إنها تدرس كل الحلول لمختلف القضايا من أجل إنهاء آثار الانقسام وتؤكد أنه “لم يمض على تشكيلها أسبوع، ومن غير المعقول أن يتم تحميل كل وزر الانقسام عليها، ووصف أداءها بالضعيف”، يرى آخرون أن ما حدث يدلل على أنه لا أحد يعلم بطبيعة اتفاق المصالحة الذي وصفوه باتفاق “الطربوش”.
وعلى الأرض، لا تزال أزمة الموظفين على حالها، إذ استمر إغلاق المصارف لليوم السابع على التوالي في قطاع غزة، ومُنِع الموظفون من تلقي رواتبهم، وشرائح مختلفة من المجتمع من تخليص معاملاتهم المالية، احتجاجاً على عدم صرف “حكومة التوافق” رواتب موظفي حكومة حماس السابقة، ما يفاقم الوضع الاقتصادي وتزداد الأمور سوءًا على وجه الخصوص.
ويرى عضو اللجنة المركزية لـ”الجبهة الشعبية” جميل مزهر أنّ “ما يحدث يستدعي من حماس وفتح الكشف عن مضامين اتفاق المصالحة”. ويقول، لـ”السفير”، إن “ما يحدث من إشكاليات حول أزمة الرواتب، يدلل على أن لا أحد يعلم طبيعة الاتفاق الثنائي بين الحركتين، إذ إنه من الواضح أننا أمام أزمة خطيرة”.
واعتبر مزهر أن “اتفاق المصالحة مليء بالألغام والعراقيل وهو اتفاق طربوش، وأزمة الرواتب هي الأولى”، لافتاً إلى أن “الكثير من العراقيل ستظهر في كل وقت”.
ولفت مزهر إلى أن “المطلوب أن يكون الاتفاق مبنيا على أسس واضحة وصريحة، وبرنامج سياسي واضح حول كل القضايا، سواء المتعلقة بالوزراء أم الأجهزة الأمنية أم معبر رفح وغيرها”. وقال: “ما يحدث يمكن أن يتسبب في انفجار باقي ملفات المصالحة، ومن الواضح ان الاتفاق ثنائي، وسنلاحظ في الأيام المقبلة ارتدادات هذا الاتفاق، المبني على تقاسم (الحصص) أصلاً”.
وعقد مسؤولون في حماس، مؤتمراً صحافياً في غزة أمس الأول، أكدوا فيه أن أزمة رواتب موظفي حكومة غزة السابقة “إما أن تكون مفتعلة أو أنها تؤسس لمرحلة صعبة”، مؤكدين حرص حماس على حماية اتفاق المصالحة “من أي عبث أو عودة للوراء”.
أما المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية إيهاب بسيسو، ورغم تأكيده أن الحكومة ذات مهمات محددة، أولاها إنهاء آثار الانقسام التي نتجت خلال سبع سنوات، والتجهيز للانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلا أنه يشير، في حديث مع “السفير”، إلى أنه “لم يمض على تشكيل الحكومة أسبوع، ومن غير المعقول أن يتم تحميلها كل وزر الانقسام”. ووصف أداءها بالضعيف، وانها تتبع لسياسة تمييزية خصوصاً في موضوع الموظفين، قائلاً: “هذا ينافي المنطق أصلاً”.
وكشف بسيسو، وهو مدير المركز الإعلامي الحكومي أيضاً، عن تشكيل اللجنة الإدارية القانونية التي ستنظر في ملف الموظفين في قطاع غزة من دون تمييز خلال الأسبوع الحالي. وقال: “نحن الآن أمام حالة فيها الكثير من التحديات، وإلقاء كرات الاتهام. وافتعال أزمات لا يفيد عمل حكومة التوافق الوطني ولا يخدم هدفها الرامي لإزالة آثار الانقسام”.
وشدّد بسيسو على ضرورة أن يكون هناك تسهيل لعمل حكومة “التوافق الوطني”، مشيراً إلى أنّ الحكومة تدرس كل الحلول المالية من أجل حل الأزمة، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء رامي الحمدالله، طلب في أول جلسة حكومية من كل الوزراء فحص وزاراتهم والبدء في إعداد خطط لتسهيل عملها.
لكنّ المحلل السياسي تيسير محيسن استبعد أن ينهار اتفاق المصالحة من خلال أولى العقبات التي حدثت حول رواتب موظفي الحكومة السابقة، مؤكداً أن فتح وحماس تؤكدان على طي صفحة الانقسام السوداء، وأنه لا عودة إلى الوراء.
ويرى محيسن، في حديث إلى “السفير”، انه سيتم التعامل مع كل عقبة تنشأ في ظل المصالحة، في ظل حكومة فلسطينية واحدة، حتى وإن كانت هناك ملفات كبيرة تحتاج إلى حل، مثل ملف الأمن ومنظمة التحرير وغيرها، لكنّ قدرة الطرفين على تجاوز هذه الأزمة، ستدفع إلى تخطي باقي الملفات العالقة. وأضاف: “الكثير من الملفات ستبقى تعترضها مشاكل، لكن بمقدار الثقة والإرادة لدى الطرفين سيتم تجاوزها”.
لكنّ محسين أوضح أن هناك بطئا في تعامل الحكومة مع أزمة الرواتب خصوصاً، مشيراً إلى أنه إذا استمر الوضع على حاله فإنها ستوصف بالضعيفة ولن تقوى على مواجهة التحديات المستقبلية.
وفي السياق ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، إن ما تحدث به مسؤول ملف المصالحة في فتح عزام الأحمد، يأتي في سياق استمرار الأزمة الراهنة، وليس حلها وتفكيكها، بل إنها تعميق لحالة الانقسام، من دون البدء في إيجاد حلول جدية لكل ما يحدث.
وفي حديث الى “السفير”، أوضح إبراهيم ان حديث الأحمد وتركيزه على مبدأ الاتفاق مع حماس على اتفاق واحد، وهو اتفاق القاهرة العام 2009، لا يصب في مصلحة اتفاق المصالحة المعروف بـ”اتفاق الشاطئ”، إذ إنه كان هناك اتفاق الدوحة والورقة المصرية، وكلها أتت في إطار واضح، وهو المصالحة.
وشدد على أن المسؤولين لا يشعرون بمدى الأوضاع المتدهورة في قطاع غزة، وهذا سيزيد الأمور تعقيداً، و”الناس لا تستطيع أن تصمد أكثر على ذلك”.
السفير
