يحتاج العرب إلى مثال آمل على التقدم إذا أرادوا الاحتشاد خلف الولايات المتحدة في “تدمير” جماعة الدولة الإسلامية. ويأتي مثل هذا المثال الديمقراطي على نحو جيد من تونس، الموطن الأصلي للربيع العربي.
* * *
كانت أعين العالم مسلطة في الأسبوع الماضي على الرئيس الأميركي باراك أوباما فيما يقوم بالتحشيد من أجل تشكيل ائتلاف من الدول بهدف “تدمير” تنظيم “الدولة الإسلامية” المتطرف ومنطقته التي يقودها بالإرهاب. وإذا ما قدر للعالم العربي أن يتخلص في أي وقت قادم من الأشكال العديدة من الاستبداد الذي يعاني منه -من الثيوقراطية إلى الأوتوقراطية إلى الأنظمة المتشبثة- فإنه يحتاج إلى نموذج يمكن أن يحاكيه.
ثمة قول عربي قديم يحث على الاقتداء بالمثال بدلاً من الوصية. وفي هذا ما يفسر السبب في أن من المفيد النظر إلى الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” بناء على الآمال التي يعرضها التقدم الأخير الذي أنجز في تونس.
هذا البلد الشمال إفريقي الذي كان قد بادر إلى الربيع العربي في العام 2011 ما يزال يثير الإعجاب والدهشة. ومع أنه يواجه العديد من الهجمات الإرهابية ويتعامل مع حزب إسلامي متدين، فإن من المقرر أن يذهب التونسيون إلى صناديق الاقتراع يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل من أجل انتخاب برلمان جديد، ثم مرة أخرى يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) لاختيار رئيس للبلد.
إلى جانب دستور شعبي جرت المصادقة عليه في وقت سابق من هذا العام، سوف تعزز عمليتا التصويت القادمتان بشكل نهائي عملية انتقال البلد إلى الديمقراطية. لكن الأهم من ذلك هو أن التونسيين يعون أيضاً ذلك الأثر الذي يتركونه على عموم شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وقال رئيس الوزراء التونسي علي جمعة لوكالة الصحافة الفرنسية في الأسبوع الماضي: “إن ما نحاول أن نبنيه يقف في معسكر المعارضة للنموذج الذي يحاول الإرهابيون والذين يقفون خلفهم فرضه”. واستبعد خطر إقدام الإرهابيين في تونس على محاولة تعطيل الانتخابات. وقال للوكالة الفرنسية: “إن المخاطر موجودة، لكننا نعمل على مجابهة هذه المخاوف”. وأضاف: “لدينا فكرة واضحة عن الواقع ولا يوجد لدينا أي مخاوف جدية”. أو على طريقة الفكرة العربية الشائعة: اترك الشر وسوف يتركك هو أيضاً.
في الأثناء، يبدو أن تونس تنال المكافأة على سلوكها النموذجي. فقد عزز كل من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي تمويلاتهم لذلك البلد. كما تقدم الولايات المتحدة طائرات عمودية من طراز “بلاك هوك” وغيرها من المساعدات العسكرية لمساعدة تونس في التعامل مع المجموعات الإرهابية التي تدخل إليها من الجزائر وليبيا. ويوم الإثنين من الأسبوع الماضي استضاف البلد أكثر من عشر من الدول في مؤتمر كان موضوعه آفاق الاستثمار المحتملة في تونس. ومن أجل المساعدة في تمتين حرياتها التي تأسست حديثاً، شكلت الحكومة أيضاً لجنة الحقيقة والكرامة، على غرار مثيلتها التي أنشئت في جنوب إفريقيا في حقبة ما بعد النظام العنصري. وسوف تبحث هذه اللجنة عن الحقيقة وتكشفها فيما يتصل بإساءة المعاملة وانتهاكات حقوق الإنسان في ظل الرئاستين السابقتين.
ولكن، ما هي مجموعة العوامل التي أفضت إلى النجاح الذي حققته تونس حتى الآن؟ هناك في المقام الأول، تراجعت المجموعة المتصلة مع الإخوان المسلمين، النهضة، التي كانت قد فازت في أول انتخابات برلمانية، عن السيطرة على الحكومة. وقد تنازلت المجموعة عن السلطة في أعقاب اغتيال قائدي معارضة علمانيين على يد متشددين إسلامويين. ولن تقوم الحركة الآن باقتراح مرشح منها للسباق الرئاسي، قائلة إنها تفضل حكومة شمولية. وإلى جانب ذلك، قررت الأحزاب المتنافسة “الانفتاح على بعضها البعض”، و”تجنب كل أشكال التطرف”، وفقاً لما ذكره أحمد نجيب الشابي، زعيم الحزب التقدمي الديمقراطي في تونس.
ما يزال أمام تونس الكثير الذي يحتاج إلى الإنجاز فيما يتعلق بتقديم الأمل الاقتصادي لجماهير الشباب العاطلين عن العمل. وما لم تتمكن حكومة منتخبة حديثاً من إجراء مجموعة من الإصلاحات الصعبة، مثل خفض المساعدات الحكومية التي تثقل الكاهل، فإن الدعم الشعبي للديمقراطية قد يتآكل.
بالرغم من خيبات أمل الربيع العربي في مصر وليبيا وسورية وغيرها، ما تزال تونس تشكل نجماً هادياً للعرب، واحداً يجب أن يحجب أي توجه لدى المسلمين الشباب للانضمام إلى “الدولة الإسلامية”.
الغد الاردنية
