تدور أنابيب التدخين الآن بين أيدي أركان الصحافة العالمية المؤيدة لحرب اميركا الجديدة على «داعش». الأبخرة الزرقاء تساعدهم على تخيل النتائج التي تراودهم ليلاً ولا تتحقق أبداً. ولكنهم ينسون أو يتناسون دوماً مقولات القرون الحيوية السابقة، والتي من أحشائها نهضت العقول المستنيرة سوية مع ولادة كل الظلاميات الفكرية المدنية والمسلحة.
فلا يوجد، بالتجربة المعاشة، أصعب ولا أكثر ما يثير الشكوك في النجاح، ولا أشد خطورة من محاولة بناء أو فرض بناء نظام «جديد» للأشياء على هذا الكوكب، لأن الداعي إلى النظام الجديد له أعداء كثر من الذين ينتفعون من النظام القديم أو الذين لهم منظومة بناء نظام آخر أفضل بشريا وأجدى إنسانياً. والعراق الحالي يخضع بشراسة لهذه المعادلات الحديدية التي تحاول الفرز بين الأسلحة الفتاكة والارادة الانسانية الصلبة. والولايات المتحدة التي أعلنت، جهاراً نهاراً أنها لا تمتلك استراتيجية محددة لمحاربة «داعش»، جعلت في هذا الغموض منهجا للريبة في نواياها الأصيلة، وفضحت استراتيجيتها الحقيقية في الاعتماد على القصف المنظم والعشوائي في الاقليم.
لكن المحلل السياسي ـ الانثروبولوجي، ويليم بيمان، كشف زيف هذه اللعب النارية وشرح على الطاولة جذورها التاريخية وألغازها السياسية، وكيف أن اميركا فعلاً تمتلك هذه الاستراتيجية، ولكنها تلجأ للتضليل، وهو جزء من هذه المنظومة الفكرية للحروب والاحتلال.
الأسس العقائدية للحرب على «داعش»
تستند السياسة الخارجية للولايات المتحدة في حربها الجديدة ـ القديمة على «داعش» إلى جملة من القواعد الفكرية والأسس النظرية التاريخية التي تنهل زخمها من الصفات الخاصة للمؤسسة الحاكمة في اميركا وتابعاتها من الادارات الرئاسية المتعاقبة. هذه القواعد المتعددة لم تتغير عموما منذ حرب «الاستقلال» عن بريطانيا، ولحد الآن، برغم التبدلات المفصلية التي حصلت على الصعيد الدولي وعلاقات القوى المهمة والمحركة للتاريخ الرأسمالي العالمي، وفي قلبه اميركا. وتنص المقاربة الأميركية على فكرة أن الأحداث يجب أن تتكيف مع السياسة الخارجية الاميركية بدلاً من أن تتكيف السياسة الخارجية مع الأحداث.
ويمكن تلخيص هذه المقاربة وفقاً للقواعد الأصولية التالية:
أولاً، تعتقد أميركا أن العالم الحقيقي يتشكل من «دول ـ أمم» وأن هذه الكيانات لها حيويتها الخاصة في الصراع أو الاتفاق من أجل تحديد المسار العالمي للتطور والذي يجب أن يكون متطابقا مع المصالح الاستراتيجية للرأسمالية الاميركية.
ثانياً، إن العالم الجديد، مع نهوض اميركا وهي أقوى دولة ـ أمة في التاريخ، منقسم فعليا إلى شرق وغرب، والصراع بين الطرفين هو المقرر للتطور الانساني، وهو يتشكل دائما من خلال آليات يومية معينة، بغض النظر عن الخلافات الايديولوجية أو السياسية. من هنا، فإن الشرق دوما «متخلف»، والغرب يتحمل عبء محاربة هذا التخلف ورعاية تحولاته الضرورية وصيانة مضاعفات عدم تطوره.
ثالثاً، إذا كانت اميركا قد اقتنعت مؤقتا بعد الحرب العالمية الثانية بأهمية تعدد الأقطاب في الحياة الدولية، فإنها كانت تستخدم هذه التعددية من أجل خدمة مصالحها وتحقيق استراتيجياتها المختلفة بنقل الحروب من قلب العالم الرأسمالي المركزي إلى الأطراف. رابعاً إن الاقتصاد والقوة العسكرية هي أسس العلائق بين الدول ـ الأمم الحية، وقد ثبت منظرو هذه الرؤية منهجاً محدداً في معالجة علاقات القوى الاقتصادية والحربية، وذلك باختزال أهمية
عوامل أخرى، تحديداً تلك الخاصة بالخلافات الحضارية أو التباينات الدينية.
خامساً، إذا كانت الثروة والنفوذ العسكري هما الحاسمان، فإن أفكار وأمزجة ومشاعر من نمط الحب والكراهية والايثار والجشع والكرامة لها التأثيرات المستبعدة عموماً، ويمكن توظيفها في الوقت المناسب لخدمة التغيرات المفاجئة أو المرغوبة في السياسة الخارجية. سادساً إن النخب المتميزة التي تتشكل من أفراد مبدعين وحاشية صغيرة محدودة ومغلقة، تتحمل مسؤولية القيادة في هذه المعمعة العالمية وفي منعطفاتها التاريخية والجيوسياسية.
النتائج المباشرة للقواعد السياسية
من هنا، فإن الدفق الطبيعي للسياسة الخارجية يتكون من قادة «نخب» هذه الدول ـ الأمم حيث يجتمعون، بقيادة اميركا، دورياً في النقاش والسجال حول بقاء وخلاص النظام الدولي الذي يحفظ مصالح اميركا والنظام الرأسمالي العالمي، الذي تمثله الأخيرة سياسيا وثقافيا بالدرجة الأولى والحاسمة. وعندما يتمرد أحدهم على هذه القواعد، أي «يخرج من التاريخ»، فإن القوى الحيوية مطلوب منها أن تطرده من الحياة بكل الأساليب وبشتى الطرق السلمية والعسكرية لأنه يشكل خطراً كبيراً على مصالحها الاستراتيجية.
إن المقاربة الفكرية والسياسية لهذه القواعد العقائدية لا بد أن تنطلق من نقطة جوهرية، وهي أن الرؤية الاميركية الأصولية لا تمت بصلة حقيقية لقوى الواقع الفعلي وأن قراءة المؤسسة الاميركية هو تمويه مسبق الصنع يخدم تصورها عن النتائج، لا النتائج الحقيقية حول طبيعة الصراع. من هنا، فإن البنية الفكرية والثقافية الاميركية تحولت إلى أسطورة تتميز بنظرة ذاتية حادة، وأصبح لدى أميركا مزيج من «الاحساس» بالمسؤولية المتورمة و«الحساسية» الملتهبة أمام الخارج.
ويمكن القول أيضا إن اميركا تحولت إلى جبروت سياسي لا تمكن مناقشته. وكذلك أصبحت قلعة اقتصادية من الصعب اختراقها. وتظهر أنها ثكنة عسكرية امبراطورية تعجز القوى الأخرى عن مواجهتها أو التعايش مع سطوتها وهيمنتها وشروطهما. ألم يقل جون كيري في بغداد بعد أحداث «داعش» موجها كلامه الحاد إلى نخب العملية السياسية: عودوا إلى مربع ما قبل خروجنا؟ إن سرير «بروكست» الاميركي جاهز دوما لقطع أرجل كل من يخرج عن الطاعة. بهذا المعنى، فإن التحولات التي حصلت هي قدرية بالشكل العراقي المأساوي، لأنها تمردت على الجبرية التاريخية وفق الرؤية الأميركية. وهي، بذلك، لا بد أن تكون أمينة للمجرى نفسه الذي يخوضه عملاء اميركا في المنطقة، وهم رعاة الارهاب التكفيري وممولو عصاباته المسلحة. وستكون الأموال والأسلحة المرصودة، بناء عليه، قصة مكررة لاعادة انتاج احتلالات جديدة وجولات من القصف العشوائي والمنظم وبناء قواعد عسكرية وعمارات شاهقة للإعلام والمخابرات المتعددة الأهداف.
النموذج الكونفدرالي الجديد
خلال الأحداث الأخيرة بانت تيارات جديدة في التحليل السياسي المباشر، الفردي والجماعي في العراق. ويجتهد هؤلاء في وضع أصابعهم على الأماكن الموجعة في الجسد العراقي الخائر القوى. لكن الغموض الداخلي، يمنع أحيانا تظهير الصور الحقيقية لما يحدث أو سيحدث. من هنا يظهر الهاجس اليومي لدى معظم هذه التيارات التحليلية: هل سيبقى العراق كما عرفناه أم أنه تغير ولن يعود؟ وفي داخل هذه الغابة الكثيفة، «يضطر» اكاديمي اميركي ومؤرخ رسمي للمؤسسة الاميركية إلى التفكير بصوت مسموع والقول بصدق بدائي إن العراق اكذوبة تاريخية غربية وأسطورة جغرافية مشرقية!
إنه الكاتب التاريخي السياسي جوزف ايليس، ودعوته العلنية لمعالجة الهم العراقي من خلال الرجوع إلى وصفة اميركية سحرية عاشتها اميركا نفسها في فترة «إعداد» عابرة بين الاستقلال واعلان اميركا أنها دولة ـ أمة كبيرة. ويتشبث ايليس بالصيغة الكونفدرالية التي شيدت بها علاقات الولايات المستقلة الاولى لاميركا. ويشدد على انها تطورت إلى دولة ـ أمة، بكل شروطها المعروفة. ولكي يؤكد أن وصفته مثالية، يتناول أوجاع المكونات الثلاثة سابقا خلال القرن الفائت، ويرى أن عليها الآن أن تأخذ بهذه الوصفة لانقاذ جسدها من الضمور والتلاشي.
وعليه، فعلى الاكراد الانضمام كليا إلى المعسكر الاميركي، ويجب ان تكون اربيل عاصمة للقواعد العسكرية والشركات الاقتصادية والكارتلات النفطية – «اكسون موبيل» ومراكز الاستخبارات والأمن. وعلى السنة أن يتحدوا في دولة ذاتية الادارة لتحقيق مذهبهم التاريخي وروابطهم القبلية وأن يستثمروا غازهم ونفطهم لتصليد هذه الدويلة الكبيرة التي ستتطور حتما إلى حالة يعتمد عليها في المشروع الجديد. وعلى الشيعة أن يتصرفوا بطريقة متوازنة عقلانيا بين انتماء مذهبهم العراقي تاريخيا والولاء السياسي لجغرافيتهم الخاصة وقطع العلاقات الخارجية التي تلحق الضرر بمشروعاتهم الاقتصادية التي تستند إلى ثرواتهم الطبيعية الجبارة.
باختصار شديد، يندفع ايليس في مشورته التجريدية ويطرح بحرارة ضرورة أن تتوحد هذه الكيانات بكونفدرالية تشمل العراق وسوريا وكل المنطقة بما فيها مصر والجزيرة العربية. يعتمد هذا المؤرخ العبقري على موضوعة انثروبولوجية شائعة منذ قرون، تقول بأن الله هو الذي خلق التربة، فيما الغرب هو الذي أخصبها.
