كان لافتاً للنظر، كثافة جهود خبراء ومحللين في الغرب، للتعمق في فهم ما وراء تفشي الإرهاب الدموي، وانتشاره بصورة رديئة تجاوزت جميع الأعراف، وتجردت من الغرائز الإنسانية الفطرية للبشر، واتجاه هذه الجهود نحو البحث عن الجذور الحقيقية التي أنبتت ظاهرة تنظيم “داعش”، وأشباهه .
بعض الدارسين والخبراء أشاروا صراحة إلى ضلوع أمريكا والغرب، في وصول هذه الظاهرة إلى أبشع مراحل السلوك الإرهابي، بنزوعه إلى التفاخر بسفك الدماء، والتمثيل بالجثث، بشكل يستلهم ممارساته من عصور الهمجية البدائية، في أزمان ما قبل وجود الدولة .
بعض أصحاب هذه التحليلات، استخدموا تعبير “الفراغ”، الذي يحرص دعاة الفوضى على اقتحامه . التعبير نفسه استخدمه ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا بقوله: “إن أكبر وأعمق تهديد لأمننا القومي، بصورة تفوق ما كنا قد تعرضنا له من قبل، قد نشأ من الفراغ، الذي يوجد الآن في الشرق الأوسط، والذي خلقه رد الغرب غير الحاسم تجاه المنظمات الإرهابية” .
أحد الخبراء الأمريكيين المرموقين وهو روجر كوهن كتب مقالاً في صحيفة “نيويورك تايمز” عنوانه “صناعة الكارثة” قال فيه: لا أحد يحب وجود فراغ في العالم العربي، مثل المتطرفين الجهاديين (كما يسمون أنفسهم) . فكيف نشأ الفراغ، ومن المسؤول عنه؟
هنري كيسنجر في أحدث كتبه “النظام العالمي” (World Order) الصادر في عام 2014 يقول: “عندما بدأ الربيع العربي، منطلقاً من تونس في كانون الأول 2010 أشاع الأمل في وضع نهاية لقوتين، هما الحكم الدكتاتوري، والمتطرفون الجهاديون، اللتين أصبحتا غير ذي موضوع، ولا مكان لهما، بعد الموجة الجديدة للإصلاح، ولكن الربيع العربي الذي بدأ كعهد جديد من الانتفاضات من أجل الديمقراطية الليبرالية، سرعان ما تعثر وتمزق وتحول إلى فوضى . وظهرت قوى سياسية تنزع إلى التمسح بالدين، وتسليح أفرادها، أقوى وأكثر تنظيماً من عناصر الطبقة الوسطى، الذين يتظاهرون من أجل مبادئ الديمقراطية في ميدان التحرير” . ثم يقول كيسنجر: “إذا لم يتم تثبيت نظام الدولة، فسوف تصبح مناطق واسعة مفتوحة أمام الفوضى، التي ينتشر فيها التطرف” .
ولم تتوقف دراسات أمريكية لمعاهد ومراكز بحوث، عن رصد أخطاء الإدارة الأمريكية، التي أسهمت في تنامي هذه الظاهرة الإرهابية، والتي اتفقت على أن استراتيجية أوباما، واصلت السير على نهج سلفه جورج بوش، الذي تم في عهده صك تعبير، تغيير المجتمعات العربية بحكام جدد، استقرت على أن يكونوا الإخوان المسلمين، الذين تمكنهم من الوصول إلى الحكم، في مختلف البلاد العربية، وليس فقط في مصر .
وكانت “مؤسسة راند” الشهيرة في أمريكا، قد نشرت تقارير موثقة عن العلاقة بين الإخوان والإدارة الأمريكية، وصفتها بالشراكة الإخوانية – الأمريكية . إضافة إلى مؤلفات أمريكية وأوروبية نشرت تفصيلات العلاقة، وتلاقي الطرفين على هدف تفتيت الدول العربية من داخلها، وهدم الدولة، وهو هدف يمهد لانتشار الفوضى، التي تخلق بدورها الفراغ، المهيأ لكي يقتحمه الفوضويون والإرهابيون .
وكما قال روجر كوهن في مقاله “صناعة الكارثة”: إن الفراغ الدموي هو بالضبط ما سمح به أوباما في سوريا . ولما تنبه إلى ما يحدث هناك، كان الأوان قد فات، بعد تفتيت التماسك المجتمعي في العراق، وانتشار “داعش” في مدنها، والذي ساعد عليه ضعف مواجهة أمريكا ل”داعش” في سوريا، والتي كانت مصادر تسليحها تتزايد، ويتدفق عليها الإرهابيون الجدد والأموال من الخارج .
ويضيف هنري كيسنجر في كتابه، إلى أخطاء أمريكا، ما وصفه بمواقف أوباما المتشددة تجاه نظام الحكم الجديد في مصر بعد 30 حزيران ،2013 وانحيازه إلى الإخوان، وقول كيسنجر: إن الحكومة المصرية بقيادة الرئيس السيسي، تنبهت إلى الدروس المستخلصة من تجربة سقوط سلفه الإخواني، وبادرت بتغيير الاتجاه من التحالف التاريخي مع أمريكا، لمصلحة حرية أكبر في المناورة .
لقد تصورت السياسة الأمريكية وكانت واهمة، أن في استطاعتها السيطرة على مساحات الفراغ الذي ينشأ عن عمليات هدم الدولة، إلى أن اكتشفت أن الإرهاب لا وطن له، ولا جنسية، ولا ضمير، وأن المنظمات الإرهابية التي انتشرت في ساحات الفوضى في سوريا، وليبيا، والعراق، تتولد عنها نماذج متطورة من التطرف والإرهاب، الذي صار يهدد الغرب في عقر داره . لكنها تنبهت متأخرة إلى ما صنعته يداها، وباعتراف أصوات من داخلها، بأن أمريكا تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذه الكارثة.
القدس دوت كوم