قد يتساءل البعض لماذا لم أعنون المقالة ببريطانيا بدلا من مجلس العموم, والسؤال على وجاهته لأن مجلس العموم هو الأقوى في بريطانيا، وهو الذي يجسد ارادة الشعب البريطاني، لأنه المجلس الوحيد المنتخب في بريطانيا، وهو القادر على تغيير كل شيء في بريطانيا حتى النظام الملكي، وهو الأقدم بين برلمانات العالم. ولذلك عندما يصدر قرار من هذا المجلس تكون له دلالات سياسية كثيرة ، وله تداعيات تؤخذ في الاعتبار.
وصحيح أن القرار الذي اتخذه المجلس بشأن الاعتراف بفلسطين قرار غير ملزم للحكومة ، وقرار له بعد رمزي، لكن له نتائج سياسية ، ولا يمكن تجاوزها ، قبل ذلك أهمية الإشارة أن القرار صدر ب 274 صوتا مقابل 12 صوتا ، والباقي ممتنعين أو لم يحضروا. هذا الرقم له دلالة سياسية كبيرة، إذا ما عرفنا ان مجلس العموم يتكون من الأعضاء الذين يمثلون أكبر حزبين وهما حزب «العمل» وحزب المحافظين إلى جانب حزب الأحرار. وأصلا القرار اقتراح تقدم به المعارض اليساري غراهام موريس رئيس مجموعة أصدقاء فلسطين في حزب العمل، وأما حزب المحافظين الحاكم فإن امتناع أعضائه أو تغيبهم قد يعني قناعتهم بالقرار ، وأهمية الاعتراف بدولة فلسطين، ولكن قد تكون هناك حسابات سياسية داخلية تحول دون ذلك، لكن الإمتناع أقرب إلى التأييد. والقرار صدر بتأييد الأغلبية، من 650 مجمل اصوات مجلس العموم. وهو ما يعني أن الرقم يعبر عن أغلبية كبيرة.
والسؤال : ماذا يعني؟ وما هي دلالات هذا القرار؟ المتعارف عليه سياسيا في بريطانيا ومعظم دول العالم أن الإعتراف من صلاحيات الحكومة ، وليس البرلمان وهو صاحب الوظيفة أو السلطة التشريعية ، ولذلك القرار غير ملزم للحكومة البريطانية، وهي من الدول التي لا تعترف بفلسطين كدولة ، ولكنها تقول أنها قد تفعل ذلك في أي وقت، إذا كان ذلك سيخدم عملية السلام. ورغم أن الإعتراف من صلاحيات الحكومة لكنها لا يمكن أن تتجاهل هذه الرغبة، وهذا القرار الصادر من أعلى سلطة في بريطانيا ، والتي تعتبر الحكومة جزء منه، بل تنبثق من المجلس، ومسؤولة أمامه، وتبقى في الحكم طالما تحظى بثقته، من هنا لا يمكن للحكومة الحالية أو أي حكومة قادمة أن تتجاهل تداعيات هذا القرار، وفي المستقبل قد يصبح حزب العمل في الحكومة أو حتى بعض أعضائه.
وفي الوقت ذاته القرار يعبر عن تحول في توجهات الرأى العام البريطاني والذي يجسده مجلس العموم، وقد يكون هذا التحول في بداياته لكن يمكن البناء عليه في المستقبل ، ويمكن تفعيله، وتحويله إلى قوة ضغط كبيرة ومؤثرة على قرار الحكومة في المستقبل. وقد يشكل قوة دفع ومثالا يحتذي به من قبل البرلمانات الأخرى في أوروبا. بعد الإعتراف الذي بداته السويد. وقد نتساءل ثانية : هل يمكن إعتبار القرار تصحيحا لخطأ تاريخي إرتكبته بريطانيا عندما أصدر وزير خارجيتها بلفور وعده الذي مهد لقيام إسرائيل كدولة؟ ولولا سياسات الإنتداب البريطاني التي فتحت أبواب فلسطين للهجرة اليهودية ما قامت إسرائيل؟
نعم تتحمل بريطانيا مسؤولية تاريخية كبيرة ، وقد يكون القرار تصحيحا جزئيا ، لكنه غير كاف، وليس بديلا عن قيام بريطانيا بتحمل كل مسؤولياتها التاريخية ، والإعتراف بفلسطين دولة كاملة، وترجمة هذا الموقف في داخل مجلس الأمن. ويمكن أيضا أن يترجم بدور اكثر فاعلية تقوم به الدبلوماسية البريطانية في العملية التفاوضية ، والضغط في اتجاه إسرائيل الالتزام بإنهاء احتلالها للاراضي الفلسطينية، وقيام الدولة، وأكثر من ذلك العمل على دعم هذه الدولة . ومن التداعيات المهمة لهذا القرار والذي يعبر عن تحول شعبي في بدايته قد يفسح الطريق لفتح ساحة جديدة في إدارة الصراع مع إسرائيل، والإنتقال بها إلى ساحات الدول الأوروبية، وتحويلها لتصبح قضية رأي عام داخلي، وهذا ما قامت به إسرائيل في السابق عندما جعلت من نفسها قضية داخلية في أوروبا، وفي الولايات المتحدة.
هذه السياسة تحتاج إلى خطة عمل ديبلوماسية فلسطينية مدعومة عربيا، والإستفادة من تواجد الجاليات العربية والاسلامية في تشكيل قوى ضاغطة ، وفي إمكانية الدخول في الإنتخابات البرلمانية ووصول اعضاء من هذه الجاليات او المؤيدين ، الذين يمكن أن يشكلوا نواة كتل تصويتية ضاغطة على قرارات الحكومات في بلادها.
وأخيرا القرار قد يكون رمزيا وغير ملزم، لكن في الدول الديموقراطية القرارات لا تقاس برمزيتها فقط، ولكن بتأثيرها وتبنيها ، وتحولها لسياسات وقرارات، ولذلك القرار بداية معركة سياسية جديدة مع إسرائيل، وقد يشكل مزيدا من العزلة والمقاطعة التي لم تعهدها إسرائيل، وهذا بداية التحول الحقيقي في الوصول إلى الأهداف الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية الكاملة.
